نالت الحكومة ثقة المجلس النيابي بأكثرية ساحقة: 111 صوتا من أصل 128. ستة أصوات فقط حجبت الثقة عن الحكومة. وقد تغيّب عن الجلسة 11 نائبا. لقد هلّل الجميع، دون استثناء، بنتيجة جلسات المناقشات الطويلة، الحامية الوطيس، للبيان الوزاري، وتنفسوا الصّعداء. وقد هلّل الشعب أيضا وتنفّسَ الصّعداء، بعد أن تعب من متابعة المسلسل المملّ لمخاض الحكومة طيلة تسعة أشهر، وبعد أن فوجىء، مؤقتا، من التضخّم غير الطبيعي لجسم المولود الجديد (30 وزيرا بين ذكور وإناث ووجوه قديمة ووجوه جديدة هي نسخة طبق الأصل عن القديمة). إنه مولود لا "خلقة" كاملة له (لا يمثل كل الشعب اللبناني كحكومة وطنية موعودة)، ولا هو "نعمة" زائدة في بلد النقمات والنكبات والمصائب.

               ماذا الآن، بعد حفلات المديح والهجاء والفضح والتجنّي المُتبادَل بين الساسة، كالمعتاد، على خشبة المسرح، والمباريات السمجة والمضحكة والمؤلمة في آنٍ معا، في فنّ المعرفة والتذاكي والإنتقاد والسخرية والتهكّم، وفي فنّ الخطابة والتحدّي والصراخ والغضب إلى حدّ رفع الأيدي للتضارب، وإثبات الوجود وقوة الشخصية والكبرياء وروح العظمة، وإرضاء الأتباع والأزلام الذين يمثلّون أقلّ من نصف الشعب اللبناني المشارك في انتخاب الساسة ؟

               ماذا بعد الثقة "الساحقة"، المشروطة، المؤقتة، وبصوت خافت وحياء، بالحكومة؟ 

               ماذا بعد "الثقة" التي بدّ منها لأسباب معروفة، والتي تعني، في الحقيقة، "لا ثقة" مبطّنة؟ 

               ماذا بعد ال"لا ثقة" المعروفة أسبابها أيضا، والتي تعني "ثقة" مبطّنة، لا مفرّ منها؟ 

               ماذا بعد حماس الحكومة الشديد بإقناع الشعب اللبناني بأنها سوف تعمل بقوة وإخلاص، هذه المرّة (لا كسائر المرات؟)، من أجل ازدهاره ومنعته، وسوف تظلّ ماضية (وهنا علامة الإستفهام الكبرى والإسستغراب) في متابعتها لتحقيق مشروع الإستدانة من مشروع "سيدر"، رغم تنبيه الخبراء المتكرّر في الإعلام بعدم المغامرة مرّة أخرى، كما حصل في السابق، في الإتكال على مشاريع إستدانة من هذا النوع، هي دائما غير بريئة من طرف الحكومة المستدينة ومن طرف الجهة المُدينة، وتفرض شروطا إقتصادية وسياسية واضحة على لبنان، وقد كانت وبالا (زيادة الضرائب، غلاء المعيشة، تدنّي الأجور، بطالة...) فقط على الشعب اللبناني الفقير، المديون، بأكثريته الساحقة (رغم كل المظاهر البراقة، الخادعة)، لا على الساسة وأصحاب الثروات الهائلة، الخيالية، والمصارف والإستثمار، في الحكم وخارجه؟

               إن الشعب، اليوم، كما في السابق، وبعد انتهاء كل استحقاق إنتخابي ورئاسي أو تأليف حكومة، يَعِدُ نفسه، كي يتجنب اليأس، بآمال جديدة وبحياة جديدة، وينتظر، على أحرّ من الجمر، الخلاص الذي لا يأتي، من مصائبه المتراكمة. وكأن الشعب اليوم، وبعد خيبات أمل كثيرة، متكرّرة، من زعمائه وساسته العتاق والجدد، وبعد أن لُدِغَ من جحورهم آلاف المرات، لم يعد يهمّه (رغم بقائه الغريب وفيًّا لهم لأسباب عائلية ومذهبية وطائفية ضاغطة)، على يَدِ مَنْ، ومِنْ أينَ، وكيفَ يأتيه الخلاص. يريدُ الخلاصَ وحَسْبُ، أأتى من الملائكة أم من الأبالسة، لا فرق. إن ازدواجيّة أو جدليّة ال"ثقة" وال"لا ثقة" التي اعْتَمَلَتْ، مؤقتا، وبشكل طبيعيّ، مريح، ودون حرج، في نفوس وسلوك وقرار الساسة خلال جلسة نقاشهم للبيان الوزاري، تعتملُ أيضا، ولكنْ بشكل دائم وأشدّ قسوة وأكثر صدقا، في نفوس معظم أبناء الطوائف، في معاناة حيرتهم المريرة بين ولائهم للساسة وحاجتهم لهم وبين تسلّط الساسة وأنانيتهم وكبريائهم ووعودهم الكاذبة وفشلهم في مجال خدمة شعب الوطن بأسره.

               بعد استلام وزراء الحكومة الجديدة لحقائبهم، يعود الشعب من جديد إلى اجترار هموم حياته اليومية وإلى الإكتواء بنار قلقه على المستقبل، في جحيم معسكر اعتقاله الذي يديره الساسة، أحباؤه وجلادوه. ويعود الساسة إلى التنعّم، معا، ووحدهم، بعيدا عن الشعب، بسعادة حياتهم اليومية والمستقبلية، في جنات نعيم الحكم الخالدة، التي تجري من تحتها أنهار اللبن والعسل.

               ماذا ثمّ ماذا بعد؟

               إن كل من يملك عقلا سليما من أبناء الشعب اللبناني، لا يمكنه أن يتأثر أبدا بالتفاؤل المفرط والفرَحِ المُصْطَنَع للحكومة الجديدة، وأن يصدِّق وعودها المتكرّرة بالعمل على حلّ كلّ مشاكل الشعب اللبناني، دون إرهاقه، وخلال فترة زمنية قصيرة، ولا يمكنه إلّا أن  يتساءل، بمرارة وحيرة، وبقلة ثقة أو إنعدامها كلّيا بالحكومة وبمعظم الساسة:

               -لماذا تصرّ الحكومة على الإستدانة (لحلّ مشكلة الكهرباء، مثلا، والنفايات، والعجز المالي...)، والإستدانة (كما هو معروف من الخبراء والساسة والإعلاميين وأبناء الشعب) مشروطة سياسيا وعسكريا وإقتصاديا (الحكومة تنكرُ ذلك)، وهدفها إضعاف الشعب اللبناني وجيشه ومقاومته وإفقاره، وقتل إرادة الحياة والصمود وروح العنفوان والكرامة والمقاومة فيه، مقاومة العدوّ التلمودي العنصري وفلول مرتزقته الإرهابيين، وإنهاكه شيئا فشيئا حتى إجباره على التسليم بمشيئة قادة "النظام العالمي الجديد" (معظم ساستنا الباطنيون، العتاق والجدد، منفتحون جدا، بالسرّ والعلن، على هؤلاء القادة) وتطبيع العلاقات مع كيان العدوّ، وتوطين اللاجئين والنازحين (بعكس ما تدّعي الحكومة، ولا أحد يصدّقها على كل حال)؟

               -إذا كانت نيّة الحكومة صافية وصادقة تجاه الشعب اللبناني، للعمل في سبيل ازدهاره وسعادته (كما تدّعي، ولا أحد يصدقها)، فلماذا الخوف والتهرّب، إذاً، من البحث في العرض الذي قدّمته دولة صديقة (إسمها إيران) من أجل المساعدة في حلّ مشكلة الكهرباء وغيرها، دون فرض أية شروط، ودون تحميل الشعب اللبناني أحمالا ثقيلة، كما فَعَلَتْ، وما زالت تفعل، حكومات دول أخرى سيئة النوايا والأهداف، وتدعي محبة لبنان؟ من يستطيع أن يقنع الحكومة بعدم تجاهل هذا العرض السخيّ، وبإعطاء الفرصة لهذه الدولة المستعدة لمساعدة لبنان، واختبار نواياها، على الأقل، من قبل المشكّكين، عمدا، بهذه النوايا، خوفا من إغاظة بعض أولياء أمرهم المعروفين من دول الخارج، والخائفين على خسارة أرباحهم الخاصة، ربما، جرّاء التعامل الشريف، الصادق، مع دولة صادقة، لا تخون أصدقاءها؟ 

               -لماذا تكتمُ الحكومةُ نيتها المُبَيَّتَة بزيادة الضرائب على الشعب الفقير نتيجة الإستدانة، كما فَعَلَتْ قبلَها الحكومات المتعاقبة على الحكم بعد "اتفاق الطائف"، من أجل تأمين واردات وملء خزينة الدولة (أي الشعب)، التي لم تمتلىء أبدا، وبقيت فارغة، منهوبة من ساسة هم أصحاب جيوب منفوخة وخزنات سرية ملأى من مال الشعب، وهم أيضا دعاة مكافحة الفساد. أو لعلّ خزنة الدولة منهوبة، بالأحرى، من شبح خبيث، لعين، يَرَى ولا يُرى، مجهول الهوية والإقامة، عابر للقارات، إسمه "الفساد"؟

               -لماذا نحن في ضمور دائم صحّةً ومالاً وعمراً، وفي ازدياد دائم حزنا وقرفا ويأسا، والساسة في ازدياد مطّرِد من التنعّم بنِعَمِ وبركات وخيرات الحكم وامتلاك المال والقصور (منهم بين ليلة وضحاها) وامتلاك الصحّة وطول العمر والسعادة؟

               -من يستطيع أن يقنع الحكومة بعدم الإرتماء، بعد اليوم، بأحضان دول قد برهنت بما فيه الكفاية بأنها لا تريد الخير للشعب اللبناني (إشعال الحرب الأهلية، مثلا، طيلة 15 عاما، ومنع الجيش من التسلح، وإضعاف الإقتصاد...)، وبوجوب الإمتناع عن تنفيذ مشروع الإستدانة الإنتحارية الجاهز، الوشيك، وبعدم فرض ضرائب جديدة (جاهزة سلفا) على الشعب الفقير؟ من يستطيع أن يجبر الحكومة على عدم ارتكاب الخطأ عينه أكثر من مرة؟

               -لماذا لا ترسل لنا السماء، بسرعة البرق، من رحم أحزاننا وأوجاعنا، المخلّص الحكيم، الشجاع، النزيه، الزاهد، الأمين، المتواضع، الذي يحبّ الشعب وخدمته حبًّا صادقا، وفيًّا، مخلصا، والذي يستطيع، وبتأييدِ ودعمِ شعبٍ، مُوَحّد، قويّ، أن يضع حدًّا نهائيا لفساد الساسة المستفحِل، ولكبريائهم وتباهيهم بعروش العظمة والمجد، ولظلمهم المتمادي للشعب، واحتقارهم وخداعهم له، وسرقتهم الوقحة لماله، فيضعَ، بذلك، حدًّا نهائيا لقهر الشعب وتعاسته وفقره؟

               في الوقت الذي يسأل فيه كل إنسان سليم العقل والنوايا هذه الأسئلة، ثمة شعور عام سائد عند الشعب، بعد أخذ الحكومة الثقة، بأن السياسيين ماضون، دون أن يمنعهم أحد، في تحقيق مشاريعهم الخاصة، بمعزل عن مناقشات بيانها الصاخبة، وبمعزل عن رأي الشعب وإرادته وحاجاته وحقوقه، ولا من يحاسب (إلا بالكلام والصراخ) ولا من يحزنون. 

               كل ما يرجوه المخلصون الواعون، هو ألّا يستفيق الشعب اللبناني، فجأة، على خدعة سياسية جديدة تصدمه وتنهي ما تبقّى من كرامته ووجوده الحرّ.
 
               إن كل ذي عقل سليم لا يمكنه إلّا أن يعيد التساؤلات عينها، وبحزن شديد:
 
               -ما الجديدُ المفرِحُ، اليوم وغدا، يا تُرى، تحت شمس لبنان؟

               -هل يأتي يومٌ يُخْرِجُ فيه العوسجُ تينا والشوك عنبا، في لبنان؟

               -هل يكفي نور شمعة الوعي والثورة الخافت، الضعيف، وحده، لطرد ظلمات الوطن الكثيفة وأبالستها؟
  
               -هل يفقد الشعب (نتيجة سياسة الوعود الكاذبة والتخدير والقمع التي تمارسها الدولة ضدّه) روحَ الثورة السلمية (بالتظاهر والإعتصام والعصيان المدني) على ساسته الظالمين، وينتهي به مطاف مسيرته المأساويّ، العبثيّ، صوب الحرية والحياة الكريمة والإزدهار، إلى أنه لا حلَّ جذريًّا لمشاكله الأبدية إلا باستعمال العنف؟

               -هل يتحرّر الشعب اللبناني، في يوم لا يكون بعيدا جدا، من قيود ذلَ الطائفية وعبادة أصنامها، ويتّحد، ويثور؟

المقال يعبّر عن وجهة نظر و رأي كاتبه