منذ قرون، اعتمدت جماعات من السكان الأصليين في أمريكا الجنوبية على شراب مخمَّر مصنوع من أجزاء من كرمة وشجيرة محلية، يبدأ مفعول هذا الشراب، الذي يسمّى آياهواسكا، بقيء وإسهال شديدين، لكن السبب الحقيقي وراء تناوله: حالة الهلوسة التي تتبع ذلك؛ إذ كان يُعتقد أن هذه الخيالات تكشف الأسرار الكامنة وراء الحالة الصحية السيئة للشارب، كما تُحدِّد طريقة علاجه.  

كشفت التقنيات الحديثة أن أحد المركبات الكامنة وراء هذه الخبرات الروحية الغامضة هو عقار هارمين ذو التأثير النفسي، وما لم يتمكن هؤلاء المستخدمون الأوائل لمشروب آياهواسكا من معرفته أن هذا المكوِّن من مشروبهم الكاشف سيعتبر في يوم ما مفتاحًا لعلاج مرض السكري. 

لا يزال مثل هذا العلاج بعيد المنال، لكن الباحثين قطعوا خطوة أخرى تجاهه عندما دمجوا الهارمين الموجود في الطبيعة مع مركب مُصنَّع بالكامل مختبريًا، وفي وسع هذا المركب الثنائي تحفيز الخلايا البنكرياسية التي تفرز الإنسولين (تسمّى خلايا بيتا) لمضاعفة إنتاجها بمعدلات هي الأسرع على الإطلاق، حسب النتائج التي نشرت يوم 20 من ديسمبر في دورية "سيل ميتابوليزم" Cell Metabolism.  

يحدث مرض السكري من النوع الأول عندما يهاجم الجسم هذه الخلايا البنكرياسية ويدمرها، في حين يحدث مرض السكري من النوع الثاني عندما تَبْلَى هذه الخلايا ولا تستطيع إنتاج الإنسولين، ويمثل كلا الحدثين نقطة اللاعودة، لأن خلايا بيتا التي تتكون في مرحلة مبكرة من حياتنا هي الوحيدة التي نملكها طوال عمرنا. 

إذا انضم هذا المركَّب الثنائي في نهاية المطاف إلى قائمة الأدوات العلاجية لمرض السكرى، فإن إعادة تنشيط مجموعة الخلايا البنكرياسية الخاملة يمكن أن يصبح حقيقة ملموسة وعلاجًا محتملًا لمرض السكري. 

يقول جستين أنيس، الأستاذ المساعد في مجال الطب وعلم الغدد في جامعة ستانفورد، والذي يبحث أيضًا تكاثر خلايا بيتا مع مجموعة أخرى من الباحثين: "أتذكر أنه قبل 10 سنوات أو نحو ذلك، كنا نتساءل عن إمكانية تحفيز خلايا بيتا البشرية على الانقسام"، مضيفًا: "لكن ما بدأ كضرب من خيال تحول إلى طموح، وربما سيصبح حقيقة واقعة في غضون السنوات المقبلة".

إحدى محطات هذه الرحلة العلاجية دراسة أُجريت عام 2015، وبيَّنت أن علاج خلايا بيتا بالهارمين مختبريًا قد عزَّز زيادتها بمعدل بلغ 2% تقريبًا يوميًا، كانت بداية واعدة، لكن معدل النمو بطيء للغاية بالنسبة لمريض يحتاج إلى خلايا بديلة، حسبما ذكر أندرو ستيوارت، مؤلف الدراسة والمدير العلمي لمعهد السكري والسمنة والأيض في مدرسة إيكان للطب في مونت سيناي.  

أما في هذه الدراسة الأحدث، فيبيِّن ستيوارت وزملاؤه أن دمج الهارمين بمثبط اصطناعي لجزيء آخر يرفع هذا المعدل من 5 – 8% في المتوسط، وحتى 18% باستخدام بعض المركّبات المحفزة على النمو. هذا التكوين الثنائي ليس الشكل الوحيد المحتمل لهذا المركب الكيميائي؛ إذ توجد مجموعات بحثية أخرى تعمل على الجمع بين مركبات أخرى متنوعة، على حد قول ستيوارت. وقد حدد أنيس وزملاؤه مركبات متعددة تحمل وعدًا مشابها بدفع الخلايا التي تفرز الإنسولين إلى التكاثر. 

يقول ستيوارت: "في الأساس، نحن جميعًا نتنافس، لكن يعرف بعضُنا بعضًا، لذا فإننا نتشارك الكواشف والأفكار، وقد حدَّد باحثون مختلفون عقاقير متباينة تجعل خلايا بيتا تتضاعف". وكان الهارمين اختيار مختبره لأنه العنصر الذي استخلصوه من فحصهم لـ100000 مركب عام 2015، لكنه يضيف: "لا أعتقد أن الهارمين على وجه التحديد أفضل من أي عنصر آخر". 

ففي عام 2006، استخلصتْ مجموعة أخرى من الباحثين عقار الهارمين من بين عدد لا حصر له من الجزيئات، بينما يبحثون عن مواد كيميائية تتفاعل مع بروتين مرتبط بمتلازمة داون. وبيَّنت الدراسات اللاحقة دور الهارمين في العديد من أجهزة الجسم، بما في ذلك القناة الهضمية والمخ، ما فَسّر جزئيا آثار مشروب آياهواسكا على مستخدميه الأوائل.

يثبط الهارمين إنزيم يسمى كيناز 1A مزدوج الخصوصية المنظم للتيروزين، أو DYRK1A، وهو إنزيم يعمل، مثل الهارمين، في عدد كبير من الأنسجة، وإحدى وظائفه المساعدة على تشكيل الجهاز العصبي المركزي في أثناء نمو الجنين. عُرف أنزيم DYRK1A لأول مرة بسبب دوره المحوري في متلازمة داون، ودوره الروتيني هو إضافة علامات كيميائية إلى الجزيئات كي يحفّز عملها أو يثبطه. 

أما الجزيء الآخر في هذا الزوج المتآزر فهو مثبط من مجموعة بروتينات من عائلة عامل النمو المحوّل بيتا العليا (TGFßSF). وكما هو الحال مع إنزيم DYRK1A، فإن هذه البروتينات لها دور نشط في عدد كبير من العمليات التي تتم داخل الجسم، بما فيها تكاثر الخلايا. 

استقر رأي ستيوارت وفريقه على إنزيم DYRK1A ومثبط TGFßSF بعد أن سبروا أسرار خلايا من أورام بنكرياسية حميدة تسمى الورم الجزيري، وأدركوا أنهم إذا استطاعوا تحديد أسباب نمو هذه الأورام، فإن بإمكانهم الاستفادة من هذه المعلومة لتحفيز نمو خلايا بيتا عادية، وكشفت بحوثهم أهدافًا ترتبط بـDYRK1A و TGFßSF.

يؤدِّي تثبيط هذه الجزيئات في خلايا بيتا البشرية مختبريًا إلى كبح جماح منظمات الخلايا التي عادةً ما تمنع نمو الخلايا السرطانية الخارجة على السيطرة، ولأن الهارمين ومثبط TGFßSF يعوقان هذا المنع، ونظرًا لنشاط DYRK1A و TGFßSFفي العديد من الأنسجة، فإن أي علاج يشتمل على هذا الزوج من المثبطات لا بدَّ أن تراعي دقة التوجيه. يعلّق أنيس: "بالتأكيد، أمامنا طريق طويل يتعين علينا خوضه قبل استخدام هذه الأدوية على البشر"، واصفًا المخاوف من احتمال الإصابة بالسرطان بأنها "معقولة".

ويضاف إلى هذه المخاوف تأثير الهارمين على أنواع خلايا أخرى، كما يقول كلاوس كايستنر، أستاذ علم الوراثة والمدير المشارك في مركز جامعة بنسلفانيا لبحوث السكري بجامعة بنسلفانيا، الذي لم يشارك في الدراسة. وفي عام 2016، أفادت مجموعته البحثية أن الهارمين يُحفّز أنواعًا كثيرة من الخلايا المنتجة للهرمونات على الانقسام، بما في ذلك خلايا أخرى في البنكرياس. 

ويفحص ستيوارت وزملاؤه عددًا من العلامات الكيميائية المحتملة التي قد تساعد على توجيه المثبطات إلى المكان الصحيح، لكن حتى الآن، "نحن أشبه بفريق من سعاة البريد لديهم مجموعة من الخطابات، تحمل اسم المرسل إليه، لكن دون العنوان"، حسب وصف ستيوارت. 

يُشكِّل مرض السكري من النوع الأول عقبة أخرى، فرغم أن الجهاز المناعي يستهدف هذه الخلايا في هذا النوع من السكري ويدمِّرها، فإن مجموعة صغيرة من خلايا بيتا غالبًا ما تبقى، على حد قول ستيوارت، ما لا نعرفه هو ما إذا كان إنماء مجموعة خلايا جديدة من تلك الخلايا الباقية سيجذب ببساطة مزيدًا من التدمير المناعي. 

يقول ستيوارت إنه إذا وصل مركب مثبط هارمين – TGFßSF يومًا إلى مرحلة التجارب السريرية، فإن المجموعة التي قد يناسبها هذا المركب في البداية هم مرضى السكري من النوع الثاني، عندئذ ستكتمل الرحلة التي بدأت من غابات أمريكا الجنوبية المطيرة وصولًا إلى مختبرات العلاجات الإكلينيكية.