الفرنسيون والألمان يذهبون بعيداً في قراءة ما وراء  وارسو . هم أعضاء فاعلون في حلف الأطلسي . استخباراتهم ترصد اتصالات عسكرية أميركية , وحليفة , غير اعتيادية , والى حد الكلام عن السيناريو الذي وضع جون بولتون خطوطه العريضة حول حرب كاسحة ضد ايران .

    في رأس بولتون غارات على طهران شبيهة بالغارات التي شنتها أكثر من 300 طائرة أميركية على طوكيو في 9أذار 1945 (احتراق 250 ألف منزل ومصرع 100 ألف شخص) , واستبقت القنبلة الذرية على هيروشيما في السادس من آب ... والقنبلة على ناغازاكي بعد ذلك بثلاثة أيام .

   يقولون أيضاً ان الأقمار الصناعية الأميركية , والاسرائيلية , قامت بما يمكن أن يسمى بـ"حراثة الأرض وما تحت الأرض" في الجغرافيا الايرانية , وبات هناك بنك الأهداف الثمين الذي يمكن أن "يدفن نظام آيات الله الى الأبد".

   لن تنطلق القاذفات , والصواريخ , فقط من حاملات الطائرات , والبوارج الجاثمة في محيط الخليج . الأميركيون لديهم قواعدهم في باكستان , وأفغانستان , واذربيجان التي تستضيف , بين الحين والآخر ,  مقاتلات اسرائيلية 

تقوم بمناورات , وعمليات استطلاع , قرب الحدود الايرانية. بطبيعة الحال , هناك القواعد  في السعودية , وقطر , والعراق .

   موجات متلاحقة من الغارات التي تستهدف المنظومات الصاروخية , وشبكات الرادار , والقطع البحرية , ما يؤدي الى شل الذراع العسكرية للنظام الذي ان بقي على قيد الحياة لن يكون أمامه سوى الاستسلام بين يدي الجنرال جوزف فوتيل , مثلما فعل الأمبرطور هيروهيتو بين يدي الجنرال دوغلاس ماك آرثر .

      في هذا السياق , كان الخلاف بين مستشاري البيت الأبيض وجنرالات البنتاغون حول الانسحاب من سوريا . المستشارون يعتقدون أن العدد القليل في شرق الفرات (نحو ألفي جندي) قد يتحولون الى هدف مجاني للايرانيين ولـ"الميليشيات" الحليفة . 

      الجنرالات يرون أن الايرانيين تراجعوا الى مناطق بعيدة , ولن يكون باستطاعتهم فعل أي شيء في الساعات القليلة المتبقية لهم . هكذا يكون الوجود الأميركي على الأرض السورية ضرورياً للمرحلة المقبلة التي تعقب تصفية النظام , وفرض قواعد جديدة للعبة في الشرق الأوسط .

   وحتى في المقاربة الكلاسيكية للمسألة , من الأفضل بقاء القاعدة الأميركية قبالة القاعدة الروسية في سوريا .

    في هذا الاطار يندرج ما تسرب من معلومات من القاعة المقفلة حول "صفقة القرن" التي يفترض تنفيذها اجراء سلسلة من العمليات الجراحية , العميقة والبعيدة المدى , أي عمليات عسكرية تستوعب , أو تدمر , القوى التي تقف حجر عثرة في وجه صفقة لا تكتفي بازالة فلسطين والفلسطينيين , بل انها تدفع نحو مسار استراتيجي يكرس القيادة الاسرائيلية , بحمولتها التوراتية الثقيلة , لسائر بلدان المنطقة . 

   لا مجال للكلام عن ان رجلاً مثل دونالد ترامب يمكن أن يكون مصاباً , مثل نائبه مايك بنس ومستشاره جون بولتون وآخرين في ادارته , باللوثة الايديولوجية التي تحكم الرؤية الاستراتيجية. الرئيس الأميركي , بتلك النرجسية الهائلة , يعنيه منطق السوق دون منطق الايديولوجيا , ودون منطق التاريخ .

   اذ توفر له تلك  العملية دعماً مطلقاً من اللوبي اليهودي , بتأثيره الشديد في الانتخابات الرئاسية , فان ثروات الخليج , وثروات المنطقة , كلها تصبح في قبضته , مع ما لذلك من تداعيات دراماتيكية على المعادلات الدولية من الباسيفيك الى البلطيق .

   الروس يتوجسون من آفاق مؤتمر وارسو . اختيار بولونيا التي تقع على حدودهم , ومنها انطلقت الشرارة الأولى لتفكيك الاتحاد السوفياتي (الثنائي البولوني البابا يوحنا بولس الثاني وزبغنيو بريجنسكي) , أثار لديهم الكثير من الهواجس, لا سيما أن القيادة السياسية البولونية قد تكون أكثر عداء لروسيا من القيادة الأوكرانية , وأكثر ميلاً للالتحاق بالقطار الأميركي .

   أي ضربة مدمرة لايران لا بد أن تنعكس , كارثياً , على الأمن الاستراتيجي الروسي , ان في الشرق الأوسط أو في آسيا الوسطى , ناهيك عن القوقاز .

     المعلومات الألمانية والفرنسية تقول أن فلاديمير بوتين لن يترك الأمور تمضي في هذا الاتجاه . الدببة القطبية لن تعود الى ما وراء الثلوج . في التعليقات الأخيرة اشارات الى تنسيق روسي ـ ايراني في منتهى الحساسية , في حين أن دولاً شاركت في مؤتمر وارسو أبلغت واشنطن بأنها ضد اي سياسة يمكن أن تفضي الى الانفجار .

   الروس والايرانيون ينظرون بـ"عين حمراء" الى تفجير زهدان بعدما ذكرت تقارير استخباراتية عن اتجاه (متزامن) الى اثارة الاضطرابات الأمنية , والسياسية , ان في ايران أو في بلدان لها حضورها الفاعل فيها .

   وراء الضؤ , حرب اعصاب صاعقة . معلقون أميركيون يقولون ان الادارة تعتمد على دول تعاني من التصدع (باستثناء اسرائيل) . طهران تعتمد على "ميليشيات" فولاذية يمكن أن تؤثر في أي مسارات يمكن أن تهدد المصالح الحيوية الايرانية .

   الايرانيون الذين رفعوا الصوت الى حدوده القصوى , اثر العملية التي استهدفت حافلة للحرس الثوري , حذرون جداً . يقولون انهم لن يقعوا في الفخ . الديبلوماسيون الغربيون في بيروت يلاحظون أي لغة مخملية يستخدمها "حزب الله" على المستوى الداخلي منعاً لانهيار الوضع (الانهيار الذي قد يكون مبرمجاً) .

مؤتمر وارسو لم يعقد ليكون مجرد تظاهرة فولكلورية . حتى وان حاول الفرنسيون اللعب في الزاوية السورية , وآثر الألمان البقاء على مسافة من السيناريو البولندي ,  المواقف الأوروبية لا تخلو من عبارة "اياكم والحرب العالمية الثالثة". هكذا يعود دونالد ترامب من الكرنفال بسلة فارغة ...

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه