مؤتمــــر وارســــو ( اعــــلان ) التطـــبيع بيـــن ملـوك النـفط واسـرائيل


مـا تــقوم بـه أمريـكا هو الخــطة / ب / بعد فشـــلها في حـروب المنطقة


هــل ستســـلم أمريكـا (عهـــدة حمــاية اســرائيل ) إلـى ملــوك الخــليج 



استجابة لقول الرئيس الأمريكي ترامب الصريح، لولا السعودية لغادرت ( اسرائيل ) تخيلوا أبعاد كلمة ( لغادرت اسرائيل )، ثم أضاف ولولا حمايتنا للخليج ما بقيت السعودية أسبوعاً، هذا الحديث الفاقع له كبير الدلالات، لأنه صدر عن رئيس أكبر دولة في العالم، ومن الطبيعي أن يمسك بميزان السياسة العالمية، لذلك على كل عاقل يتصدى لتحليل ظروف المنطقة ومستقبلها، أن يضع هذين التصريحين كأرضية لأي دراسة أو تحليل، وأنا واستناداً عليهما سأطل على مؤتمر وارسو باحثاً عن أسباب انعقاده، والنتائج المترتبة عليه .

ليس مألوفاً ولا هيناً أن تعترف الامبراطورية الأمريكية، الكلية القدرة، قائدة القطب العالمي الأوحد، أنها وقعت في سوء التقدير الذي أدى إلى فشلها الذريع في حربها الأهم ضد سورية، رغم ما تملكه من قوة استخبارية تحرك العالم، والتي كانت تعتبرها الحرب ( الهينة والأخيرة )التي بها ستغلق دائرة سيطرتها على ثلاثة أرباع العالم ، فبعد تدمير سورية المشاكسة ( وتفتيتها إلى خمس أخرى ) لأن اتفاقية ( سايكس بيكو ) يبدو أنها لم تعد تفِ بالغرض، ستريح اسرائيل وتطلق يدها على المنطقة، بل قد تسلمها العهدة على المنطقة أو بعضاً منها، 
.
ورغم أهمية هذا الانجاز الاستراتيجي، كان بالنسبة للإمبراطورية الأمريكية ليس إلا مقدمة: لإغلاق البحر الأبيض المتوسط نهائياً في وجه القوتين الشرقيتين، روسيا والصين، الطامحتين معاً لتشكيل القطب العالمي الثاني المنافس، لأن الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، يشكل البوغواز الضروري والممر الاجباري الأهم لتحقيق حلمهما، وبدونه سيكون من الصعب إن لم يكن من المستحيل الخروج من مجالهما الإقليمي إلى العالمية، وأخذ دوريهما في السياسة العالمية .
.
من هنا يَتَبيّْنُ لنا أهمية سورية الجغرافي ـــ السياسي بالنسبة لأمريكا والشرق، فالأولى تريد استكمال سيطرتها، والاطمئنان على تفردها في قيادة العالم والتحكم بمصائر الشعوب، بعد استيلائها على شرق المتوسط، والامساك بحركة التاريخ وتوظيفها لمصلحة سياساتها، والدولتين روسيا والصين يريدان أن يخرجا من الحصار الثلاثي الاقتصادي ــــ السياسي ــــ العسكري، الذي تفرضه أمريكا عليهما، ويوقفان الذئب الأمريكي الأغبر المنفرد والمتوحش، الذي بات يهدد السلم العالمي، من خلال سياسة الحروب التدميرية، والسيطرة على مقدرات الشعوب، لذلك اعتبر الميدان السوري ميدان الحسم بين معسكرين .
.
من خلال هاتين الغايتين الاستراتيجيتين : ندرك لماذا حشدت أمريكا كل طاقاتها وطاقات حلفائها وعلى رأسهم اسرائيل في حربها على سورية، ولم تكتف بتلك الطاقات فقط، بل وظيف الفكر السلفي بشقيه الوهابي والاخواني، الذي جندت من خلاله مئات الآلاف من الوحوش الارهابيين، المزودين بفقه القتل والذبح، بذلك يمكن أن نعتبر هذه الحرب لامثيل لها في التاريخ الحديث ولا في القديم، لأنها استخدمت السلاح الأمضى الذي استخدمه الغرب الاستعماري ، ألا وهو إظهار الصراع في المنطقة على أنه صراع بين مكونات دينية واثنية وقومية، ( شيعية ، سنية، كردية، عربية )، وبدت الصورة كذلك لأن الاحتراب يدار من قبل الغرب بناءً على هذه الهويات المتعددة ليس من الآن ولكن منذ قرنين وأكثر، والذي صنعها لمثل هذه الاستخدامات التفتيتية، ولكن هذه الفرية لم تنطلِ إلا على الذين في قلوبهم زيغ طائفي، وأنها ليست في حقيقة الأمرسوى الواجهات الخداعية لأسباب الحرب ودوافعها المزدوجة، التي أشرنا إليهما.
.
لكن الصمود السوري المذهل، دفع الأصدقاء الروس والايرانيين إلى الانخراط في الميدان وتقديم العون، وكان حزب الله قد بادر قبلهما، هذا التحالف لم يلحق الهزيمة النكراء بالهجمة البربرية الأمريكية وحلفائها وكل ذيولها وملحقاتها فقط، بل وضع حداً للطموحات الأمريكية ـــ الغربية ـــ الإسرائيلية ـــ التركية ـــ النفطية الخليجية، وكسر حلمها، وهيأ كل الشروط الضرورية لتنامي القطب المشرقي الروسي ــــ الصيني، من خلال صمود الشعب والجيش العربي السوري، وبذلك وبكل ثقة نستطيع القول أن ما حدث سيغير مجرى الأحداث التاريخية، لأن أهمية الانتصار السوري وولادة وتنامي القطب المشرقي الجديد، هو وحده القادر على ايقاف التغول الأمريكي وحلفائه في دماء الشعوب، وسرقة استقلالها، واستقرارها .
.
ــــ واستطراداً ــــ لما كان البعض ـــ مع الأسف الشديد ــــ يُظهر بعض الخوف وقليلاً من الشك للتحالف الروسي ـــ الإيراني ـــ السوري، الذي حقق الانتصار أو يكاد، نقول : نعم يجب أن يكون لكل دولة مصالحها المتمايزة عن الأخرى، ولكن للدول الثلاث مصلحة مشتركة في تحقيق الانتصار، وهزيمة حلف العدوان، وهذا الحلف المشرقي سيتعزز مستقبلاً لخدمة الأطراف الثلاثة وسينعكس إيجاباً على كل شعوب العالم، ومن هنا يجب أن نقيم هذا الانجاز العظيم والتاريخي .
.
ولإدراك حجم النتائج الاستراتيجية النوعية التي حققها هذا التحالف، يجب مقارنته بما كان سينتج لو نجح معسكر العدوان في حربه ، والذي لا يمكن تصور فداحته لأنه أكبر من أي يتصوره عقل انسان سوي، والذي كان سينتج عنه على الأقل [ تمزيق سورية إلى خمس كانتونات، وقتل الملايين على أسس مذهبية، واطلاق يد اسرائيل في المنطقة، وتصفية القضية الفلسطينية، واللعب بالمنطقة على هوا أمريكا واسرائيل واخضاع جميع دولها، ] [ بما فيها ممالك النفط، ] التي وبكل تأكيد وبعد السيطرة على نفطها، من قبل اسرائيل، كان سيتم تفتيتها وقتل شعوبها وتشريدهم اسوة بما فعلت اسرائيل بالشعب الفلسطيني، بذلك تكون هذه الممالك الغبية قد وظفت مالها ـــ وفقهها ـــ ورجالها ـــ ضد مصلحتها، [ ولكنهم قوم لا يفقهون ] .
.
.....................الخـــــــــــــــــــــــــطة / ب /
وبعد أن أدركت أمريكا حجم خساراتها الفادحة والمآل الذي آلت إليه حربها المركزية على سورية ، وكذلك اسرائيل التي كانت الخاسر الأكبر لأنها باتت في وضع لا تحسد عليه، ولأول مرة منذ تأسيسها، عمدت أمريكا لإنقاذ حليفتها اسرائيل عن طريق / الخطة ب /، وذلك للظهور بمظهر أنها لاتزال تقود حلفاً في المنطقة، وأنها لاتزال تستثمر في الاحتراب القائم ، وتستثمر في الاسطوانة المشروخة، بان أس الصراع هو ( سني شيعي ) ، وبذلك تكون ايران هي العدو الأكبر وليست إسرائيل .
.
لذلك عملوا وسيعملون على أبرام تحالف بين اسرائيل وممالك الخليج للوقوف أمام العدوانية الايرانية المزعومة، ولقد جاء [ مؤتمر وارسو بهذا السياق ]، ولكن كل ما فعلته أمريكا أنها أخرجت التحالف الإسرائيلي ـــ الخليجي من السرية المفضوحة لكل عاقل ومتابع إلى العلن، وبدلاً من الاجتماعات السرية في فنادق أوروبا، أصبح ( الحليف نتن ياهو ) زائراً مكرماً في عمان، وضيفاً عزيزاً في وارسو، ولا بأس من أن تزور وزيرة اسرائيلية جامع زايد في الامارات، لعلها تقرأ بعض الآيات من التلمود اليهودي، لعلها تكون ( رقية ) تعين بها محمد بن زايد على قيادة الامارات البلورية، فجاء المؤتمر هشاً لم يخلف أثراً، بل أدى إلى ردة فعل أوروبية على الأقل .
.
ولكن علينا أن ندرك أن خسارة أمريكا لحربها المركزية في سورية، هي خسارة استراتيجية في كل المعايير والمعاني، وهذا سيدفعها للتخفف من مسؤولياتها في حماية دول المنطقة، حتى وستضمر الثقة بنجاعة الحماية الأمريكية من قبل محميات الخليج واسرائيل، وهذا سيدفعها عاجلاً أو آجلاً إلى تفكيك بعض من قواعدها المبثوثة في الخليج، لأنها باتت غير ذي جدوى، أو أنها باتت جدواها أقل من تكلفتها، ولأنها أيضاً باتت تحت رحمة صواريخ ايران وغيرها .
.
لذلك ستسند بعض تلك المهمات الحمائية، إلى حلفائها في المنطقة، ولكن الغريب وغير المنطقي أو غير المألوف، أرادت أمريكا من ( مؤتمر وارسو )، اسناد حماية اسرائيل [ نعم حماية اسرائيل إلى ممالك الخليج النفطية ]، أو [ أن تكون الحماية متبادلة ]، هذا الرأي لا يثير استغراب المتابع اللصيق بالأحداث، لأن اسرائيل باتت اليوم في أضعف حال مرت به منذ عام / 1948 / وحتى الآن، لأنها باتت عاجزة عن تحمل مطاراتها، ومصانعها، ومدنها، صواريخ محور المقاومة [ حزب الله، وسورية، وايران، وحزب الله العراقي، وعصائب أهل الحق، وفصائل الحشد الشعبي العراقي، وغيرها كثير ].
.
من يعتقد أن في هذا مبالغة هذا شأنه ولا أفرض عليه، وسأدعه في خوف أحلامه .
لكن علينا ونحن في معرض الحماية، أن نقرأ نتائج التطبيع مع دول الخليج على ضوء ما كانت نتائجه في مصر، والتي توازي أو تقترب من الصفر بعد مرور ما يقارب أربعين عاماً .
إذن مؤتمر وارسو، وزيارات نتنياهو، والفرح الذي عبر عنه نتنياهو، كلها لا تغير في الأمر شيئاً، بل ستسهم وبخاصة بعد النصر السوري التاريخي، في توسعة الشقة بين الملوك الأجراء وشعوبهم، وهذا ما يجب أن نحسب نتائجه على ضوء التغييرات الايجابية التي ستحدث في المنطقة 

الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي «النهضة نيوز»، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.