تحت لافتة "اللحاق"، تسير دول الشرق الأوسط العربية في تقليد أي فكرة مستوردة، وتلهث بحثًا عن كل ما هو غربي، لمحاولة تعويض قرون من التخلف عن ركب الحضارة، أنتجت مسيرتها البائسة واقعًا مشوهًا، ورهنت إمكانيات المستقبل لمن استطاع امتلاك الحد الأدنى من شروط البقاء وبالتالي العبور.

وراء صندوق النقد سارت أغلب الدول العربية الفقيرة، وخلف أهداف الألفية الإنمائية المعلنة من قِبل الأمم المتحدة تسير البقية، ورفع الجميع شعار 2030، سواء من باب التسويف والإلهاء للشعوب، أو لوجود قناعة راسخة لدى الدوائر الحاكمة بأن الغرب يريد الخير للعرب، ويجتهد في دعم ورعاية نظم قمعية تنتمي للقرون الوسطى، كلها بلا استثناء تابعة خاضعة لإرادة السيد الأميركي.

وفي أسر القروض الغربية وقع الجميع، الكل سقط في اختبار الإرادة أمام الدولارات المعروضة، عوضًا عن السير في طريق التنمية الشاملة المتمحورة حول الذات، ولم يفهموا أن جريمة الاستعمار، الذي استنزف ـ ولا يزال ـ مقدرات وثروات العالم الثالث، لن يصححها بقروضه، ولن تكون القروض على الإطلاق زكاة وصدقات، بل هي أموال تدفع لضمان التبعية والارتهان، فصاحب المال بالمنطق البسيط هو صاحب قرار أيضًا، ولم ولن يدفع مجتمع ما من أجل رخاء وتنمية مجتمع آخر في هذا الكوكب، لأن ما يحكم عالم اليوم هو المصالح.

لم يجتهد أي حاكم عربي في الالتفات قليلًا لجارة بالإقليم، حققت في سنوات قليلة ما حاولوه في النصف قرن الأخير على الأقل، الثورة الإسلامية الإيرانية جبّت ما كان قبلها، وأعادت هندسة المجتمع، وسارت نحو النهضة ـ كما ينبغي تعريفها ـ تتألق تجربتها في بهاء ومجد، ومنحت التجربة لجغرافيا إيران قوة، واستمدت من تاريخها طاقة، لتصنع ثراءً فريدًا للبلد وإنجازات على مختلف المستويات.

المثير في تجربة النهضة الإيرانية، أنها استفادت من واقعها، وخاصمت الهيمنة النفسية للغرب، قبل أن تخرج من الهيمنة الاقتصادية، فأحد أبرز مشاكل العالم العربي اليوم هو أن الحكومات تقبل توصيات مؤسسات التمويل الغربية وكأنها قدر مقدور، وليس في ظل أنها سعي غربي لاستكمال الحصار الخانق على الأمة، وامتصاص ثرواتها، وضمان استمرار فتح أسواقها أمام المنتجات الغربية، بلا فكاك من واقع التبعية المقيت، كانت المقاومة هي نقطة البدء تمامًا في الصعود الإيراني.

الدولة الشرق أوسطية، التي تنتمي إلى عالمنا العربي بكل تناقضاته ومشاكله، حتى اليومي منها، نجحت في تقديم المثال الواضح الناجح لتحدي الهيمنة الغربية، وأسست نموذجها الخاص في التنمية، ورسمت الإصلاح الاقتصادي ـ الاجتماعي، كما يجب تقديمه، لا كما يتخيله غالبية الحكام في عالمنا العربي، المنكوب بغياب الرؤية اللازمة لعبور الأزمة، وعجز القدرة الضروري للإفلات من الهيمنة الغربية، السائرين نيامًا في طريق التراجع المساوم المستمر.

مشروعات فضاء، صناعات متقدمة، قاعدة تكنولوجية محلية، تعليم راق وبحث علمي يضاهي دول أوروبا ويتفوق عليها، وتجربة ثورية في نظام الحكم، أنتجت 12 انتخابات رئاسية نزيهة بشكل لم يعرفه الشرق الأوسط، ومشروع متكامل نجح في الوقوف 4 عقود متتالية في وجه الغرب، ليس في مواجهة الحصار والحروب فقط، وإنما أيضًا استطاع تنفيذ التزامه بدعم قضايا المستضعفين والشعوب المقهورة، وأهمها قطعًا قضية العرب المركزية فلسطين.

قوة النموذج الإيراني تركزت في تمكنه من صنع وتثبيت نظام مغاير، لما يروجه الغربي عبر الإعلام ليل نهار، ليس من الضروري أو المنطقي أن يفرض مجموعة من موظفي جهات دولية ما يرونه أشكالًا للحكم والإدارة والاقتصاد، كل مجتمع يجب أن يتبنى ما يتوافق مع ظروفه والمعطيات الموجودة به، وهذا بالضبط ما جعل النظام الإيراني في الحكم يستمر وينجح، رغم أنهم هاجموه منذ نهاية السبعينيات ووصموه بأنه نظام من الماضي، بينما سقطت للغرابة النظم المستوردة تباعًا، في عنف ومهانة شديدين.

استردت إيران الثورة ثروات البلد الطبيعية من يد شركات النهب الغربية، وبدأت في شق طريقها إلى مستقبل ارتضاه النظام والشعب معًا، وكان طريق المقاومة الذي سارت فيه أنجح الخيارات، وأثبتت القدرة على تحقيق تنمية مستقلة وشاملة، مع تحمل تكاليف مرهقة لعداوة الغرب، سواء الحصار الاقتصادي الخانق والمستمر، أو استنزاف حرب الخليج الأولى، أو أدوارها التالية في المنطقة.

الأهم بالنسبة للنظام الإيراني أنه استطاع بناء قاعدته التكنولوجية الخاصة، وهو أمر يعزّ على دول الجنوب ـ باستثناء الصين والهند ـ وبالتالي ضمن أن يمتلك الحد المطلوب من القدرة على تلبية الحاجات المجتمعية، كما في صناعة الدواء مثلًا، التي دخلت طور الاكتفاء الذاتي والتصدير، فيما كانت قبل 40 عامًا نسيًا منسيًا.

ورغم استمرار الحصار ومتاعبه يأتي الاقتصاد الإيراني في المركز الـ 18 عالميًا، كما يتمتع بنمو اقتصادي إيجابي، رغم الأزمات المالية التي يعانيها النظام العالمي، وتتوافر في إيران الأيدي الشابة والمتعلمة، كما إنها  غنية من ناحية الموارد الطبيعية، وتمتلك البنى التحتية الصناعية المتطورة، ويمتاز الاقتصاد بالتنوع في مجالات عديدة، والغنى من ناحية الموارد الهيدروكربونية والنفطية، وتحتل المركز الرابع في العالم في إنتاج النفط، والمركز الثاني عالميًا في مصادر الغاز، والمرتبة الرابعة بإنتاج الزنك والكوبالت، وإلى جانب أنها الرابع عالميًا من ناحية تنوع منتجات المحاصيل الزراعية، وهذا بالتحديد ما يقف وراء المنهج الأوروبي الرافض لسياسات "ترامب" والساعي للاستفادة من إدماج إيران في النظام العالمي.

الإعلام الخليجي، أو الممول خليجيًا، لن ينشر عن إيران سوى أسباب كراهية طائفية، تجعل من الإعلاميين رسل خراب وحرب، عبر طريقين لا ثالث لهما، فإما الطريق العلماني ووصم إيران بأنها دولة دينية، أو الطريق الديني وإثارة المخاوف من دولة شيعية، وبالتالي يعمل الكل في خندق واحد على تثبيت الكراهية وإذكاء روح العداوة الدائمة، مع جار يستند لنفس التراث الحضاري، ويجمعنا به ما لا يمكن حصره من الروابط والمصالح والأهداف، ويقف مع الشعوب العربية في مواجهة العدو الوحيد، وهو الكيان الصهيوني ومن ورائه الولايات المتحدة.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه