إن محاولة البحث في موضوع "الشفافية"، كأية محاولة أخرى في بحث أي موضوع يتعلق بالكيان البشري المعقّد، مسألة صعبة. إنها مغامرة للفكر وتحدّ له. ما يُفسِدُ قيمة المحاولة ويقلّل من جِدِّيتِها وصدقيّتها وجدواها، هو الإكتفاء بإعطاء تحديد مُقتَبَس للكلمات، واستعمال قوالب تفكيرية وتعبيرية رائجة، مُسْتَهْلَكَة، جامدة، ثم القفز، بأسرع وقت، إلى استنتاجات ترضي، مؤقتا وبطريقة عابرة، كل الأذواق، إلا الذوق السليم، ولا يستخلص أحد العبرة منها. إن المقاربة الصحيحة للموضوع تفرض على الباحث أن يكون، هو نفسه، قبل كل شيء، يتمتع بشيء من الشفافية، وأن يتمتع بفضيلة الصبر ولو كان معظم من يقرأونه، في عصر الخِفَّة وتعقيدات الحياة وهمومها الكثيرة، والإستهلاك السريع، اليوم، لا يملكون القدر الكافي من الشفافية الفكرية والنفسية أو من الصبر، وهم لا يشعرون بأنهم يعانون من أية مشكلة من هذا القبيل، ويطلقون أحكاما عامة، غير عادلة وغير ناضجة، على ما يقرأون.

               إن كلمة "الشفافية" تُستعمل للدلالة، مثلا، عن زجاج النافذة الشفّاف، الذي يستطيع الإنسان، من خلاله، أن يرى الأشياء والناس، بوضوح تام ومريح للنظر، بعكس الزجاج الأسود المُستعمَل في بعض البيوت والسيارات بقصد حجب الرؤية عن الناظر من الخارج فقط. وعن الجوّ الصافي، غير المليء بالغيوم أو بالضباب أو بالغبار، خاصة بعد هطول الأمطار وشروق الشمس، وحين يظهر بوضوح رائع منظر الجبال والغابات والقرى البعيدة، يُقال: جوّ أو طقس أو منظر شفاف.

               إن الطبيعة وما تحويه من مخلوقات جماد ونبات وحيوان، يمكننا أن نقول عنها بأنها شفافة، بمعنى امتلاكها لخصائص وقوانين وأطباع وغرائز معروفة، واضحة، ثابتة، لا تتغير، بعكس الإنسان الجامع للغريزة والعقل، والمعرّض (أو بالأحرى المحكوم) أن يكون، قبل نضوج عقله، عبدا للغريزة الحيوانية، وضائعا بينها وبين العقل. الإنسان، مثلا، يمكنه، بحسب تكوينه، أن يجمع وأن يمارس، في الوقت عينه أو في أوقات مختلفة، أطباع وسلوك عدة حيوانات، أي أن يكون، مثلا، محتالا ومخادعا كالثعلب، وغدارا كالذئب، وكاسرا كالصقر، ووفيا كالكلب، ومتكبرا وأنانيا كالأسد، ووديعا كالحمل، ومفترسا كالنمر. كما يمكنه أن يكون، في آنٍ معا، قاسيًا كالصخر، وعنيفا كالعاصفة والصاعقة، ولطيفا رقيقا كالنسيم والأزهار. هذه الأوصاف وغيرها الكثير، تشكّل عنصرا مهمّا ومألوفا من مفردات لغة الإنسان في وصفه للإنسان الآخر أوصافا متناقضة، مجتمعة في مجرى تقلبات تفكيره ومزاجه وطبعه وسلوكه بين الحين والآخر، هي تقلبات مفاجئة، صادمة، تفتقر إلى الوضوح والثبات والشفافية. إن الإنسان الشفاف هو الإنسان الصادق الذي لا يخبىء خبثا ومكرا، والذي تستطيع أن تقرأه وتحزره، أي تفهمه، بوضوح، من خلال عينيه وصوته وكلماته وسلوكه.
        
               إنّ مصطلح "الشفافية"، في الحقيقة، معروف من جميع المواطنين في لبنان، بمعنى الصدق الذي يعني الإخلاص والأمانة والوضوح في الإنسان، وانعدام الغموض والكذب والخبث، وانعدام الباطنية وازدواجية الشخصية والتناقض في التفكير والكلام والأعمال. وهم يستعملونه عفويا (بكل تحديداته) بحسب شعورهم وحدسهم، ودون الحاجة إلى اجترار فكريّ لمعانيه، ويستعملونه بكثرة، وبغضب، في أحاديثهم السياسية وحُكمِهم على الساسة الذين لا يفون بوعودهم الجميلة للشعب خلال حملاتهم الإنتخابية النيابية، ولا يهمّهم امره، ويدّعون، في الوقت عينه، محبته والعمل من أجله. إن بعض أبناء الشعب يرون أن جميع الساسة لا شفافية عندهم أبدا، أو في معظم الأوقات، في تعاملهم، بحسب مصالحهم الخاصة مع الشعب ومع بعضهم البعض، والمحور الدائم لهذا التعامل هو المال والسلطة. وبعضهم يرون أن زعيم طائفتهم يملك هو وحده الشفافية (مع الذكاء الخارق والعصمة عن الخطأ وكل صفات الكمال)، كونه يعمل دائما، بإخلاص لا تشوبه شائبة ولا يضعف ولا يعتريه أو يطاله الشكّ، من أجل خير طائفته، وحسب.

               إنّ مفهوم مصطلح "الشفافية"، ككل المصطلحات التي تدور معه في فلك الفضيلة (ونقيضها)، هو، إذاً، مصطلح نسبيّ، بحسب الأطباع والأمزجة والأعمار والمصالح الشخصية. وبناء الفضيلة يتطلب جهدا كبيرا متواصلا ووقتا طويلا لتحقيقه، وقليلون جدا من يحاولون المغامرة في هذا المضمار. الإنسان العاقل يستطيع، من خلال ممارسته الدائمة للتفكير السليم وللإرادة القوية في مجال قهر الذات والإنتصار على أهوائها، أن يخرج نفسه من طور الغريزة المتقلبة، الضبابية، المتلوّنة بألف لون ولون، غير الشفّافة، إلى طور الوعي الثابت، المتطوّر، المتجدّد، الواضح، الذي يُوَلِّدُ السلوك الشفّاف. 

               من تراه، إذاً، يملك الشفافية الحقيقية غير النسبية، الموضوعية، وهي صعبة التحقيق، ورؤيتها في الشخص الآخر، والإعتراف بها، مسألة صعبة، أيضا، على من ليس شفافا بروحه وعقله؟

               إن بذور الشفافية (مع بذور كل الفضائل ونقيضها) موجودة في كل إنسان بالوراثة، وبنسب مختلفة. إن الطفل يملك، بحكم طبيعته، براءة وطهارة وسذاجة وصدقا وعفوية، ممّا يجعله كائنا شفافا، بسيطا، غير مُعقَّد، رائعا ومحبوبا، دون أن يدري هو نفسه معنى وقيمة هذه النعمة. ثم إنه، بسبب سُنَّة حياة وتطوّر ونموّ (هي سُنَّةٌ نلاحظها ونقبل بها ولا نفقه سرّها) حتى بلوغ سنّ الرشد، يخسر، تدريجيا، كل ذلك، وعليه، حينئذٍ، إن شاء واستطاع، أن يحاول جاهدا إسترجاع ما يُسَمَّى بفردوس الطفولة المفقود، بقوة العقل السليم وما يعنيه من وعي وعلم ومعرفة ونضوج وإرادة. الإنسان الكثير السنين يصبح شفافا كالأطفال، ولكنه يملك خبرة الحياة والنضوج الذي يأتي مع التقدّم بالعمر. نستطيع، هنا، أن نحدّد الشفافيّة الكاملة في شخصية الإنسان، بجمعه وامتلاكه براءة وبساطة الأطفال وحكمة الشيوخ.

               إنّنا نفترض، في محاولتنا لتحديد مفهوم الشفافية الصادقة في الإنسان، أنه ينبغي أن تعني، بالإضافة إلى معنى الوضوح في تفكيره وسلوكه، روح الخير فيه. وهذا المفهوم هو ما يفتش عنه الناس في عالم السياسة، في كل المجتمعات. إذْ إن الشفافية يمكنها أيضا أن تكون صفة من صفات إبليس. أجل، إن إبليس، والذي يُسَمّى بملاك النور (لوسيفوروس)، هو، بالفعل، صادق وشفاف في معرفته وعشقه وممارسته للشرّ، وفي معرفته وكرهه للخير.  

               في لبنان، هل عندنا ساسة ينطبق عليهم مفهوم الشفافية الكاملة، الصالحة، كما حاولنا أن نحدّد هذا المفهوم، وقد رفعناه إلى مستوى الفضيلة، بحسب رأي وشعور المواطنين الواعين، الودعاء، النقيّة قلوبهم؟
 
               الجواب الصّادق، الشفّاف، هو: لا.

               لا مجال، هنا والآن، ونحن نمارس شفافية الفكر في محاولتنا لفهمها، للتخفيف من هذه "التهمة" للساسة في لبنان، كقولنا، مثلا، إن معظمهم أو بعضهم شفافون، وفي بعض الأوقات أو معظمها (نبالغ ونخون مبدأ الصدق إن قلنا: في كل الأوقات). نستطيع القول، ربما، إن الكمال لله وحده. ولكنْ، هذا لا يعفي الساسة المتَّهَمين بالفساد من الشعب اللبناني، من مسؤولياتهم، ولا يعذرهم ليستمروا في غيِّهِم إو في فسادهم أو (بتعبير أقل قسوة) في قلّة كمالهم أو في تعثّرهم وتخلّفهم على طريق الكمال، وإكمال العودة إلى ارتكاب الأخطاء المميتة عينها بحقّ الشعب.

               إنّ لائحة أخطاء الساسة وتراكمها بثقلها المتزايد على كاهل الشعب والتسبّب في تعاسته، على مرّ السنين، نتيجة انعدام شفافيتهم ونتيجة افتقارهم إلى الفضائل، تطول جدا. هي معروفة من الجميع. وقد أصبح أمرُ تكرارها مُمِلًّا، ومُتعِبا للمتكلم والسامع، وغيرَ مُجْدٍ. إن الساسة لا يغيّرون أبدا، لدى انتقادهم وفضحهم، سلوكهم، وبالسرعة التي يرجوها الشعب، والأكثرية (أقل من نصف الشعب اللبناني) التابعة لهم والفاعلة، لا تحاسبهم، ولا تقتصّ منهم يوم الإنتخابات، بل إنها، وفي غياب الأكثرية الصامتة، القَرِفَة، المقهورة، تكافئهم وتجدّد وتمدّد، بكل طيبة خاطر وبكل حماس، للساسة العتاق والجدد، سلطة ومجد وعظمة عروشهم، ليكملوا عمليات الكذب وانعدام الشفافية والإستغلال في تعاملهم مع الشعب اللبناني، وليكملوا، بكل حرية ودون الشعور بأي ذنب، عملية التلذّذ بجلده وتعذيبه وبناء ثرواتهم الهائلة على حساب إفقاره.

               ما يهمّنا، في الحقيقة، وبكل صدق وشفافية، هو توعية الشعب، كل الشعب، على واقعه المرير، المؤلم، بسبب سوء أداء ساسته، لا تغذية الحقد ضدّهم. 

               عندنا، اليوم، حكومة جديدة-قديمة تَعِدُ اللبنانيين، بفرح لا يوصف، بأنها سوف تعمل من أجلهم، هذه المرة، ومن الآن فصاعدا. وسمع الشعب كلمة "شفافية" تتردّد أكثر من مرة وعلى أكثر من لسان وشفة في الحكومة. وقد بدأ بعض الوزراء باتخاذ بعض الإجراءات في وزاراتهم لضبط الهدر وفرض احترام هيبة السلطة والقانون والنظام. هذا غيضٌ قد بدأ يحصل من فيض يحتاج إلى وقت وإلى إرادات صالحة وقوية ليتحقق.

               حسنا. إن الشعب ينتظر، بحذر شديد، وبقلق مستعِر، وبأمل غير كبير، المزيد من الإنجازات والإصلاحات. لدى الساسة الكثير من العمل لاسترجاع ثقة الشعب، المفقودة كليا، خاصة ثقة الأكثرية الصامتة، وثقة عشرات الألوف من اللبنانيين الذين اقترعوا بأوراق بيضاء، وثقة الذين اقترعوا وندموا.

               ماذا يريد الشعب؟ الحكومة تعرف جيدا ما يريده الشعب. 

               الشعب يريد أن تُحجم الحكومة نهائيا عن إكمال سياسة الدين المُذلَة، الخاسرة، مثلا، وقد أوصلت الشعب اللبناني وحده، لا الساسة ولا المصارف ولا رجال المال والأعمال، إلى حافة الإفلاس واليأس والإنهيار. فهل تفعل؟

               الشعب يريد من الحكومة وقف الإنفاق العشوائي والهدر، ووقف سرقة مال الخزينة والسعي إلى استرجاعه، ومنع الرشوة في الدوائر الحكومية، وعدم فرض ضرائب جديدة (تحت تسمية "خيارات موجعة") على الشعب الفقير، بل فرضها على الساسة وكل حلفائهم من ذوي الثراء الأسطوري، الفاحش، فهل تفعل؟

               الشعب يريد من الحكومة أن تخلّصه من مصيبة النفايات والكسارات والمرامل والمحارق وتشويه البيئة، ومن مصيبة دخان المعامل وتلوّث المياه والهواء والغذاء، ومن مصيبة الأمراض السرطانية والبطالة والفقر، وتفشي الجريمة، وازدياد الهجرة، وآلام النزاع البطيء، فهل تفعل؟ 

               الشعب يريد من الحكومة بيوتا لائقة يسكنها ومدارس وجامعات ومستشفيات ودور عجزة وأيتام مجانية، وضمان شيخوخة، فهل تفعل؟

               الشعب يريد من الحكومة أن تبني جيشا قويا بسلاحه وعديده (بعكس مشيئة بعض حكومات الخارج والكيان التلمودي العنصري) من مال الساسة والأغنياء اللبنانيين الكثر، أصحاب الثروات الهائلة التي، كما يُقال، لا تأكلها النيران، لا من ضرائب الشعب الفقير، الكادح، المديون، ولا من مال الإستعطاء الذليل والقروض المشروطة، الخبيثة، من دول الخارج، ودون الخوف منها واستئذانها، فهل تفعل؟

               الشعب يريد من الحكومة (بانتظار أن يصبح الجيش مُجهَّزا تجهيزا كاملا بالعدّة والعدد، وجاهزا لمواجهة تعدّيات الدولة الإرهابية المستمرّة، حتى اليوم، على الشعب اللبناني، مُذْ سَرَقَتْ أرض فلسطين وشرّدت شعبها سنة 1948) أن تلجم بعض الساسة المعروفة ارتباطاتهم المالية المشبوهة ببعض دول الخارج، فيكفوا عن شنّ حملات التجنّي التافه، السخيف، غير المنطقيّ، غير الواقعيّ، ودون اقتناع شفّاف، حقيقيّ، منهم، على المقاومة، فهل تفعل؟

               الشعب يريد أن تسعى الحكومة إلى نشر وممارسة ثقافة التواضع والحوار والمحبة والإلفة والإحترام والصدق والنزاهة، وبكلمة واحدة، ثقافة الشفافية، من أجل توحيد أبناء الشعب اللبناني، لا ثقافة الكبرياء والتنافس الشرس والطمع والفساد والحقد والكيدية والتحدّي والعنف بُغْيَةَ تفريقهم واستعمالهم وقودا دائمة لتأجيج نيران خلافات الساسة وديمومة عظمتهم وعروشهم، فهل تفعل؟

               الشعب يريد من الحكومة أن تدرس بتمعّن، وتجرّد، وجدّية، نظام حكم جديد، غير طائفي، فهل تفعل؟
     
             الشعب يريد من الحكومة رفع أجوره المتدنية، وتخفيض غلاء المعيشة، ووضع حدّ لجشع التجار وأصحاب المصارف، وخلق فرص عمل له، فهل تفعل؟

               الشعب يريد من الحكومة أن تحرّر القضاء من سطوة الساسة والمال، وأن تنشر وتمارس ثقافة الحق والعدل والنزاهة والشفافية، فهل تفعل؟ 

              إن الشعب يعرف تماما صعوبة تحقيق مطالبه بسرعة البرق وبسحر ساحر. الشعب لا يتوقّع من الحكومة الجديدة-القديمة المعجزات. ولكنه يريد من الحكومة أن تبدأ وتكمل ممارستها للشفافية بكل معانيها الفكرية والأخلاقية الصالحة، في مجال تعاطيها معه. والشعب يريد أن يراقب أداء الحكومة، وهو ينوي محاسبتها في كل خطواتها، وصولا إلى صندوق الإقتراع. الشعب لا يريد من الحكومة أن تجبره، بعد اليوم، وهذه المرة، أن يغضب ويثور ويتظاهر ضدّها، وأن يضطرّ، في نهاية المطاف وإزاء تعنت الحكومة وكبريائها واستعمال العنف ضدّه، أن يعلن عصيانه ورفضه لدفع الضرائب، فينتهي به الأمر إلى خلق فوضى عارمة ومواجهات غير محمودة العواقب مع القوى الأمنية والجيش التي تأتمر بأوامر الساسة وتحميهم، سوف تؤدي، حتما، إلى إيذاء الشعب والساسة وانهيار الدولة بكل مؤسساتها، وإلى آخر فصل من مأساة القضاء نهائيا على وطن إسمه لبنان.

               فهل تسمع الحكومة الجديدة-القديمة صوت الشعب وتصغي إلى صراخ شكواه؟
 
               هل تستجيب لمطالبه المحقّة؟ 

               هل تمارس، هذه المرّة، فضيلة الشفافية مع الشعب وبين أعضائها؟

               إن الشعب، بشيبه وشبانه وأطفاله، على جمر الإنتظار الحارق.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه