لمــــاذا اغتـالت الرأسمالية الأمريكيــــــــية الضمــــــير الانســـــــاني ؟
لمـــاذا يمـــوت اليمـــني جــوعاً؟ ولمــاذا يُجــمع العــالم علــى قتـــله ؟
هـــل هنــاك أمــــل بإعــادة التـــوازن الكــوني الانســاني والطبيــعي ؟

ماذا يفيد اكتشاف المجرات ؟ ، ودراسة المريخ والنزول على القمر؟، وماذا يفيد سبر أعماق الأرض والبحار؟، واختراع الذرة ؟، وامتلاك أسلحة الدمار الشامل التي تدمر الأرض والسماء ؟، ان لم يكن لمصلحة الانسان؟، وسعادته، واستقراره، ورفاهه، وتحسين عيشه، وتحقيق طموحاته، واقامة السلام بين أفراده، وبين شعوبه، وتفتح مداركة، وتوظف طاقاته في بناء حضارة الانسان إلى جانب أخيه الانسان، وتحقيق جميع الشروط الانسانية للإنسان .
.
إذن لماذا صادرت وتصادر أمريكا وتحتكر كل ما أنتجته البشرية من تقدم علمي حضاري، هي وأخواتها الأوربيات، وعلى جميع المستويات، وتسخره لقتل الانسان، وتجويعه، وتشريده، وحرمانه من أبسط مقومات حياته، علماً أن ما وصل إليه التقدم العلمي العالمي ليس منتجاً أمريكياً أوروبياً، بل يعتبر ارثاً حضارياً عاماً ساهمت فيه وراكمته جميع شعوب الأرض كل بمقدار، منذ عشرات الآلاف من السنين، من الحضارة السومرية وما قبلها وحتى الآن، فلولا اختراع الحرف، والرقم، والصفر، والدولاب، وغيرها، لما تمكن عالم الذرة الأمريكي وغيره من تفجير الذرة، أي أن من وضع اللبنات الأولى في سلم المعرفة الحضارية، هو أستاذ عالم الذرة الحالي، لأن ما قام به مخترع الذرة جاء نتيجة التراكمات العلمية عبر التاريخ، حتى وصل التقدم العلمي والمعرفي إلى هذه الحالة من النضج والتطور، أما المخترع الأول للحرف يعتبر اختراعه باكورة ابداع شخصي مذهل . 
.
كان الانسان الأول يقتل انساناً واحداً بحجر، أو يرميه من علٍ، أما الآن وبعد أن سار التقدم العلمي عشرات الآلاف من السنين، تقتل طائرة أمريكية واحدة عشرات الآلاف من البشر بقنبلة واحدة، كما حدث في ( هيروشيما ونغازاكي )، والمصيبة أنها لاتزال تمعن في قتل الشعوب، ( بكل "سخاء" وحشي بدون رادع أو حسيب ) وكأنها تعتمد ( ارث أجدادها الأوائل الذين ارتكبوا آلاف المجازر حد الإفناء لشعوب القارة الأمريكية الأصليين ) ومن لا تُمِتْهُ بالحروب من شعوب العالم تحاول حصاره ليموت جوعاً، كالشعب اليمني الفقير، بل وغالبية شعوب العالم .
.
........ بذلك تكون أمريكا قد حرفت حضارة الانسان، وسارت بها نحو التوحش الأكبر، لا إلى البدائية الأولى، بل إلى عالم يُسَخِّرُ العلمَ لإنتاج أدوات القتل والدمار، مغتالة بسياساتها النفعية ( البراغماتية ) أبسط حالات التضامن بين الانسان وأخيه الانسان، وبين الشعوب مع بعضها، ؟ فقبل ثلاثين عاماً كانت شوارع أوروبا تمور وتزدحم بالمتظاهرين، نصرة للشعب الفيتنامي وضد حرب الإفناء الأمريكية له، وحرب الموت اليومية للشعب الفلسطيني، ومن أجل نصرة شعب الجزائر، وكانت تجاريها بذلك جميع شوارع العالم، تنديداً بجرائم دولهم وجرائم الاحتلالات الأمريكية، ومنادية بالحرية لشعوب العالم المستعْمَرة، وكان المفكرون الغربيون يقودون المظاهرات، ويعقدون الندوات تنديداً بحكوماتهم الظالمة، ويصدرون الصحف وينشرون الكتب الداعية للحرية وللاشتراكية، وينددون بالظلم الاجتماعي الذي تمارسه حكوماتهم الغربية (حكومات الشركات ) ضد شعوبها بالذات، وضد شعوب العالم الثالث، ودفاعاً عن حرية الانسان أينما كان، ولقد تثقف جيلنا على فكر أولئك الطليعيين الانسانيين .
.
.............أما الآن فلقد سكت العالم، وغابت شوارعه، فلم نعد نسمع بأي تظاهرة، أو حراك يندد بالوحشية الأمريكية السعودية الاسرائيلية على اليمن، أو على العراق من قبله، أو على سورية، أو على ليبيا، وإن كان هناك من قول فهو أقرب للهمس، وإن كانت هناك تحركات فهي محدودة وتكاد لا ترى أو تسمع، أما ما نراه الآن من تحركات فهي تظاهرات مطلبية، نتيجة للظلم الذي يمارسه أصحاب الشركات والبنوك لمواطنيهم، لأن فيروس المال المكدس في البنوك بدأ يأكلُ شعوبه .
.
أين الأديان مما يحدث، ؟؟ ( أين البابا من دعوة يسوع للسلام للمحبة ) الذي زار الامارات في ذات الوقت الذي تقتل به الشعب اليمني، ؟، والتي يساهم فيها بل ويقودها ( خادم الحرمين ) و (شيخ الأزهر ) فأين هما من دعوة الله ( الرحمن الرحيم ) و ( الرسول الذي جاء ليتمم مكارم الأخلاق ) ؟، أين ذهبت فلسفة هيغل، وماركس، وسارتر، وفرانز فانون، وربسبير، أين ثورة لينين، وماو، وغيفارا، وهوشي منه، أين تراث غاندي ونهرو النضالي التحرري ضد الامبريالية العالمية ورفاقهما، تيتو، وعبد الناصر ؟، هل كل هذا التراث النضالي الانساني العملي والفكري قد تمت تنحيته لعدم الصلاحية أم ماذا ؟، لماذا جفت الأقلام في أوروبا، وأقفرت الشوارع الأوروبية إلا من المظاهرات المطلبية .
.
لماذا نسي العالم الابادة الجماعية للفلسطينيين عام / 947 / من قبل الصهاينة العنصريين، ولا زالوا ؟ ولماذا نسي العالم الابادة الأرمنية من قبل العثمانيين الأتراك عام / 916 / ؟، ولماذا نسي العالم مذابح الخمير الحمر في كمبوديا ؟ ، والهوتو ضد التوتسي في راوندا ؟ والفرنسيين ضد الجزائريين؟، وفرنسا وأمريكا ضد الفيتنام ؟، وهل نسي العالم أو أجبر على التناسي، وأخيراً ما حدث في سورية واليمن ولا يزال يحدث ؟، ولماذا باتت شعوب العالم كل منها يبحث عن خلاصه الفردي . 
.
علماً أن قانون حقوق الانسان الذي أقرته الأمم المتحدة بموافقة أمريكية، عام / 1948 /، عَرَّفَ في مادتيه الثانية والثالثة ، [ الابادة الجماعية ] " نية تدمير جماعية كلياً أو جزئياً وتشمل أعمال القتل، والأذى، الجسدي، والنفسي، ( تخيلوا ) والتهجير القسري، والتدمير الديموغرافي والثقافي " حتى هذه الاتفاقية حاولت أمريكا التملص منها، رغم أنها من الموقعين عليها، فلماذا اغتالت أمريكا وحلفاءها الغربيين، هذا القانون وغيره من قوانين شرعة الانسان ؟، ولماذا لم يقيموا لها وزناً، ولم يأبهوا بها ؟، بل ضربوا بها عرض الحائط، وسرقوا دماء، وجهود، وامكانيات عقلية ، وخبرات بشرية، من 99 % من سكان العالم لمصلحة 1 % من أثرياء العالم ؟!! .
.
النتيجة الانسانية الحضارية على البشرية أن تعلم : أن بنية وفلسفة التشكيلة الرأسمالية، تتطلب الحروب والسيطرة، والقتل، وسرقة خيرات الشعوب وطاقاتهم وتكديسها في بنوك الغرب وشركاته الاحتكارية، وإلا لا تُحقق أرباحها لأنها تبيع ما تحتكره، وما دامت هذه الرأسمالية المتوحشة قائمة، ستبقى حضارة الانسان، حضارة حرب وموت ودمار، وتهجير وتجويع ، هل ستكمل الانسانية هذا المسار، وسيبقى الزمن الدائري والمتحلزن هو الزمن الحاكم لحركة التاريخ، الذي سيبقى فيه القوي يأكل الضعيف ؟، وتبقى ثقافة الغابة، هي الثقافة المعممة والواجبة التطبيق على العالم ؟. 
.
يقول الفيلسوف ماركس :
[ تخلق الرأسمالية حفارة قبرها ( الطبقة العاملة ) ] .فبغض النظر أنني مع هذا القول أو ضده، لكنني سأعتمده أساساً لأقول :
لا لم تحفر أمريكا الدولة الامبريالية قبرها بعد ، ولكنها أظهرت ملامح شيخوختها، ودخلت مرحلة النوسان والانكماش، فالكاوبوي ( راعي البقر ) سقطت القبعة من على رأسه، وكشفت الحرب على سورية، ما تحتها من استخفاف بأرواح الناس، وكيف يقود الشعور بفرط القوة صاحبه إلى المغامرة غير المحسوبة، وهكذا حدث!! لم تقصر أمريكا في الحشد على سورية، بل فاقت حشودها والدول المتعاونة معها جميع حروبها السابقة، فضلاً عن مئات الآلاف من الوحوش القتلة .
.
ولكن الاملراطوريةالأمريكية ارتكبت ثلاثة أخطاء قاتلة في حربها على سورية :
ــــ لم تضع في حسابها أن الشعب العربي في سورية، يسند ظهره إلى تاريخ تمتد جذوره إلى عشرات الآلاف من السنين .
ــــ ولم تحسب حساباً لأهمية الموقع الجوــ سياسي الاستراتيجي لسورية، والذي يصل مداه إلى روسيا والصين والهند وإلى جميع دول آسيا، وبأن سورية بوابة الشرق، والشرق مطالب بالدفاع عن بوابته .
ــــ لم تدرك الامبراطورية الأمريكية : أنه من رحم المعاناة، والدمار، والموت، يولد الصبر، والصمود، والتحدي، ومن هذه الحالات تولد أدوات المقاومة الشعبية بألف صيغة وصيغة، وهكذا كان في بلادنا .

والأخطاء الثلاثة عبرت عن طغيان أمريكي غربي تراكمي فاض على الواقع، الذي لم يعد يحتمله أو يستوعبه، فتمزقت الوحدانية القطبية التي كانت تشكل وعاء السياسة الدولية، فتمخض الواقع عن ولادة القطب المشرقي .
هذا القطب سَيُلزِمُ أمريكا بالتفكير ملياً قبل أن تفتح حرباً مباشرة وهذه باتت من المستحيلات، وحتى حروبها بالوكالة ستجد من يقف في مواجهتها ، لأن القطب الجديد سيكون بالضرورة وبحكم المصلحة، عوناً للشعب المعتدى عليه . 
 

محمد محسن: كاتب عربي سوري