يسمينا البعض عالم ثالث، في ظل تطور كل الأمم الأخرى، عدا عالمنا العربي، فاليوم البعض يتصور أن التطور في دول الخليج كالإمارات وما فيها من معالم جميلة، وهذا حقيقي وجميل، لكن هذه صور لا تنم ولا تعكس ولا تعطي أنها حضارة، فهذه الصور لا تعطي صورة لتقدم حضاري، فالتقدم فكر وإنساني وحضاري، والتقدم يبدأ بثقافة الإنسان ورقيه وبعقله وخطابه، وبلغة الإنسان ولسانه.

لو تأملنا اليوم حال كل الغرب، نجد أن حلم الجميع، الحلم الأمريكي، ولماذا ذلك؟
أمريكا أحسنت التسويق لنفسها، فهناك دول غربية كالبرازيل وكندا والنمسا، كلها متقدمة وفيها الدساتير والقوانين والأفكار، فلماذا الولايات المتحدة الأمريكية، حلم كل الشباب؟
لأن الولايات المتحدة أحسنت الترويج لنفسها، عن طريق السينما، البرامج، التلفزيون، وتعزيز القيم والأفكار والترويج للسياسة الأمريكية، وللقوة الأمريكية، أيضا الترويج للشخصية الأمريكية الخارقة للعالم، لذلك اليوم الشباب العربي منبهر بكل ما يتعلق بالأمريكي، بلباسه وأفكاره ولسانه، وهو العالم المتقدم والنموذج الأمثل للمواطن والإنسان العربي والخليجي، لذلك اليوم بعض دول الخليج تريد أن تبيع دينها وعقيدتها وكل شيء من أجل الأمركة، وواقع الحال الغزو الجديد للعالم العربي والخليج هي "الأمركة".

تاريخ أمريكا


أمريكا بلا تاريخ، هي مجموعة من الناس من كل الأعراق، تجمعوا فيها، وصنعوا وطن قوي، فأمريكا مجموعة ولايات، أمريكا باختصار عانت ما عانت حتى أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية، ناضلوا من أجل الدستور، وناضلوا من أجل العلم الأمريكي، ومن أجل المؤسسات والعمل المؤسساتي والديمقراطية، لقد ضحوا بالأرواح وبكل شيء، أما العرب فهم أمة مستهلكة تريد قشور الولايات المتحدة، ولا ينظرون إلى تاريخ النضال وإلى الشخصيات والقامات الكبيرة التي قدمت إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
علينا أن ننتبه أن النضال هذا لم يقدم لشخص الرئيس الأمريكي أو للإدارة الأمريكية، إنما قدموا للولايات المتحدة الأمريكية، قدموا للأرض وللمواطن الأمريكي وللأجيال، فعندما تكون القداسة والإحترام للقانون والدستور الأمريكي، هنا نستطيع أن نفهم قضية "الأمركة"، وأقول هنا "أمركة" إيجابية، لكن لننظر إلى واقع الأمة العربية، قداسة للزعيم، قداسة للرئيس، قداسة للملك، نسوا وأصبح الملك هو الذي يمثل الدولة، لا بل من يمثلها الدستور والقانون والعدالة، فهذه هي المواطَنَة.

تأملات الواقع العربي


العنصرية، مرض فتّاك، فتك بالأمة العربية، كان هناك عنصرية سابقا كما في ألمانيا، يتكلمون عن العرق الآري، ورغم وجود دستور وقانون في المملكة المتحدة، إلا أن الإنكليز يملكون هذه العنصرية، فهي موجودة ومتجذرة، فنحن اليوم كأمة عربية قد نكون نمارس العنصرية، وأيضا في دساتيرنا "إن وجد"، وفي ثقافتنا وقوانيننا، وفي أحزابنا وعقلياتنا وفي دياناتنا ومذاهبنا، قمة العنصرية، وهذه هي المشكلة.


العنصرية في الولايات المتحدة


العنصرية في الولايات المتحدة الأمريكية حوربت من رجال عرفوا معنى الوطن، وعرفوا معنى الدستور، ولنأخذ على سبيل المثال، المناضل الكبير "مالكوم إكس"، هذا الرجل الأسود، وعذرا على التلفظ بهذا الأمر، لكن هكذا كان الأمريكي ينظر إلى البشرة السوداء، "الأسود، الزنجي"، هذه الثقافة بالمناسبة موجودة إلى اليوم، على الرغم من أنها غير موجودة في الدستور الأمريكي، بل وحوربت، لكن موجودة كثقافة مجتمع.
 مالكوم أكس: "ذهابي إلى مكة والعالم الإسلامي والعالم الأفريقي، وكوني معترف بي ومقبول كمسلم وأخ، قد يحل لي المشكلة شخصيا، لكن أنا شخصيا أشعر أن مشكلتي لم تحل طالما لم يتم حل مشكلة شعبنا في هذا البلد".

من هو مالكوم إكس، وماذا قدّم؟

مالكوم إكس، من أصول أفريقية، جاء أجداده قديما إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لكن هذا الإنسان تجرّع مرارة العنصرية، وفقد والده الذي كان "قسّاً" وقتل بطريقة بشعة جدا، على يد البيض، هذا الإنسان، بصورة مقتل والده، انعكس هذا الأمر على نفسية مالكوم إكس، واختنق من المجتمع الأمريكي بعد ما شاهد كل هذه العنصرية، والتفرقة والطبقية والإستعلاء والكلمات النابية وطغيان الرجل الأبيض على الرجل الأسود، نعم هكذا هي الولايات المتحدة الأمريكية، وهذه هي ثقافتها، فمالكوم إكس عاش حياة الشارع، كردة فعل، لقد تسكع وشرب الخمر وتعاطى المخدرات، وكان يرقص في بعض البارات، لقد عانى الكثير، حتى عندما جلس على مقاعد الدراسة، كان يتمنى أن يكون محاميا مرموقا بين الناس، كان يريد العدالة وأن يدافع عن حقوق السود، وعن حقوق المستضعفين في كل مكان، ولكن صدم بالثقافة النرجسية من قبل أحد المعلمين الذي قال له بأن مثل هذا الأعمال لا تصلح للسود، وهذا الأمر كوّن ردة فعل أكبر، لذلك عندما تسكع واحتك بالمافيا الأمريكية، وبقطّاع الطرق، أصبح لديه نوع من الإنتقام من المجتمع، كما يصنعون اليوم، كالشباب الملتحقين بتنظيم داعش، بالدرجة الأولى هي نوع من ردات الفعل، ينتقم من المجتمع عبر إلحاق الأذى فيها، وردات الفعل هذه تحتاج لدراسات نفسية حقيقة، بالعودة إلى مالكوم إكس، أصبح ماسحا للأحذية، عمل في كل شيء، وسجن وعذّب وشاهد الممارسات، وكيف كان البيض عنصرين جدا، لدرجة أنه قال: "إن البيض أشرار"، فهذه المعاناة واحتكاكه وإنتقامه من المجتمع وهذه الحياة الصاخبة المتناقضة، هذه المتناقضات أدخلته إلى السجن، من هذه المحنة الكبيرة إنكب الرجل على الكتب، وكان يقرأ آلاف الكتب، كما ذكرت كتب التراجم، أنه كان نهما للقراءة، كان لديه فضول إلى المعرفة والعدالة، كان يبحث عن العدالة والمساواة، قرأ باستمرار، واحتك بأحد العلماء المسلمين آنذاك في السجن، واستمع إلى بعض الكلمات والعبارات وبعض الشعارات، وتأثر بالخط الإسلامي، ومن ثم قرأ عن العدالة والمساواة، وقرأ بالقسط، وقرأ عن جمال الإسلام وروحه، قرأ كيف ان حضرة  النبي محمد صلى الله عليه وآله  سلم، ساوى بين العبد والسيد، ساوى بين أمية وبلال الحبشي، كيف ساوى بين صهيب الرومي وسلمان الفارسي، هذا هو الإسلام "المساواة المطلقة".

مالكو م إكس

قرأ مالكوم إكس، فوجد ضالته، بأن ضالة اليوم بهذا الإسلام وهذه العدالة، ثم أسلم من بعد ذلك، وتأثر بالإسلام وجماله، وكانت الإنطلاقة الكبرى والتحول الأكبر، بحياة هذا الإنسان، من إنسان مشاغب إلى إنسان مناضل، مكافح، نعم ناضل بالكلمة وبالقلم، كان أفضل خطيب في الولايات المتحدة الأمريكية، ناضل من أجل القانون ومن أجل الدستور، ناضل بكل ما أوتي من قوة كي يمسح هذه العنصرية وهذه الطبقية.

قال مالكوم إكس: "خدعت أمريكا الكثيرين منهم، حيث أوحت لهم انها كانت صادقة في حل هذه المشكلة، وجهة نظري هناك كانت لإثبات إنه من المستحيل على حكومة أمريكا حل المشكلة العرقية هذا مستحيل!!".

التحول الأكبر في حياة "إكس"

إن التحول الأكبر في حياة مالكوم إكس كان عندما زار مكة المكرمة وعندما زار الكعبة وشاهدها وشاهد الطواف ولباس الإحرام، كل الناس كانوا متساويين في الحج، هذا التدريب الروحي، في المقلب الآخر، ذاك أمير والآخر شيخ وذاك شخص عادي، كل الأطياف من الناس كانوا متناغمين ويمارسون الشعائر التي ترقق القلوب وتنقي روح الإنسان من العنصرية والكره ومن الضغينة، هناك في هذا الموسم من الحج، إلتقى إكس بالملك فيصل بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية، وإلتقى ببعض العلماء وإستمع لهم، وإلتقى ببعض الملوك والرؤساء وعرف جمال الإسلام عندما إلتقى بالأكاديميين من العلماء، اختلط بعلماء الأزهر الشريف، وسافر إلى مدينة قم، وإلى العراق وإلى اكثر من بقعة عربية، وتعلم وفهم بأن الإسلام توزان وعدالة، هنا تغيرت نظرته وفكرته حول ان "البيض أشرار"، فناضل في الولايات المتحدة الأمريكية.

إكس ولوثر كينغ


عندما كان مالكوم إكس يتكلم عن الأشرار البيض، فتحت له أبواب الصحافة، فأخذ يكتب ويتكلم، ويظهر في التلفزيون، فعندما جاء من الحج وغير من خطابه، وبدأ يتكلم بالعدالة والمساواة، أغلقت الصحافة والإعلام أبوابها بوجه مالكوم إكس، فهم لا يريدون خطاب معتدل، مالكوم إكس ضحى وناضل وتكلم ورفع الصوت عاليا، يريد قانونا حقيقيا يقتلع العنصرية من الولايات المتحدة، فإكس أراد حقوق لكن ليس له وحده بل لكل السود، طبعا المفارقة الجميلة والعجيبة أن مارتن لوثر كينغ كان رمزا من رموز الإسلام، كان قسا مسيحيا، دارسا للفلسفة وكان من المفكرين الكبار في الولايات المتحدة، ناضل بنفس أسلوب مالكوم إكس، فهنا المفارقة والتنوع، انظروا إلى هذا الجمال بين مسيحي ومسلم، فلوثر كينغ اختار النضال السلمي على أسلوب غاندي، عن طريق الكلمة وعن طريق الحب والسلام، فكانت معاناته شبيهة بمالكوم إكس، فقد عانى من العنصرية والطبقية، بدأ مشواره بالكفاح وبالنضال من اجل أن تحقق الإدارة الأمريكية ومؤسساتها قانون ينظم الحياة ويكافح العنصرية، قانون يحارب كل أنواع التميز، فهنا يكمن الكفاح عندما يناضل الإنسان عبر القانون والدستور، هنا النضال الحقيقي.

مارتن لوثر كينغ: "ستنهض هذه الأمة، تعيش المعنى الحقيقي لعقيدتها، نحن نعتبر هذه الحقائق بديهية، أن كل الناس خلقوا متساوين".

مارتن لوثركينغ، ومالكوم إكس تم إغتيالهما من قبل العنصريين.

حال الأمة العربية


لنأخذ مثلا، الانتخابات في البلاد العربية، ولننظر إلى البرامج الانتخابية لأي زعيم عربي أو البرنامج الإنتخابي لأي مرشح يريد أن يدخل إلى البرلمان، بالمناسبة كل الأقطار العربية متشابهة بالنسبة للثقافات، وكلنا نمارس العنصرية، حتى في البرامج الانتخابية، هذا من طائفة الدروز وذاك شيعي والآخر سني، وذاك من العلويين، وهذا من النصارى، كل إنسان يناغم لطائفته، وهنا تبدأ قضية العنصرية، فأين الوطن من برنامجك الإنتخابي، فالجميل من الإنسان أن ينتمي إلى فكرة معينة، ومكون معين، ولكن بنسبة، وبخط يتناغم معي، وعندما أصل إلى البرلمان وهنا الشاهد، أمثل الوطن والأمة، أنا لا أنتمي إلى طائفتي اليوم بل أمثلها، وأمثل حزبي، وخارج قطرك أن تمثل الأمة العربية والأمة الإسلامية، فللأسف هذا الدور وهذه الثقافة غير موجودة في عالمنا العربي.
الناس اليوم عزفوا عن الانتخابات وملوا منها، ملوا من العبارات ومن الشعارات، إما متاجرة دينية أو حزبية، إذا كانت إيجابية تكون عندما يختار الإنسان هذا المكون ويساعده في الوحدة ولملمة شمل العرب، ولم شمل أبناء الوطن، فديني هنا ومذهبي خدمة لأمتي ووطني، فمذهبي وعقيدتي عليها أن تؤمن بالمواطنة، أما إذا كان ما أنتمي له من ديني إلى عقيدتي ومذهبي، يقصي الآخر، ويتمنى الشر له، ولا يعترف بنظام دولة، وهذه المشكلة.

القومية العربية

لنأخذ نفطة أخرى أن القومية العربية من أنواع العنصرية، وهذا كلام خاطئ، القومية العربية ليست عنصرية، بل هي مرحلة جاءت كردة فعل طبيعية، فكان الإستعمار التركي قبل الإستعمار الإنكليزي، الإستعمار الأوروبي في الأساس ألغى اللغة العربية، وألغى الدين والآذان وحارب الإسلام بكل أنواع المحاربة، وهنا أتكلم عن دولة "أتاتورك" العلمانية، وأتكلم أيضا عن العنصرية التركية أيضا كانت حاضرة، فهمشت العرب، وهمشت المسلمين، فجاءت القومية العربية كردة فعل طبيعية جدا، هي محافظة على اللسان، ومحافظة على المكون وعلى الهوية، فالعرب استوعبوا الجميع، فالقومية العربية لا تحارب أحد، بل تستوعب الجميع، فعنصرية التركي كانت موجودة، لقد حاربوا العرب وحاربوا الأرمن، ومجزرتهم ضد الأرمن حاضرة في أذهان الشعب الأرمني إلى اليوم، فهجروا إلى فلسطين والعراق وسوريا ولبنان، فالذي احتضنهم هم العرب، وأيضا الكرد، عندما حوربوا من الأتراك، أيضا  احتضنهم العرب، فهذا هو واقعنا وهذا هو تاريخنا، فالقومية العربية ليست عنصرية، إنما هي هوية عربية تستوعب الجميع، ففي الخليج على سبيل المثال، الخليج المتقدم علميا ومعماريا، فرغم كل هذا التقدم وكل هذا التصوير والترويج بأنه ينعم بوفرة مالية وناطحات سحاب وما شابه ذلك، إلا أن المجتمع الخليجي في معظمه مع الأسف، فيه من الثقافة العشائرية المتأصلة المتجذرة بالروح الخليجية، فالمجتمع الخليجي يتكلم البدوي والحضري، ونقول أن هذا الإنسان من القبيلة الفلانية ومن أي فخذ من هذه القبيلة، والفخذ كشجرة يتفرع منها أغصان، فهذا المجتمع ضاغط ويمارس العنصرية، بطريقة مقيتة وهذا الأمر موجود إلى اليوم، فكل الخليجيين هم أتوا من خلال الهجرات، فلا يتصور أحد اليوم أننا أفضل ناس على وجه الأرض وفي شبه الجزيرة العربية، فهم مهاجرون إما من بر فارس أو العراق، أو سوريا، أو أي مكان في العالم، فالأصول والمفاخرة الكاذبة غير حقيقية، وستفضح الجميع، والحمد لله على كل حال.


القانون والعنصرية


لو كان هناك قانون يحارب العنصرية والطبقية لما شاهدنا حالة التردي الأخلاقي في طباع سلوكيات بعض أبناء الخليج العربي، فالعنصرية مرض فتاك، فتك في الأمة العربية، وفتك بكل العالم، لكن لكي نكون متقدمين حضاريا وثقافيا بين الأمم، علينا أن نحارب العنصرية بكل أنواعها، لذلك على الأمة العربية والإسلامية ان تكافح العنصرية، وأن تناضل من أجل الحرية ومن أجل العدالة.
الله تبارك وتعالى خلقنا من نفس واحدة، الله تبارك وتعالى ينظر إلينا بأعمالنا، ينظر إلينا، ماذا قدمنا للبشرية، وللإنسان، ماذا قدمنا للأوطان، وللإنسانية.
فالعنصرية مرض خطير، العنصرية لا تجل إلا الأحقاد والكراهية، فلا تنظروا اليوم إلى الثقافة المعمارية وغيرها على انه تقدم، إنما التقدم بالعودة إلى إنسانيتنا، أن نعود إلى هذا الخلق الجميل، نتخلق بأخلاق الله عز وجل، الذي لا ينظر إلى عباده بل إلى أعمالهم.
يقول الله عز وجل: "إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح، يرقعه"، فهذه الآية الكريمة المباركة تعلم الإنسانية بأن قيمة الإنسان بما يقدم للإنسانية.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه