لماذا البروليتاريين المسحوقين الذين لم يعودوا يستطيعون حتى بيع مجهودهم الفكري والعضلي أصبحوا هم الطبقة التي تمجد بقاء الدولة الكوزموبوليتانية التي وئدت مستقبلهم وتقديس رموزها من البرجوازيين؟ وكيف لهذه الطبقة أن تقود ثورة إصلاح تُحرر المجتمع بعد أن تحولوا لشئ ما يمكن أن نطلق علية مصطلح (الكومبرادور السُفّلي). وهنا أنا لم أقم بجش مفهوم جديد، ولكن طبقة العمّال والفلاحين هذه تحالفت مع البرجوازية الفرنسية للإطاحة بالنبلاء وهذا الإتحاد بين البرجوازيين البروليتاريين صنع الثورة الفرنسية التي إنقلب عليها "نابليون بونابرت" لتحكم بعدها الطبقة البرجوازية وتحل محل النبلاء و الأرستقراطيين.
ماهي الخصائص النفسية التي تقمّصها أو قمّصته إياها الظروف ليكون هذا الكوبرادور السُفّلي بمكان التحالف مع البرجوازيين الذين سلبوه حقوقه الإنسانية الأساسية وإقتلاع سيادته على ثمن مجهوده الفكري والعضلي. فهل كرههم المُطلق للنبلاء و الأرستقراطيين جعل من البرجوازيين حليف طبيعي لهم؟ أم أن هناك شيئ أخر؟
بحكم التاريخ، نستطيع أن نقول أن الطبقة البرجوازية قامت بتجيير المجهود العضلي و الفكري لبروليتاريين (الكومبرادور السُفّلي) لصالحها بواسطة التضييق على عيشهم وحرياتهم لتقوم بتقزم مفهوم النظرية الثورية لديهم لسقف التخلص من النبلاء و الأرستقراطيين. إذاً بحكم التاريخ ايضاً هذا الكومبرادور السُفّلي الذي لم يكن لديه نظرية ثورية ومبادئ متفق عليها تحوّلوا إلى حصان طروادة للطبقة البرجوازية لتمتطي كرسي الحكم.
 
فلنقم بإسقاط هذا الجزء من التاريخ على واقعنا لنجد الكثير من المترادفات والمتطابقات
 
ولكن ما أريد البوح به هنا بهذه المقالة، أو السؤال الأهم الذي أحاول أن أجيب علية هو: لماذا ظنك العيش و التضييق على الحريات يصنع كومبرادوراً سُفّلياً قابل للتجيير والإستغلال؟ علماً أن أبناء هذه الطبقة يعلمون أن الطبقة البرجوازية هي سبب تعاستهم و سلبهم لحقوقهم بتستر أو تحالف أو حتى قِصر نظر من طبقة النبلاء و الأرستقراطيين الذين يعلمون بأنهم البيدق الأول للسقوط إذا لم يقوموا بترويض البرجوازيين جيداً. كما أن ما هي صفاتهم؟
 
قدم جزءاً من الإجابة السيد "نيلز بيجيروت" المختص بعلم الجرائم والأمراض النفسية، الذي كان مستشاراً نفسياً لشرطة ستوكهولم، كما قام بتوضيحها و تعريفها "فرانك أوكبيرغ" الاختصاصي بعلم النفس، للمساعدة في التعامل مع حالات الرهائن. حيث ظهر مسمى (متلازمة ستوكهولم) لتوصيف مجموعة من الرهائن الذين تم إحتجازهم في بنك "كريديتبانكين" لمدة ستة أيام بقصد سرقته من مجموعة أشرار في آب عام 1973، وما حدث أن الرهائن تعاطفوا بل ودافعوا عن هذه العصابة بعد تحريرهم.
 
فهذه الظاهرة النفسية هي عبارة عن تعاطف المعتدى عليه مع المعتديّ وتقبُل إساءته والدفاع عنه كآلية تعايش مع الألم أو الإتهاض وهي إحدى الطرق للدفاع عن الذات بشكل غير مباشر عندما تكون الضحية تؤمن بنفس أفكار وقيم المعتدي، فعندها هذه التصرفات لن تعتبرها الضحية تهديداً، لهذا تُكنّ الضحية بالمشاعر الإيجابية تجاه المعتدي كما تدعم سلوكه مع عدم القدرة على إتخاذ أي قرار أو سلوك من شأنه التحرر أو فك الإرتباط بالمعتدي لأن الضحية في وضع تكون فيه مسلوبة الارادة ومغلوبة على أمرها وهدفها الحفاظ على حياتها وبقائها فقط.
فنستطيع أن نعتقد بكل ثقة أن فساد الشعب بتطلعه للوصول لكينونة الطبقة البرجوازية كغاية ودليل على النجاح صنع كومبرادوراً سُفّلياً يبيع صوته بالانتخابات، كما يقوم بتقديم رموز البرجوازية إجتماعياً ليتحصل على تقدير إجتماعي بالمعية، يقبل الرشوة كدليل على وجوده بموقع مهم، كما أنه يتماها مع البرجوازيين إلى أن يصطدم بمصالحهم فيلجأ لطبقة النبلاء و الأرستقراطيين ضدهم.
وبسبب فساد مبادئ هذا الكومبرادور السُفّلي، تجده خاملاً منزوع الروح الثورية التي يعتقد أنها من الممكن أن تُفقده فتات ما يتماها به مع البرجوازيين وخوفاً من أن يخسر تعاطف النبلاء و الأرستقراطيين، فبسبب هذا التأرجح أو نستطيع أن نقول (النفاق الإجتماعي) تتميز هذه الطبقة بعدم الحَرَجْ ببذل ماء الوجه لقاء فُتات يُرمى لها كما يتحلى بثقافة القطيع حيث يموج مع المصلحة الشخصية دون المصلحة العامة لذلك نجده يُمجد العدو الذي يساعده بفتات ماله المسروق منه، ويقف مع أفكار الجهات التي تتصدق عليه بفتات مالها حتى لوكانت هذه الأفكار تدمر مجتمعه وأبنائه. ولهذا السبب نَفَر جزء من المجتمع من أجل خمسة دنانير ولم ينفر بسبب فواتير الكهرباء المشكوك بأمرها، ولم ينفر بسبب بند فرق الوقود بها كما لم يثر بسبب بيع المقدرات السيادية للدولة. فالثورة عند هذه الطبقة يجب أن تكون بلا أي تضحية خوفاً على فتات ما يجعلهم على قيد الحياة.
لذلك هذه الطبقة لا تستطيع المقاطعة بشكل فعال، كما هي غير قادرة على العصيان المدني وهي بكل تأكيد غير قادرة على التحشيد و جلب التأييد، فهي لا تقيس إلا بالميزان الذي يُضع لها من قبل الطبقة الأعلى منهم، وإن كان ميزاناً بكفة واحدة ليحققوا شرط (حماية الفتات) بلا أي تضحية ليحافظوا على توازن نفاقهم الإجتماعي بين البرجوازيين من جهة و النبلاء و الأرستقراطيين من جهة أخرى كما تتميز هذه الطبقة بالاستكثار من اللجوء للكوميديا السوداء التي تقوم بالتهكم على كل قرار سيئ حفاظاً على هذا التوازن. كما بإستغلال أشخاص و أحداث و مواقف تحدث بمكان آخر للتعبير عن حقيقة مشاعرهم تجاه الطبقات الأعلى منهم ليهربوا من العقاب (حماية الفتات) من جهة ويتوهمون بوجود كرامتهم بالكذب على الذات من جهة أخرى. لذلك يكونون شرسين جداً (بلا تهذيب) ولا يملّون بمهاجمة من يختلفون معه سياسياً أو مذهبياً من بلدان أخرى.
 
ولعل من أخطر ميزات هذه الطبقة من الناحية الأمنية، هي قبولهم بقوة خارجية لترجيح كًفتهم على الأطراف الأخرى ويشاركون بهذا مع البرجوازيين الأمر الذي يضطر صاحب الحكم على أثره بإستصناع مراكز قوى ومناصب لتفريغ هؤلاء من قوتهم وحد صعودهم بسقف المنصب للمحافظة على توازن القوى بالدولة لصالح النبلاء و الأرستقراطيين ليحافظوا بذلك على قوتهم أمام القوى الخارجية للحفاظ على الحكم. ولكن العجيب في أمرهم أنهم الأنشط والأكثر تفاعلاً، ومازلت أحاول التفكير بالسبب وما هو الحافز الذي يجعل من هؤلاء الأعلى صوتاً؟
فهذا الكومبرادور السُفّلي كحصان طروادة للطبقات الأعلى منه، فإما أن يكون حصاناً للبرجوازيين ليُسقطوا بهم النبلاء و الأرستقراطيين أو يكونوا حصاناً للنبلاء و الأرستقراطيين ليُروضوا بهم البرجوازيين ويحافظوا على الحكم. ومن هنا نستطيع أن نعتقد بكل ثقة أيضاً أن النبلاء و الأرستقراطيين و البرجوازيين وهذا الكومبرادور السُفّلي يتشاركون بميكافيليتهم إتجاه الآخر كما يتشاركون بحصتهم بتخريب الدولة وإيمانهم بنفس الأفكار والقيم.

المقال يعبّر عن وجهة نظر و رأي كاتبه