مقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني

 

أولا : تعريف التطبيع:

 

التطبيع لغوياً هو العودة بالأشياء إلى سابق عهدها وطبيعتها.. وفي الصراع العربي الصهيوني يقصد به الاستسلام غير المشروط للأمر الواقع والاعتراف بالكيان الصهيوني الغاصب للأرض كدولة ذات سيادة وتحويل علاقات الصراع بينها وبين البلدان العربية والإسلامية إلى علاقات طبيعية وآليات الصراع إلى آليات تطبيع.. وبالتالي التخلي عن مشروع الأمة والانصياع لخدمة المشروع الصهيوني.

 

يقول الصهيوني -شيمون شامير- في محاضرة ألقيت في جامعة “تل أبيب” “إن مصطلح التطبيع هو مفهوم غير عادي، ففي معاهدات السلام التي تنظم العلاقات بين الدول، لا يتكلم عادة عن التطبيع، والمفهوم الشامل عن التطبيع إنما هو من مبتكرات الصراع العربي الإسرائيلي. وقد نشأ من عدم التناسق في النزاع، ومن ان مضمون اتفاق السلام مع بلد عربي يأتي -كما نتوقع نحن الإسرائيليين- بمنافع محدودة للغاية في مقابل شيء من العرب -اعتراف، قبول استعداد للحياة في سلام معنا- والصعوبات في عدم التناسق هذا تمت ترجمتها في مفهوم التطبيع”.

 

أما كلمة التطبيع فقد شرعت مع اتفاقيات -كامب ديفيد المشؤومة. التي وقعت في 17 أيلول/سبتمبر عام 1978 حيث وردت عبارة علاقات عادية أو طبيعية.. والمقصود إنهاء حال المقاطعة.. التي انتهت بقرار رسمي في شباط عام 1980.

 

وهكذا حل مفهوم مقاومة التطبيع في مصر بدل مفهوم المقاطعة. لأن المقاطعة فقدت الأساس القانوني الذي كانت تستند إليه.. وبالتالي باتت مقاومة التطبيع محصورة في التحرك الشعبي في مواجهة حركة التطبيع الرسمي الذي فرضته معاهدات الحكام التي تتالت، والتي لم تكن إلا خيطاً في نسيج متكامل يهدف إلى إخضاع المنطقة كلياً واستثمارها سياسياً واقتصادياً…

 

 

ثانيا: عقبات أمام التطبيع:

 

يقول الكاتب الصهيوني ألوف هارايفن إن هناك أربع عقبات صعبة أمام التطبيع وأهمها الموقف الثقافي والعقائدي للعرب وللإسلام تجاه “إسرائيل” واليهود، والحل يستدعي الاعتماد والارتكاز على ضرورة وجود برامج مركبة في المجال التعليمي الثقافي.. بهدف تفتيت الملامح السلبية للجانب الآخر، وأن تقام برامج ذات موقف متزن ايجابي، وأحد الأسس الحيوية لبرنامج كهذا هو الفحص الشامل والتغيير الكامل للبرامج التعليمية ولكل ما في المدارس.

 

المضمون الثقافي لمشروع التطبيع الصهيوني:

 

يمثل التطبيع الثقافي الدعامة الرئيسية للتطبيع بشكل عام من وجهة نظر الكيان الصهيوني اذ المطلوب ببساطة نزع العداء من العقل العربي استكمالاً لمحاولة نزع السلاح من اليد العربية، وهي المهمة التي يتكفل بها التطبيع السياسي الأمني.

 

وهذه المهمة لدى الصهيوني ليست بالمهمة المستحيلة.. بل هي ممكنة.. وكل عقدة عندهم لها حلها..

 

فإذا كانت مناهج التربية والتعليم تحض على الكراهية فإنه يمكن تغييرها لتشيع قيم السلام.

 

وموقف الإسلام من اليهود أيضا له حله، فإذا كانت “المفاهيم السلبية” تسود الدين الإسلامي فيمكن إزالتها.. ولذا ورد في تفاصيل تلك الاتفاقيات ـ سواء كامب ديفيد أو وادي عربة ـ انه لا يجوز لأجهزة الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية إضافة إلى الكتب المدرسية ـ في هذين النظامين تداول الآيات القرآنية التي تحمل ذماً لليهود.

 

وفي مؤتمر التسامح الذي عقد قبل سنتين ونصف في المغرب العربي قال ديفيد ليفي وزير خارجية العدو حينها انه “من اجل أن يقوم التسامح بيننا وبين العرب والمسلمين فلا بد من استئصال جذور الإرهاب، وإن من جذور الإرهاب سورة البقرة من القرآن..”.

 

 

ثالثا : مقاومة التطبيع:

 

مقابل عجز الحكام كان لا بد للشعوب العربية والإسلامية من أن تشهر سلاح مقاومة التطبيع الذي هو ليس أكثر من رد فعل تلقائي لدى الأفراد والأسر في مواجهة كل ما يستهدف عقائدها وقيمها وتراثها الديني والحضاري.

 

إن الدوائر الأميركي والصهيونية تدرك تماماً أن عملية التزوير الكبرى التي يراد ان تؤسس عليها طموحات المعتدين، لا يمكن أن تنجح ولا يمكن أن تستمر إذا نجحت إلا على أنقاض التماسك النفسي والوجداني في الأمة، وهذا بالذات هو باعث قلقهم، ودليلنا ما هو ماثل اليوم.

 

عشرون عاماً على الاتفاقيات ولا يزال التطبيع ينحصر بين الفئات الحاكمة والمشروع الصهيوني في المنطقة، ومجاله لا يزال يقتصر على العلاقات الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية، فأسطورة الحاجز النفسي الناشئة من المكوّن العقائدي للفرد في هذه الأمة، هي التي ما زالت تقف سداً منيعاً في مواجهة سيل الدهاء والمكر الصهيوني.. وهذا ما يمكن أن نقرأه أيضاً في نموذج آخر على أرض فلسطين.

 

فبعد خمسة وثلاثين عاماً كاملة من الاحتلال الإسرائيلي والقمع وطمس الهوية وجهود الاحتواء لا يزال الاحتلال الإسرائيلي في الضفة، في مخيم جنين وسائر البلدات، عاجزاً عن أن يجني ثمار عدوانه.. خمسة وثلاثون عاماً ولد في ظلها جيل كامل لا يعرف سوى واقع الاحتلال والتهويد.. لكن هذا الجيل باعترافهم جاء أشد مقتاً لهم وجرأة عليهم.. بحيث ان كل ما تملكه الصهيونية من أدوات عجزت عن قهر إرادة شعب صغير في بقعة صغيرة.

 

فعالية العمل النسائي في مقاومة التطبيع:

 

مما تقدم.. ندرك أن الحركة ضد التطبيع لا بد أن تصبح أحد أهم أسلحة المقاومة العربية والإسلامية الشاملة.. وإن فعالية دور المرأة في هذه الحركة يكمن في تطوير التفاعل الشعبي وتحويله الى احتضان حقيقي لقضايانا المصيرية والهامة. وإن مقاومة التطبيع من هذا المنظور هي عملياً تحصين الأمة من الاختراق وعدم السماح للخطة الصهيونية الأميركية بهز التماسك الشعبي الوجداني بإيجاد الثغرات.

 

فالتحرك الحيوي الفاعل على مستوى الأسرة ـ كمثال ـ وحده كفيل بإحباط المخططات الصهيونية الخبيثة التي تستهدف مجتمعاتنا وثقافتنا الأصيلة وزعزعة إيماننا الوثيق بقيمنا الأخلاقية وتراثنا الديني.. وإن حضور المرأة الفعلي والحقيقي في مختلف المجالات قادر على إحداث حركة هامة على صعيد مقاومة التطبيع، إذ باستطاعتها:

 

1- إقامة سياج واقٍ ومنيع داخل الأسرة.. لا يمكن أن تخترقه مكائد أو إغراءات او اتفاقات، فهي مطالبة بالدفاع عن هذا الحصن تحت أقصى الظروف.

 

2- إيجاد نمط حياة مقاومة التطبيع إضافة إلى مقاطعة البضائع الأميركية والشركات الداعمة لليهود.. نمط حياة ينطلق من واقع الهجمة ومخاطر التطبيع التدميرية التي تهددنا جميعاً.

 

3- تعميم ثقافة مقاومة التطبيع والمقاطعة.. بشتى الوسائل لا سيما من خلال إدخال مثل هذه الثقافة عبر البرامج التعليمية.. إذ لا بد أن تعي كل مربية في مؤسسة تعليمية وكل ربة أسرة وكل فعالية نسائية أن من يمارس التطبيع هو شريك في جريمة يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي والوحشية الصهيونية التي تستبيح كل شيء.

 

4- الاستفادة الفردية مما توفره تكنولوجيا الاتصال والمعلومات الحديثة وخصوصاً الانترنت في المعركة الإعلامية مع العدو. وهذه المعركة الهامة يمكن أن تخوضها المرأة بجدارة داخل بيتها.

 

5- تسليح الأبناء بمبادئ الدين والقناعات التي تستعصي على كل وسائل البث المرئي والمسموع مهما كانت قوتها. فإذا كان التطبيع الذي تسعى إليه الحركة الصهيونية هو الدخول إلى بيوتنا بلا استئذان وبلا رقابة وصولاً إلى إنهاء المقاطعة وتحقيق التطبيع عبر السموم الفكرية التي تسمح للصهيونية بالعبث والتخريب في فكر الأجيال وأخلاقياتهم التي تربو عليها.. وكنا إلى هذا نمر في مرحلة حساسة سخر فيها هذا الحلف كل إمكانياته وجند فيها أفضل خبراته ليغزونا من الداخل، فإن هذا الأمر يدعونا إلى النهوض لتوجيه الجهود النسائية سواء منها الفردية أو الجماعية كمؤسسات ومنظمات أهلية نحو مواقع المسؤولية والفوز بحمل الأمانة وخوض غمارها.

 

فدور المرأة في المقاومة والانتفاضة الذي دخل التاريخ بعطائه.. هو اليوم سند ورصيد هامّ للمرأة في سائر أقطارنا العربية والإسلامية، ويمكن أن يكون نواة استقطاب لمختلف الشرائح النسائية في مجتمعاتنا وصولاً إلى انخراط الطاقة النسائية المخلصة في ميدان الفعل المباشر لمواجهة العدو الصهيوني ومخططاته.

 

ودمتم في عزة وكرامة 

 

 

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه