عشرات ومئات الأقاليم التي تسعى لإنفصالها عن دول ٍ عاشت بكنفها وتحت رايتها لسنوات, يختلف التوقيت وقد يتزامن, تختلف حدة المواقف وقد يرافقها سيل الدماء, تتعدد الأسباب ويبقى جوهرها واحد, تفرقة وضعف, حصارٌ للأعداء وإنهاكهم, هزيمة للجغرافيا ونصر لأسلاك الحدود, ومن تقاسم الثروات إلى تجميعها, تخمة ٌ للبعض وجوع ٌ للبعض الاّخر, خلافات وصراعات إضافية تزيد درجة تعقيد حياة البشر, تحت راية ٍ أو أخرى, يتضاعف حجم الألم, بشرٌ يدفعون حياتهم ثمنا ً لتحقيق أحلام وغايات المخططون وأصحاب الأياد الخفية, كوكب ٌ تتبعثر أحشاؤه قبل إنفجاره أو بعده لا فرق, ولم يعد هناك مكان ٌ اّمن ٌ لإستقرار البشر وبناء البيوت و زراعة الأحلام والورود, من يسعى إلى تفتيت العالم, يجيب البعض ويتهم "المؤامرة ", وبعض ٌ ساذج ٌ يعتقد أنه يفعل حسنا ً لشعوب ٍ ويخدم عرقا ً أو قومية ً أو دينا ً أو مذهبا ً, أوسياسة ً أو مصلحة ً ومالا ً!.

فمن تفكك الإتحاد السوفيتي، إلى كاليفورنيا الولايات المتحدة، إلى كيبك كندا، واسكتلندا المملكة المتحدة، ومن لومبارديا وبندقية إيطاليا، إلى كاتلونيا وباسك إسبانيا، ومن كورسيكا إلى باريس، ومن بافاريا إلى برلين، ومن هونغ كونغ إلى الصين، ومن كردستان إلى روج أوفا في العراق وسوريا، ومن جنوب اليمن إلى جنوب السودان، ومن البنغال إلى أراكان الروهينجا.

قد يبدو تحليل هذه "الظاهرة" للوهلة الأولى أشبه بالمستحيل، مع تعدد الأسباب والدوافع والأهداف والغايات، ولكن يبقى الفعل هداما ً مدمرا ًومؤذيا ً، ويحمل من الألم أكثر ما يحمله من الأمل، خصوصا ً بعد مراقبة أعداد المنكوبين والمتضررين والمفقودين والجرحى والمهجرين والنازحين، وتتويجا ً بعدد الضحايا والقتلى.

ويطرح السؤال نفسه، من يبحث عن إيلام البشر وأذيتهم؟ ومن يبحث عن إضعافهم للتفرد بهم؟ ومن هو المستفيد من ضياعهم وتشرذمهم؟ ومن هو الجامع الأخير لثرواتهم المهدورة، ومن يُمول الإنفصال و ُيسلح "حراسه"؟ ...هل يملك الإنفصاليون أسبابا ً وأسسا ًواضحة وكافية ومحقة، وتحمل من الفائدة ما يوازي الأثمان التي تُدفع لأجلها؟ أم للبشر حياتهم، وللساسة غاياتهم؟وهل تسعى الشعوب للعيش قطعانا ً متجانسة، بحسب العرق أو الدين أوالمذهب، أو بحسب المستوى الطبقي أوالإقتصادي -المعيشي، وهل يرغب الأغنياء بمسح أحذية الأغنياء، ويستعدون للعمل في المناجم ورعاية الأبقار؟

ويتساءل البعض من استعمر الدول، وسطا على خيراتها، واستعبد سكانها، ونقلهم عبيدا ً إلى بلاده، ومن قسم القارات الشاسعة، ومن وضع الحدود الحالية، وهل واضعوا الخرائط، يرسمون أقدار الشعوب، ويقررون عنهم خوض المعارك الدامية للدفاع عن خطوط مؤامراتهم ومصالحهم؟

من يملك مشاريعا ً على مستوى الكرة الأرضية؟ ومن جاهر بأحلامه ومشاريعه للسيطرة على العالم؟ ومن يقاتل لأجل إخضاع العالم والسيطرة على ثرواته وعقوله، من يعتقد أنه يملك مزايا لا يملكها غيره، من يتحدى الإله في خلقه وبتقسيم موطئ قدمه وبتبديد ثروات الأرض التي كُلف الإنسان ببنائها وإعمارها ...من يسعى لإقامة الحروب العالمية وتغيير خارطة الكون؟

ومن يتذرع للإنفصال بداعي الغنى والفقر واللغة، ومن يتمرد ويعتدي على حقوق الغير ويسعى للإنفصال عن عقله وزمانه ويسعى للعيش في دولة ٍ أو كيان ٍ على أساس ٍ ديني، ويرجع بالمكان إلى غير زمن؟ ومن لا زال يرفض كل تنوع وإختلاف ويستخدم العنف والقتل والإرهاب وسيلة ً "لإقناعه"؟ ...عشرات الأسئلة، تقفز إلى رؤوسنا، لا يمكن لأصحاب الدعوات الإنفصالية إقناع الاّخرين بضرورة الإنفصال وإعتبارها أسبابا ً وحيدة وكافية لخوض الصراع ودفع أثمانه.

قد لا يحتاج الأمر لعناء ٍ كبير ليجد المرء الأجوبة الشافية، فدائما ًهي الحركة الصهيونية التي جاهرت بأهدافها وبذلت جهودها للسيطرة على كافة وسائل الإعلام ومراكز القرار العالمي، واتخذت من الولايات المتحدة الأمريكية قاعدة ً للإنطلاق، وليست دعوات الإنفصال سوى إحدى تلك الأساليب التي استعملت فيها جيوش وحكومات بعض الدول لشن الحروب المختلفة، وأنشأت العصابات والمافيات والحركات والأحزاب والجيوش، تحت عناوين الإنفصال...فكانت تنظيمات القاعدة وداعش والنصرة والجيش الحر وأبو سياف وبوكو حرام ومجاهدي أراكان وغيرها...واستعملت قدراتها وإمكاناتها لإقناع الدول والشعوب بعدالة قضايا الإنفصال, وزيفت الوقائع وبعثرت الحقائق حتى بات البعض يخدم مشاريعها معتقدا ً أنه يخدم العدل والحق..!

فقد سبق لمسعود البرزاني أن قال بأنه "سيخوض معركة الإستفتاء والإستقلال بالحروب والدماء"؟ ... كذلك تفعلها السعودية عبر دعم إرهابييها في حركة يقين, وجيش إنقاذ أراكان, تفضيلا ً منها لمصالحها التجارية ولأنابيب النفط والغاز الخليجي العابرة إلى بورما فالصين على دماء المسلمين هناك, بالتعاون والتنسيق مع العدو الإسرائيلي, وبات من الواضح أن الصين وبحرها الجنوبي هي المسرح الجديد للحروب بثوبها الديني عبر صبغ الصراع العرقي - السياسي وتحويله  إلى صراع ٍ ديني في منطقة تعج بالإثنيات العرقية والقومية والدينية, وسط فضاءات دول ٍ قوية تمتلك السلاح النووي تبدأ من باكستان والهند, ولا تنتهي عند تركستان وسور الصين العظيم فقط, فطريق الحرير الجديد سيحمل الموت نفطا ً في أنابيب دماء الدول والشعوب, ليضعه تحت رحمة الأساطيل الأمريكية, لتلفه حبلا ً على رقبة المارد الصيني, الذي يخشى ويتوجس إنفجارا ً إنفصاليا ً– إرهابيا ً, في منطقتي "شينجيانج" تركستان "والتيبت" على حدوده الشرقية.

وفي هذا السياق يمكننا الحديث عن مشاريع التقسيم التي استهدفت سوريا, والتي إستحضرت خرائط سايكس – بيكو, واستحضرت معها خارطة الأطماع الجديدة للأمريكيين والأوروبيين والإسرائيليين والعثمانيين والأحقاد الخليجية, واُعتمدت الذرائع والمسببات وسكبتها في قوالب قومية وعرقية ودينية ومذهبية, وتم اختيار الإرهاب وكيلا ً رسميا ً, فيما بقي الأصلاء على أهبة الإستعداد لشن الضربات الموجعة, وللعدوان المباشر حينما تدق الساعة, وعلى الأرض توازت إقامة إدارات التوحش الإرهابية مع إقامة القواعد العسكرية, وأطلق الإنفصاليون العنان لرهاناتهم على مشاريع أسيادهم, وتحركت معهم الأدوات المحلية, بزعامة بعض الأحزاب الكردية الإنفصالية والتي قولبتها واشنطن في تركيبة غريبة ودعتها "قوات سورية الديمقراطية", وعلى الرغم من براءة غالبية أكراد سوريا من قادة الإنفصال وأهدافهم, وعلى الرغم من أصوات العقلاء, ومع تقدم الحوار مع الدولة السورية وعرقلته أمريكيا ً, بات من الواضح حجم السيطرة الأمريكية على قرارهم والذي يصب في استمرار رهانهم على تقسيم سوريا من بوابة إدارة الحكم الذاتي, الذي يرفضه السوريون ويعتبرونه خروجا ً عن دستور بلادهم... وفي هذا السياق أكد الوزير لافروف وجود مخططٍ أمريكي لتقسيم سوريا وإقامة دويلة كردية, كذلك تحدث الرئيس بشار الأسد - قبل عدة أيام - وأكد على محاولات أعداء سوريا لتسويق "تطبيق اللامركزية الشاملة", وأكد أن : "الدستور غير قابل للمساومة", وأن :"البعض "لا يزال يقع في أفخاخ التقسيم" التي ينصبها الأعداء, وتوجه للمجموعات العميلة للولايات المتحدة بالقول: "الأمريكي لن يحميكم وستكونون بيده أداة للمقايضة, لن يدافع عنكم سوى الجيش العربي السوري", كذلك أكدت المستشارة بثينة شعبان أن:" الكرد جزء غالٍ من النسيج السوري, لكن هناك بعض المتواطئين". 

هكذا تُستخدم الشعوب والأقليات من حيث يدرون أولا يدرون، ولأجل أكبر المصالح، وهكذا تُستباح الحدود، وتُنسج الحكايا وتُخلق المسببات، وتصبغ الشرور بألوان ورغبات ودعوات الإنفصال، ومن فوضى المكان إلى فوضى الزمان، تُسرق الثروات وتسيل دماء الأبرياء في عالم ٍ متوحش ٍ تقوده أدوات العصيان الإلهي والسيطرة على العالم في خدمة الشر والشرير.

 

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه