إن أي ممارسات خاطئة، يتم من خلالها معاملة الإنسان بشكل مستبد، من خلال التحكم به وهضم حقوقه، لإختلافه من حيث العرق أو اللون أو الدين، نعرف أنه يعاني العنصرية، التي هي مرض ينخر في المجتمعات، وموجودة العنصرية منذ القدم تسبّبت في تفرقة الناس واندلاع الحروب، فتتعرض الفئة المظلومة إلى أقصى درجات التمييز والتهميش وغيره، كاللغة والعادات والثقافات والمعتقدات والطبقات الاجتماعية، والتي يتم من خلالها سطوة وسيطرة من قبل العنصريين على كل من يختلف معهم.

التمييز العنصري

إن التمييز العنصري قديما قدم التاريخ والأمثلة والشواهد عليه كثيرة من أن تعد أو تحصى، فكانت العنصرية في أوروبا ضد اليهود، والعنصرية التي يمارسها الكيان الصهيوني على الشعب الفلسطيني، وعنصرية الدول العربية تجاه القضية الفلسطينية وتطبيعهم مع كيان الاحتلال، والإضطهاد الذي يمارس ضد الأفارقة السود من تجارة الرقيق إلى النبذ والقتل والتعذيب في الولايات المتحدة الأمريكية. وتمتد العنصرية لتأتي على شكل انعدام المساواة بين عرق وآخر ولون وآخر وقبيلة وأخرى، حتى في المؤسسات والطبقة العاملة. فيجب علينا كشعوب وأفراد محاربة شتى أنواع العنصرية التي حرّمها ديننا الإسلامي، والذي يعطي كل ذي حق حقه، دون النظر إلى الدين أو اللغة أو العرق واللون، ولا يميز بين ذكر وأنثى، وكما قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "الناس سواسية، كأسنان المشط"، و "لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى"، ومن روح عقيدتنا الإسلامية نرى روح التعاون ومد يد العون لكل ضعيف، على اختلاف أصولهم ومنابتهم، فالدين عند الله عز وجل، المعاملة.


العرب والعنصرية

تأصيل العنصرية في البلدان العربية، ظاهرة تقض مضاجع كثير من المهتمين بالشأن الإنساني والديني، فكم من حرب قتل فيها من قتل بفتاوى سلطانية أو دعاوى قومية، وكم من هدر للأوقات والموارد مر من زمن الإنسانية بسبب حروب عنصرية تكشف سوء القلوب، فهتلر الذي جاء بالديمقراطية الحرة، دمر بلاده بحروب أخذت من زمن وموارد ألمانيا الكثير وسفكت دماء الألمان خارج حدود الوطن في حروب عبثية لم يكن دافعها سوى وهم التفوق العرقي، لكن في المجتمعات العربية هناك ممارسات تعكس روح القبلية في المجتمعات العربية إلا أن الرهان يظل قائما بإمكانية تقلصها في ظل انتشار وسائل التعليم والإعلام المفتوح، فالمجتمع الخليجي في معظمه مع الأسف، فيه من الثقافة العشائرية المتأصلة المتجذرة بالروح الخليجية، إذاً العنصرية مرض خطير، العنصرية لا تجل إلا الأحقاد والكراهية، فلا تنظروا اليوم إلى الثقافة المعمارية وغيرها على انه تقدم، في الخليج أو غيره، إنما التقدم بالعودة إلى إنسانيتنا، أن نعود إلى هذا الخلق الجميل، نتخلق بأخلاق الله عز وجل، الذي لا ينظر إلى عباده بل إلى أعمالهم
يقول الله عز وجل: "إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح، يرقعه"، فهذه الآية الكريمة المباركة تعلم الإنسانية بأن قيمة الإنسان بما يقدم للإنسانية


مالكوم إكس المناضل الذي مات واقفا


للولايات المتحدة الأمريكية، تاريخ طويل مع العنصرية التي فتكت بالبشر قبل الحجر، وبسبب لون البشرة للأفارقة الأمريكيين، كان التنكيل كبير جدا، من قبل البيض، فالعنصرية في الولايات المتحدة حوربت من رجال عرفوا معنى الوطن، والدستور، ولنأخذ على سبيل المثال، المناضل الكبير "مالكوم إكس"، هذا الرجل الأسود، وعذرا على التلفظ بهذا الأمر، لكن هكذا كان الأمريكي ينظر إلى البشرة السوداء، "الأسود، الزنجي"، هذه الثقافة بالمناسبة موجودة إلى اليوم، على الرغم من أنها غير موجودة في الدستور الأمريكي، بل وحوربت، لكن موجودة كثقافة مجتمع.
يقول مالكوم إكس: "كنت على الدوام رجلا يواجه الحقائق، وتقبل واقع الحياة"، كما تكشف عنه المعارف والخبرات، لقد كان مالكوم إكس وأسرته يعانون من أبشع أنواع التفرقة والتمييز العنصري في أمريكا، بسبب بشرتهم السمراء، لدرجة ان الناجح منهم كان ماسحا للأحذية، أو بوابا في أحسن الظروف، فكان السود آنذاك يواجهون مصيرا مجهولا ومنهم مالكوم إكس، فلا يطلبون حينها إلا البقاء على قيد الحياة، الأمر الذي لم يحدث بأي شكل من الأشكال. فلأنك زنجي، يقول مالكوم إكس: "إن حسن المعاملة، لا تعني شيئا ما دام الرجل الأبيض لن ينظر إليك كما ينظر إلى نفسه، وعندما تتوغل في أعماق نفسه، تجد أنه ما زال مقتنعا بأنه أفضل مني".
يعد مالكوم إكس من أشهر المناضلين السود في الولايات المتحدة وهو من الشخصيات الأمريكية المسلمة البارزة في منتصف القرن الماضي، والتي أثارت حياته القصيرة جدلاً لم ينته حول الدين والعنصرية، حتى أطلق عليه "أشد السود غضباً في أمريكا"، حيث انتقل من قاع الجريمة والانحدار إلى تطرف الأفكار العنصرية، ثم إلى الاعتدال والإسلام، وبات من أهم شخصيات حركة أمة الإسلام.
كان لمالكوم إكس الفضل الكبير بعد الله في نشر الدين الإسلامي بين الأمريكيين السود، في الوقت الذي كان السود في أمريكا يعانون بشدة من التمييز العنصري بينهم وبين البيض، فكانوا يتعرضون لأنواع الذل والمهانة ويقاسون ويلات العذاب وصنوف الكراهية منهم، لقد امتد تأثيره لكل السود في أمريكا، امتد أيضا تأثيره إلى اشخاص مثل محمد علي كلاي، ليقود الثورة السوداء ضد العنصرية البيضاء، وهو صاحب المقولة "الصوت أو الرصاصة".

مالكوم إكس: "لقد تعلمت باكراً أن الحق لا يُعْطى لمن يَسْكت عنه، وأن على المرء أن يُحْدِث بعض الضجيج حتى يحصل على ما يريد".

 

العرب إخوة، بين حبشية بلال ورومية صهيب وفارسية سلمان


 تواجه فئات من الدول العربية بكلمات يقول بعض مواطنيها أنها عنصرية، مثل "الخدم" في اليمن، وهم الفئة الكادحة التي تقوم بأعمال مزدراة اجتماعيا، و"الحراطين" في موريتانيا، وهي فئة العبيد التي ما زالت موجودة فيها، وتستعمل كلمة "عبد" في السودان ضد داكني البشرة من باب "المزاح الثقيل" رغم استهجانها اجتماعيا وهي تخفي وربما تكشف عن تاريخ العبودية الذي كان موجودا وسط السودان. فمشكلة العنصرية في عالمنا العربي مطروحة على مستوى القبيلة والمنطقة، ووصف غير خليجي من المسلم، والعربي بالأجنبي، فلا يجب حسب المتحدث الخلط بين الثقافة المحلية والعنصرية فالتمسك بالثقافة المحلية مرغوب اما العنصرية فهو القول بأن ثقافتك المحلية أفضل من ثقافة غيرك. بينما تبقى مظاهر التفرقة العنصرية محدودة، فرئيس العراق مثلا كردي مع أن الأكراد أقلية في العراق، وأغلب سكان شمال افريقيا أمازيغ حتى أن ملك المغرب ذو الأصول العربية يحرص على الزواج من أمازيغية. 
قال الله عز وجل: "إن أكرمكم عند الله اتقاكم"، يروى أن بعض التابعين وهو الأحنف بن القيس كان قصير القامة، أسمر اللون أحنف الرجل، في عرج، مائل الذقن، ناتئ الوجنتين، غائر العينين، لم يكن شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب، وكان مع ذلك سيد قومه، إذا غضبَ غضب لغضبته مئة ألف سيف، لا يسألونه فيما غضب، وكان إذا علم أن الماء يفسد مروءته ما شربه. فنبي الله صلوات الله عليه، أنشأ مجتمع فوي وأصلح ذات البين، وأرسى المساواة بين المؤمنين، من ودون استثناء، فالعدل أساس القوة، فما عاشر نبينا واحد إلا ويظن أنه أقرب الناس إليه، فديننا الحنيف أرسى العدالة الاجتماعية، من خلال تعاليمه وحث المؤمنون على أن يكونوا صفا واحدا ونبذ كل أشكال التمييز، لنحملها حتى يومنا هذا كإرث نميز به عن المجتمعات العنصرية، ولكن هذا لا يعني أن هذه الظاهرة اختفت من مجتمعاتنا العربية، بل لا تزال موجودة، كنت قد قدمت حلقة في برنامجي حرر عقلك، تتناول العنصرية، وفيما يلي أرفق مقطعا مما ورد فيها.
الانتخابات في البلاد العربية، ولننظر إلى البرامج الانتخابية لأي زعيم عربي أو البرنامج الإنتخابي لأي مرشح يريد أن يدخل إلى البرلمان، بالمناسبة كل الأقطار العربية متشابهة بالنسبة للثقافات، وكلنا نمارس العنصرية، حتى في البرامج الانتخابية، هذا من طائفة الدروز وذاك شيعي والآخر سني، وذاك من العلويين، وهذا من النصارى، كل إنسان يناغم لطائفته، وهنا تبدأ قضية العنصرية، فأين الوطن من برنامجك الإنتخابي، فالجميل من الإنسان أن ينتمي إلى فكرة معينة، ومكون معين، ولكن بنسبة، وبخط يتناغم معي، وعندما أصل إلى البرلمان وهنا الشاهد، أمثل الوطن والأمة، أنا لا أنتمي إلى طائفتي اليوم بل أمثلها، وأمثل حزبي، وخارج قطرك أن تمثل الأمة العربية والأمة الإسلامية، فللأسف هذا الدور وهذه الثقافة غير موجودة في عالمنا العربي.
الناس اليوم عزفوا عن الانتخابات وملوا منها، ملوا من العبارات ومن الشعارات، إما متاجرة دينية أو حزبية، إذا كانت إيجابية تكون عندما يختار الإنسان هذا المكون ويساعده في الوحدة ولملمة شمل العرب، ولم شمل أبناء الوطن، فديني هنا ومذهبي خدمة لأمتي ووطني، فمذهبي وعقيدتي عليها أن تؤمن بالمواطنة، أما إذا كان ما أنتمي له من ديني إلى عقيدتي ومذهبي، يقصي الآخر، ويتمنى الشر له، ولا يعترف بنظام دولة، وهذه المشكلة.

العنصرية ليست وجهة نظر


عندما فتح الفرنجة القدس، ذبحوا "70" ألفا، وعندما فتحها صلاح الدين لم يرق قطرة دم واحدة، إن استيعاب فكرة الوحدة الكلية للجنس البشري يتأتى بعد عملية تاريخية تحوّل خلالها الأفراد إلى وحدات بشرية أكبر. فمن عشائر إلى قبائل، ثم إلى دويلات وأمم، ثم إلى اتحادات وروابط دول، يصبح من الطبيعي أن الخطوة التالية هي خلق حضارة عالمية متنوعة، وموحدة في الوقت ذاته. حضارة تكون فيها جميع الشعوب والثقافات أجزاء متكاملة في بناء واحد هو الجنس البشري نفسه، فالتفرقة العنصرية لا تتبع من البشرة بل من العقل البشري، وبالتالي فإن الحل للتمييز العنصري والنفور من الآخر وسائر مظاهر عدم المساواة ينبغي، أولاً وقبل كل شيء، أن يعالج الأوهام العقلية التي أفرزت مفاهيم زائفة، على مر آلاف السنين، عن تفوق جنس على آخر من الأجناس البشرية. ففي جذور هذا التعصب العرقي تقبع الفكرة الخاطئة بان الجنس البشري مكون من حيث الأساس من أجناس منفصلة وطبقات متعددة، وأن هذه الجماعات البشرية المختلفة تتمتع بكفاءات عقلية وأخلاقية وبدنية متفاوتة تستوجب أنماطاً مختلفة من التعامل. 

لكي تستطيع أن تواجه العنصرية بحكمة وبطريقة صحيحة عليك أن تعرف حقوقك التي يكفلها لك القانون فهناك العديد من القوانين حول العالم التي تكفل للإنسان حقه ضد العنصرية، لا تهمل نفسك واعمل دائما على التقرب من الأشخاص الذين يدعموك بإستمرار، فالعنصرية ليست عصية عن العلاج، والتفوّق ليس حكراً على فئة واحدة، إذ يجب علينا أن نصهر جميع الإمكانات المتوفرة لرسم أجمل صور التكافل والتكاتف في الطريق إلى الحضارة. نبدأ من الحكومات التي عليها أن تحاول تضييق دائرة الخلافات بين القبائل، وبين الفصائل المختلفة في المجتمع، وتطبق مبدأ العدل والمساواة بين الجميع، وكما أذكر في معظم مقالاتي أن للإعلام دور كبير جداً في التأثير على المجتمع، وعلينا أن نحرص أن يكون هذا الدور إيجابياً في نبذ العنصرية والتمييز.
وأختم بقوله عز وجل: " وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ".

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه