كمال علام في مقال له على موقع «ميدل إيست آي»: إن رئيس أركان الجيش الباكستاني – الجنرال قمر جاويد باجوا – تمكن من إعادة صياغة علاقة بلاده مع كل من السعودية والإمارات. وإليكم ترجمة المقال كاملًا:

منذ وصوله إلى السلطة، جعل رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان الإمارات والسعودية محور الاستراتيجية التي تصفها حكومته بـ«الدبلوماسية الاقتصادية».

لقد عانت باكستان من عقود من الفساد المستشري والسياسات الإقطاعية، التي أوصلت البلاد إلى حافة الخراب الاقتصادي. إذًا لماذا ينظر إلى رحلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التي اختتمت مؤخرًا على أنها زيارة تاريخية ذات دلالات إستراتيجية ليس فقط لعلاقاتهما الثنائية، ولكن أيضًا لدور باكستان في الشرق الأوسط؟

يكمن الجواب في رئيس أركان الجيش الباكستاني الجنرال قمر جاويد باجوا، الذي أعاد بهدوء علاقات الجيش مع الشرق الأوسط، بدءًا بالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

تاريخ موجز للعلاقة بين السعودية وباكستان

لطالما كانت الرياض مشاركًا نشطًا في الشؤون الداخلية الباكستانية، وفقًا لما قاله عادل الجبير، وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية.

فعلى مدى عقود، كتب المحللون وصناع القرار عن الدور السعودي في باكستان، مع التركيز على شراكتهما العسكرية. ووصف رئيس الاستخبارات السعودي السابق الأمير تركي بن فيصل علاقتهما الثنائية بأنها ربما تكون واحدة من أقرب العلاقات في العالم «دون أي معاهدة رسمية».

وهنا تكمن المشكلة في الماضي: فلقد استفاد القادة العسكريون والمدنيون الباكستانيون لفترة طويلة من السخاء السعودي. وقد اعترف الرئيس السابق برويز مشرف بحصوله على منافع شخصية ومكافآت مالية، ولطالما تغاضى السعوديون عن فساد الزعماء الباكستانيين.

ولهذا السبب يفضل السعوديون دائمًا الحكم العسكري في باكستان، في الوقت الذي يُزعم فيه أن الجنرالات السابقين قد استفادوا شخصيًا، بدلًا عن مساعدة باكستان. قال مشرف إنه في ظل الضغوط السعودية، ترك رئيس الوزراء السابق نواز شريف يرحل بهدوء، على الرغم من الإجراءات القضائية وعلامات الاستفهام حول حكمه.

أثار تعيين رئيس أركان الجيش السابق الجنرال رحيل شريف كرئيس لمنظمة «الناتو الإسلامي» التي تمولها السعودية دهشة كبيرة في باكستان، نظرًا للطبيعة المتحيزة للتحالف وغياب الدول الإسلامية الرئيسة، بما في ذلك إندونيسيا، وإيران، والجزائر، والعراق.

ما الذي يجعل الزيارة الأخيرة مختلفة؟

صاحبت الزيارة الأخيرة لمحمد بن سلمان إلى إسلام أباد أجواء صاخبة، مع إعلان عطلة رسمية في العاصمة وتوقف الحياة في المدينة مع وصول الوفد السعودي. لم يحدث من قبل أن استثمر السعوديون بكثافة في باكستان على مستوى الدولة، دون أن يستفيد سياسي أو جنرال معين.

كان العنصر الرئيس المفقود من الزيارات السابقة هو مصطلح «الاستراتيجية». في هذه الزيارة الأخيرة، أكد الجبير بشكل قاطع أن أيًا من الهبات السعودية لم تكن عطايا، بل استثمارًا. يمثل هذا النهج التقدمي ذو التوجهات التجارية تحولًا ملحوظًا عن العلاقات السابقة.

قبل زيارة ابن سلمان، قاد الخبير السعودي الكبير محمد السلمي وفدًا يضم لأول مرة أكاديميين، وسفراء سابقين، وجنرالات، وسعوديين يتمتعون بخبرة نشطة فيما يتعلق بباكستان؛ مما أوحى بأن العلاقات الاستراتيجية ستحل محل العلاقات الشخصية.

كما كتب المحلل إبراهيم العثيمين عن هذا العام الماضي، قائلًا: «إن العلاقات الباكستانية – السعودية بدأت تتحرك تدريجيًا خارج المجال الشخصي وتأخذ طابعًا استراتيجيًا». وأحد الأسباب الرئيسة لهذه الدفعة الاستراتيجية هو دبلوماسية الدفاع التي يتبناها جاويد باجوا، كما يشير السلمي.

تغيير المعادلة

دق رفض باكستان في عام 2015 المشاركة في الصراع في اليمن، أجراس الإنذار في السعودية والإمارات. وقد ذهبت الإمارات إلى حد القول: إن باكستان ستدفع «ثمنًا باهظًا بسبب موقفها الغامض»، وقادت حملة إعلامية ضد باكستان عندما صوتت إسلام آباد لصالح تركيا لاستضافة معرض إكسبو 2020.

 

في السنوات التي سبقت تولي باجوا مهام منصبه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، اتجهت الإمارات نحو الهند، لدرجة أنها أرسلت جنودها للمشاركة في عرض عسكري هندي. كان المنطق في الإمارات والسعودية هو «نحن ندفع للباكستانيين، لذا يجب أن نحصل على المقابل». وهذا يعكس عقودًا من التبعية الباكستانية للحكام السعوديين، ويثبت قشل باكستان في وضع مصالح الدولة أولًا.

في عام 2015، قال مسؤولون سعوديون: «إن باكستان فشلت في توفير مبرر مناسب لقرارها في اليمن. بعد ذلك باشر باجوا مهمة دبلوماسية محمومة، موضحًا للرياض وأبوظبي أن باكستان على استعداد للمساعدة، ولكن لديها قيودًا استراتيجية».

وقال إنه في الوقت الذي ستساعد فيه باكستان دولتين خليجيتين في مجال الدفاع، فإنها لن تأخذ جانبًا في حرب الوكالة مع إيران أو الحصار الذي تفرضه الدولتان على قطر.

وتحت قيادة باجوا، شكر أمير قطر علانية الجيش الباكستاني لدعمه الجيش القطري ولعب دور إيجابي في القضايا الإقليمية. كان الأمير يتحدث بوضوح عن الحصار الذي تقوده السعودية، وكذلك التعاون الثنائي في محادثات السلام الأفغانية.

شريك استراتيجي وند

بالإضافة إلى توليه دور المعلّم للعديد من الجيوش الخليجية، أصبح باجوا أول قائد للجيش الباكستاني منذ عقود يقوم بزيارة رسمية لإيران، حيث دعا إلى إقامة علاقات دفاعية استراتيجية مع طهران. في الدوائر الدبلوماسية والعسكرية وراء الكواليس، ووفقًا لمصادري، قال باجوا إن محمد بن سلمان يحتاج إلى وقت، وأنه، باجوا، سيلعب دورًا في الحد من التوترات الخليجية.

لذا، بينما ركزت العناوين الرئيسة على استقبال عمران خان لابن سلمان، فإن الرجل الذي أعاد العلاقة بين باكستان والمملكة العربية السعودية – وباكستان والإمارات العربية المتحدة – كان باجوا. لقد جعل باكستان شريكًا استراتيجيًا وندًا، بدلًا عن كونها وكيلًا في صراع في الشرق الأوسط.

وحتى عندما هاجم السعوديون إيران من إسلام آباد، كانت رسالة باكستان هي التعاون مع طهران. تأخذ العلاقات الباكستانية – السعودية بعدًا استراتيجيًا، ولكن دون التخلي عن علاقات باكستان مع الدول الأخرى في المنطقة. على عكس الماضي، تنظر الرياض إلى باجوا وخان على أنهما ندّين بدلًا عن دميتين.