لست بصدد بحث مفهوم جديد هنا ولكن من الأسئلة المهمة التي يجب أن نتفكر بها ونجيب عليها كشعب، لماذا يقوم المواطن المسحوق الذي لم يعد يستطيع حتى بيع مجهوده الفكري و العضلي "بالتسحيج" أي تمجيد طبقة الفساد التي يعلم أنها ساهمت بوأد مستقبله وحولت بلده من وطن إلى شركة متعددة الجنسيات وزمرة متنفذين صادروا حقه بالعيش في كرامة وأمن إقتصادي وإجتماعي بعد تذويب هويته. كما أنه ماهي الخصائص النفسية التي تقمّصها أو قمّصته إياها الظروف ليكون هذا المواطن المسحوق بمكان التمجيد و التسحيج للطبقة الفاسدة وزمرتها من المتنفذين الذين سلبوه حقوقه الإنسانية الأساسية وإقتلاع سيادته على ثمن مجهوده الفكري والعضلي. وكيف لهذه الطبقة من المواطنين المسحوقين أن تقود ثورة إصلاح تُحرر المجتمع من براثن الفساد بعد أن تحولوا لشئ ما يمكن أن نطلق علية مصطلح (الفاسدون الفقراء).فهل الفاسدون الفقراء بتحالف تعايشي مع طبقة الفساد وزمرة المتنفذين؟ أم أن هناك شيئ أخر؟ ولماذا ضنك العيش و التضييق على الحريات يصنع طبقة من الفاسدين الفقراء القابلة للتجيير والإستغلال؟ علماً أن أبناء هذه الطبقة يعلمون أن طبقة الفساد وزمرتها من المتنفذين هي سبب تعاستهم و سلبهم حقوقهم بتستر أو تحالف أو حتى قِصر نظر من "قصر الحُكّم" الذي يعلم بأنه البيدق الأول للسقوط إذا لم يقوم بترويض زمرة المتنفذين جيداً. كما أن ما هي صفاتهم؟

 

جزء من الإجابة أظهرها التاريخ، فطبقة العمّال والفلاحين (الطبقة المسحوقة) هذه تحالفت مع البرجوازية الفرنسية التي قامت بتجيير المجهود العضلي و الفكري لهؤلاء المسحوقين لصالحها بواسطة التضييق على عيشهم وحرياتهم لتقوم بتقزم مفهوم النظرية الثورية لديهم لسقف التخلص من النبلاء و الأرستقراطيين. وهذا ما صنع الثورة الفرنسية التي إنقلب عليها "نابليون بونابرت" لتحكم بعدها الطبقة البرجوازية والعسكر وتحل محل النبلاء و الأرستقراطيين. فبحكم التاريخ أيضاً الفاسدون الفقراء الذين لم يكن لديهم نظرية ثورية بمعنى مبادئ متفق عليها  تصف مرحلة ما بعد الثورة ضد الفساد وزمرة المتنفذين كخطة قابلة للتنفيذ (الذين إعتمدوا ردات الفعل) على التخطيط، تحوّلوا إلى حصان طروادة للطبقة البرجوازية لتمتطي كرسي الحكم.

 

تكرر هذا لاحقاً بالعصر الحديث بثورة 25 يناير بمصر كما تكرر بشكل دموي عنيف أيضاً بسوريا وليبيا ومعالم هذا المشهد تتكرر الأن بالأردن إذا لم يستفق المواطن الأردني من غيبوبته كما أن هذا المشهد مطابق للمشهد الفلسطيني ولكن بسبب وجود الإحتلال ستتحول الثورة لإنتفاضة عميقة كلإنتفاضة الأولى و الثانية ضد الإحتلال.    

 

جزءاً آخر من الإجابة قدمه السيد "نيلز بيجيروت" المختص بعلم الجرائم والأمراض النفسية، الذي كان مستشاراً نفسياً لشرطة ستوكهولم، كما قام بتوضيحها و تعريفها بشكل أعمق"فرانك أوكبيرغ" الاختصاصي بعلم النفس، للمساعدة في التعامل مع حالات الرهائن. بعد أن ظهر مسمى (متلازمة ستوكهولم) لتوصيف مجموعة من الرهائن الذين تم إحتجازهم في بنك "كريديتبانكين" لمدة ستة أيام بقصد سرقته من مجموعة أشرار في آب عام 1973، وما حدث أن الرهائن تعاطفوا بل ودافعوا عن هذه العصابة بعد تحريرهم. فهذه الظاهرة النفسية هي عبارة عن تعاطف المعتدى عليه مع المعتديّ وتقبُل إساءته والدفاع عنه كآلية تعايش مع الألم أو الاضطهاد وهي إحدى الطرق للدفاع عن الذات بشكل غير مباشر عندما تكون الضحية تؤمن بنفس أفكار وقيم المعتدي، فعندها هذه التصرفات لن تعتبرها الضحية تهديداً، لهذا تُكنّ الضحية بالمشاعر الإيجابية تجاه المعتدي كما تدعم سلوكه مع عدم القدرة على إتخاذ أي قرار أو سلوك من شأنه التحرر أو فك الإرتباط بالمعتدي لأن الضحية في وضع تكون فيه مسلوبة الارادة ومغلوبة على أمرها وهدفها الحفاظ على حياتها وبقائها فقط.

 

 

فنستطيع أن نعتقد بكل ثقة أن فساد الشعب وخصوصاً الفاسدون الفقراء منهم بتطلعه للوصول لكينونة هذه الطبقة البرجوازية كغاية ودليل على النجاح صنع فاسدون فقراء يبيعون صوتهم بالانتخابات، و يقدمون رموز طبقة الفساد وزمرة المتنفذين إجتماعياً (بالجاهات و العطوات والمناسبات الإجتماعية) ليحصلون على تقدير إجتماعي بالمعية، كما يقبلون الرشوة كدليل على وجودهم بموقع مهم، كما أنهم يتماهون مع رموز طبقة الفساد وزمرة المتنفذين إلى أن يصطدمون بمصالحهم فيلجؤون لقصر الحكم ضدهم. وبسبب فساد مبادئ هذه الطبقة، نجدهم خاملون، منزوعين الروح الثورية التي يعتقدون أنها من الممكن أن تُفقدهم فتات ما يتماهون به مع رموز طبقة الفساد وزمرة المتنفذين من جهة وخوفاً من أن يخسروا تعاطف قصر الحكم من جهة أخرى.

 

فبسبب هذا التأرجح أو نستطيع أن نقول (النفاق الإجتماعي) تتميز هذه الطبقة بعدم الحَرَجْ ببذل ماء الوجه لقاء فُتات يُرمى لها كما تتحلى بثقافة القطيع حيث يموج مع المصلحة الشخصية دون المصلحة العامة لذلك نجده يُمجد العدو الذي يساعده بفتات ماله المسروق منه، ويقف مع أفكار الجهات التي تتصدق عليه بفتات مالها حتى لوكانت هذه الأفكار تدمر مجتمعه وأبنائه. ولهذا السبب نَفَر جزء من المجتمع من أجل خمسة دنانير ولم ينفر بسبب فواتير الكهرباء المشكوك بأمرها، ولم ينفر بسبب بند فرق الوقود بها كما لم يثر بسبب بيع المقدرات السيادية للدولة. فالثورة عند هذه الطبقة يجب أن تكون بلا أي تضحية خوفاً على فتات ما يجعلهم على قيد الحياة.

 

لذلك هذه الطبقة لا تستطيع المقاطعة بشكل فعال، كما هي غير قادرة على العصيان المدني وهي بكل تأكيد غير قادرة على التحشيد و جلب التأييد، فهي لا تقيس إلا بالميزان الذي يُضع لها من قبل الطبقة الأعلى منهم، وإن كان ميزاناً بكفة واحدة ليحققوا شرط (حماية الفتات) بلا أي تضحية ليحافظوا على توازن نفاقهم الإجتماعي بين قصر الحكم و رموز طبقة الفساد وزمرة المتنفذين. كما تتميز هذه الطبقة بالاستكثار من اللجوء للكوميديا السوداء التي تقوم بالتهكم على كل قرار سيئ حفاظاً على هذا التوازن. كما بإستغلال أشخاص و أحداث و مواقف تحدث بمكان آخر للتعبير عن حقيقة مشاعرهم تجاه الطبقات الأعلى منهم ليهربوا من العقاب (حماية الفتات) من جهة ويتوهمون بوجود كرامتهم بالكذب على الذات من جهة أخرى. لذلك يكونون شرسين جداً (بلا تهذيب) ولا يملّون بمهاجمة من يختلفون معه سياسياً أو مذهبياً من بلدان أخرى.

 

ولعل من أخطر ميزات هذه الطبقة من الناحية الأمنية، هي قبولهم بقوة خارجية لترجيح كًفتهم على الأطراف الأخرى (الثورة السورية والليبية مثالاً) ويتشاركون بهذا مع قصر الحكم و رموز طبقة الفساد وزمرة المتنفذين الأمر الذي يضطر صاحب الحكم على أثره بإستصناع مراكز قوى ومناصب لتفريغ هؤلاء من قوتهم وحد صعودهم بسقف المنصب للمحافظة على توازن القوى بالدولة وهذا ما يفسر الكم الهائل من الهيئات المستقلة ومراكز صنع القرار الغير مجدية التي لا تدر نفعاً على المواطن وهدفها فقط المحافظة على قوتهم أمام القوى الخارجية للحفاظ على الحكم. فالفاسدون الفقراء هم كحصان طروادة للطبقات الأعلى منهم، فإما أن يكونوا حصاناً لطبقة الفساد وزمرة المتنفذين ليُسقطوا بهم قصر الحكم أو يكونوا حصاناً لقصر الحكم ليُروضوا بهم زمرة المتنفذين للحفاظ على الحكم. ومن هنا نستطيع أن نعتقد بكل ثقة أيضاً أن الفاسدين الفقراء و طبقة الفساد وزمرة المتنفذين يتشاركون بمراوغتهم إتجاه الآخر كما يتشاركون بتيههم الوطني و إيمانهم بنفس الأفكار والقيم كما بحصتهم بتخريب الدولة.

 

فهم الأنشط والأكثر تفاعلاً، و الأعلى صوتاً لأن الحكم و طبقة الفساد وزمرة المتنفذين يتركون لهم مجالاً أوسع للتعبير، إستغلاً لهم وتجييراً لمجهودهم الفكري و العضلي وعلامتهم "التسحيج" وهم الأكثر تحمساً للثورة و الأجدر بالقبول بالمكارم على الحقوق، هم طبقة الفاسدون الفقراء الذين لا تقام بهم دولة ولا تنجح معهم ثورة وتكون دمائهم و كراماتهم ثمناً لمكتسبات غيرهم ويكونون سبباً بإضطهاد الشعب وتخريب الدولة وإنتقاص سيادتها.   

 

ختاماً: تطوّر التعبير عنّ الغضب بالشارع الأردني على مر العقود الماضية بنوع من التَدَرُجّ، فبعد أن كان الشارع يتهيب نقد مجلس النواب ، أصبح أكثر جرأة بالتعبير بسبب مخرجات سياسيات الدولة، و تناسبت حدة الغضبة تناسباً عكسيا، يتصاعد مع تقهقر الوضع الاقتصادي وقمع الحريات والأداء العام للدولة. فأصبح الشارع ينتقد النواب بالاسم، ثم الوزراء، فالوزراء بلاسم ثم الديوان الملكي فالملكة رانيا العبدالله بالاسم وما حدث خلال الأيام الماضية هو خروج الشارع بشكل غير مألوف مطالبين بإسقاط الحكومة ورئيس الوزراء بعد أيام من خروجهم لإسقاط مشروع ضريبة الدخل وذُكر أسم جلالة الملك عبدالله الثاني بأكثر من محفل وعلى طول جغرافيا البلاد بصفته المسؤول الأول و الأخير عن أداء الدولة.

و هذا الاستمرار بالنمطية الرسمية و التشدق بعدم التغيير و التَفَيّهُق بتبرير الأسباب سيؤدي إلى استمرار الاحتقان الشعبي الأردني وتصاعده بالمرحلة المقبلة. فمن الحكمة محاولة الدولة لإثبات جديتها بتغيير النهج الرسمي المضطرب سياًسيا واقتصادياً، ولكن لم نؤتى من هذه الحكمة إلا قليلا. فمازال الأمن الاجتماعي والاقتصادي في خطر ولا أعتقدُ، جازما – بقدرة الدولة الأن على حل أي مشكلة وخصوصا مشكلة الأمن الاقتصادي الذي بدوره يُشكل الركيزة الأساسية للأمن الاجتماعي و الأمن بمعناه المجرد. وعلية حل مشكلة الفاسدون الفقراء تأتي كأولوية وذلك بالتوعية الأخلاقية وتحفيزهم للحفاظ على كرامتهم والتحدث معهم بلين وتقدير لكسب ودهم فهذه الطبقة عندما تخسر كل شيئ تكون معول هدم يخسر به الجميع حتى طبقة الفساد وزمرة المتنفذين بعد إنهيار قصر الحكم لأن الأطراف الخارجية ستكون مستعدة لملء فراغ الحكم ومساعدة هؤلاء ضد طبقة الفساد وزمرة المتنفذين ويكونون سبباً بإستمرارية دوامة الإضطهاد الشعبي وتكون ثورة هؤلاء فساداً ودماراً في أولها، و أثنائها و ما بعدها.

 

 

المقال يعبّر عن وجهة نظر و رأي كاتبه