أصيبت القيادة الروسية على كل المستويات السياسية، ومعها الكثير من المراقبين والمتابعين والمهتمين بالشأن الفلسطيني والصراع العربي الإسرائيلي في روسيا الاتحادية بالصدمة، وانتابتهم مشاعر مختلطة بالحزن والأسى والضيق والألم، نتيجةً للصورة السلبية التي رسمها ممثلو القوى والتنظيمات الفلسطينية، الذين اجتمعوا في موسكو بدعوةٍ من مركز الاستشراق التابع لوزارة الخارجية الروسية، إلا أنهم لم يقدروا الجهود الروسية، ولم يعيروها الاهتمام اللائق بها، ولم يحترموا الضيافة الروسية والاستعدادات الرسمية الكبيرة التي قاموا بها لاستضافة الوفود الفلسطينية، وتوفير كل السبل الممكنة ووسائل الراحة اللازمة لضمان نجاح حوارهم، واتفاقهم على برنامج عملٍ مشتركٍ يخرجهم من الأزمة التي يعيشون فيها، وينتشلهم من دائرة الاختلاف والانقسام الذي شتت شملهم ومزق صفهم، وأضعف قوتهم، وأظهرهم في صورةٍ بائسةٍ محزنةٍ.  

لم يبالغ الروس في غضبهم، ولم يتظاهروا بالخروج عن طورهم، ولم يفتروا على الفلسطينيين المجتمعين في دارهم ويفتأتوا عليهم، فهم فعلاً قد تعرضوا للإهانة، وشعروا بأن صورتهم قد اهتزت وكرامتهم قد خدشت، فقد استخف الفلسطينيون بهم وبجهودهم وهم دولةٌ عظمى، لها وزنها وعندها دورها ولها تاريخها الكبير ونفوذها الواسع، وهي صادقة في دعمها للفلسطينيين وتأييدها لحقوقهم، إذ أعلنت للمجتمعين في بيتها أنها مع ما يتفقون عليه، ولن تقبل بأقل مما يريدون ولن توافق أبداً على ما يرفضون ويعارضون، ولكنها تريد منهم رأياً موحداً وإطاراً جامعاً يحفظهم ويوحدهم، كي يعزز جهودها في الدفاع عنهم، ويساعدها في تبني مواقفهم ومساندتهم في نضالهم العادل وسعيهم المشروع لنيل حريتهم واستعادة أرضهم وبناء دولتهم المستقلة.

عبَّر بعض الروس بصورةٍ غير رسميةٍ عن غضبهم من الوفود الفلسطينية التي فشلت في الاتفاق، وتعمدت الاستهتار بالجهود الروسية والاستخفاف بها، برغبته في أن يحتجز المشاركين جميعاً في بقعةٍ نائيةٍ في سيبيريا، وسط البرد والثلج والصقيع، فلا يقدم لهم أحدٌ عوناً، ولا يخف لمساعدتهم أحد، حتى يجدوا لأنفسهم حلاً، ويضطرون للتوافق فيما بينهم، وتجاوز مشاكلهم للنجاة بأنفسهم والخروج من مأزقهم، وقد لاقت هذه الرغبة الغاضبة استحساناً من كثيرٍ من العرب والفلسطينيين فضلاً عن الروس أنفسهم.

بعيداً عن الاختلافات الداخلية التي تعصف بالأطراف الفلسطينية، وبغض النظر عن ضخامتها وجسامتها، وأنها أصعب من أن تحل في جلسةٍ واحدةٍ أو لقاءٍ يتيمٍ، أو تذوب وتتلاشى بمساعي وسيطٍ أو جهودِ راعي، فالخلافات مستعصية، والمواقف متشنجة، والنفوس حانقة، والتراكمات كثيرة، والتدخلات الخارجية كبيرة، والاعتراض على الاتفاق متعدد الأطراف، إلا أن هذا الواقع لا يبرر الفضيحة التي وقعت في موسكو، ولا يجيز نشر "الأوساخ" الفلسطينية على الحبال أمام العامة والخاصة، فقد أضر ما حدث بالصورة الفلسطينية، وزاد في تشويه قضيتهم وتلويث سمعتهم، وقد كان حرياً بالفرقاء الفلسطينيين أن يحترموا الضيافة الروسية، وأن يقدروا جهودهم، ويشكروا لهم مبادرتهم، وأن يردوا عليهم التحية بأفضل منها، شكراً وعرفاناً، وتقديراً وامتناناً.

ألا يحق لنا أن نتساءل لماذا .....

الدكتور مصطفى اللداوي

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه