هناك في بيته الأول في نقابة الممثلين في الأشرفية يجلس الفن الجميل منسياً ،يستعيد ما قدمه في رحلة عابرة  للأجيال.  بعيداً عن  أضواء الفن المبتذل و الممل . وفي مكانٍ تشع أضواء الشهرة من اسمه، أصبح يجلس الممثلون الكبار في الظل. يتخذ  من هذا المكان الإستمرارية لحياته الفنية، فيذهب من الساعة العاشرة صباحاً حتى الثانية عشر ظهراً  و يجتمع بأصدقاء جيله، حيث عُيّن أميناً لصندوق النقابة. 
قِلة من يعرفون صلاح الدين محمد أمين تيزاني، والبقية يعرفونه فقط ب "أبو سليم". الممثل اللبناني التسعيني الذي  يحمل في طيات عمره نصف قرن من الفن والتمثيل والمونولوج  وكتابة المسرحيات و المسلسلات التلفزيونية. 

يقول صلاح تيزاني الملقب بأبو سليم، بعد ان اتخذ منه لقباً يرافقه طيلة حياته، انهما شخصية واحدة، لم يفرقهما سوى الإسم في بطاقة الهوية، فصلاح هو هبة من والديه أما أبو سليم  فهو تكريم لحياته الفنية.  يتحدث أبو سليم عن سبب تسمية مسلسل ابو سليم الكوميدي كميراثٍ له، و يعتز بتلك الحقبة، يذكر انهم إختاروا ذلك الإسم لأن تلك الأسماء كانت رائجة حينها، يقصد بذلك  مسلسلات ال "أبو"، من أبو ملحم إلى أبو عبد البيروتي وغيرها، التي كانت تجذب المشاهدين، هذا ما شجعه لإختيار ال "أبو"، أما سليم فقال صلاح تيزاني أنه كان يحرص على الإبتعاد عن أي إسم يحمل طابعاً  دينياً او مناطقياً، وكان دائماً يتجنب إثارة  النعرات كالتي تسببها بعض الأعمال التلفزيونية اليوم. و يكمل  الأستاذ صلاح الحديث قائلاً : "الفرق بيني وبين أبو سليم  انه شخصية تمثيلية، وعندما يمثل الممثل لا يُعد ذلك تمثيلاً، يفشل الممثل حين يمثل،فعلى الممثل أن يعيش الشخصية و أن تتقمصه ."و ينتقد تيزاني  الفن الحالي و يبحث في الجيل الجديد عن تشارلي تشابلن الذي اتخذه قدوة له منذ بداية مسيرته، فيخيب أمله، فبرأيه أصبحت الكوميديا اليوم مبتذلة و مخيبة ومنحدرة ، و أصبح الكُتّاب يكثرون من الكلمات البذيئة و الجنس لجذب المشاهدين. 
" قديماً كل هذا كان ممنوعاً" يقول أبو سليم ، ثم يكمل "حتى استخدام كلمة "ولاك" في النص، و كان الأمن العام يدقق كثيراً"، ويروي ابو سليم ما  حدث في إحدى الحلقات عندما قال  لفهمان "العمى"  فإستدعاه ضابط الأمن العام ووجه له إنذاراً  وإلا توقف العرض،  "فأين نحن من "العمى" في ما يعرض اليوم". يقول تيزاني ساخطاً. 

لم يتطرق أبو سليم خلال مسيرته للعب أي دور يخدش الإنسانية او الحياء ، على غرار صناع الكوميدية اليوم الذين وصلت بهم طموحاتهم إلى استخدام صفات ذوي الإحتياجات الخاصة كمادة دسمة لتدعيم نصهم  فينجحون مع الأسف. ورغم القيود التي لازمت مسيرته الفنية إلا أنه نجح في إضحاك الناس ، "فيمكنك إضحاك الناس إن كنت موهوباً"،يستكمل حديثه واثقاً. 

واثق الخطى يمشي ملكاً
يتحدث أبو سليم عن مسيرته متفاخراً، بنقاء سجله. كان متميزاً، غير تقليدي، على عكس ما شهده اليوم من ممثلين مبتذلين و متكررين. لا يجد أبو سليم في الفن اليوم ما يشد انتباهه، نادراً ما يتابع عملاً لبنانياً، وإذا أراد ذلك فيكفي ان يشاهد الحلقتين الأولى و الأخيرة، " هكذا نعرف القصة كاملة، الكتابة صعبة، ليس كل من كتب بكاتب، عليك ان تقرأ كتاباً كي تكتب سطراً ". و ينتقد كلوديا مارشليان تحديداً قائلاً :" بتجيب فيلم مدته ساعتين و بتمغطوا خمسين حلقة "،  يضحك معاتباً، كأن في ذلك إهانةً لزمنه الجميل. 

َو عن المواضيع التي يتناولها الفن اليوم، بدا أبو سليم قلقاً جداً، من تدهور العلاقات الأسرية و إدخال العادات السيئة إلى مجتمعنا عبر شباك التذاكر، فبنظره على العمل أن ينقل واقع بيئته، رغم إختلاف العادات و التقاليد في لبنان، فهناك تركيز على فئات معينة دون غيرها، و هذا يعتبر تهميشاً بنظره. 


إعتمد صلاح تيزاني و زملاؤه نقد المجتمع و تسليط الضوء على مشاكله بحبكة كوميدية و " شر البلية ما يضحك". و حتى  الحرب الأهلية لم تكن عائقاً أمام عروضهم. كان الهدف حينها تخفيف حدة الحقد بين الأديان الذي صنعته السياسة. البعض ينكر انهم  استمروا في الحرب لكن من كان يشاهد التلفاز حينها يعرف مدى صدق كلامه، وهذا ما أكده أبو سليم. 

لا يخاف أبو سليم من تقدم سنه ، و إن كان يعتبر "الكبَر"  يقلل من طموح الإنسان، فعندما يكبر الإنسان، يصبح مرهِقاً السعي وراء الأحلام، "العمر إلو حقو"، لم يتوقف طموح أبو سليم توقفت "الهمة" فقط، و لطالما تمنى أن يعطي المزيد و مع ذلك بعض الأعمال أصبح عجوزاً أمامها، و عاجزاً عن القيام بها. 


والشهرة التي يعتبرها البعض سيف ذو حدّين، لم تري أبو سليم سوى الجانب السليم منها، فهي لم تضره يوماً، على غرار ذلك،   فقد وهبته حب الناس له و لفنّه، وهذا كافياً بالنسبة له، رغم أنه لم يحصد منها ميراثاً  و لا ثروة.  يبدو هذا غريباً لمن أمضى نصف قرن  في  الأضواء والشهرة.  يوضح تيزاني  أن الأجر  الذي كان يتلقاه قديماً متدني جداً  ولم يكن كافياً و يكشف أن أكبر مبلغ حصل عليه خلال مسيرته الفنية لم يتجاوز الألفين دولار. و تلك المبالغ الضئيلة كان قد أنفقها في طريقه من بيروت إلى  مسقط رأسه في طرابلس ودواليك، ما دفعه لإفتتاح  الكاليري الخاص به علّه يكتسب  مدخولاً إضافياً. 
لم يكن ينتظر من الفن ثروةً، كان مستعد دائماً أن يعطيه بلا مقابل، و يرى أن الإسم الذي صنعه يوازي كل أموال الدنيا. يصف  تيزاني الممثل  بكوب الماء الممتلئ كلما أدى دوراً إنتقص الكوب، وهذا الكوب لن يدوم إلى الأبد، سيشُح ذات يوم، فمن يقسو على شبابه تقسو عليه شيخوخته. 

يعيش الممثل القدير صلاح تيزاني في منزلٍ للإيجار يحتضن أكثر من مائتي درعاً تكريمياً ، وحياة بسيطة، بسيطة  حد الفقر، فخورأَ  بأبنائه الناجحين و المثقفين، وقلةٍ من للأصدقاء كشكري وصهره أسعد الذي تحدث عن مرضه بأسف . 
يرفض أبو سليم مغادرة وطنه واصفاً نفسه بشجرة كلما مضى دهراً إزدادت شموخاً وتمسكاً بجذورها و تراب أجدادها. 
وإن سألته إذا كان سعيداً اليوم، فيحكي لك قصة القاضي و قميص السعادة،و يكمل:" السعادة في العطاء و ليس في المال، عليك أن تعطي ذلك القميص الذي يرقد في خزانتك لمن يحتاجه اكثر منك، فيجازيك الله بقميص من السعادة و الرضا، السعادة في العطاء، في العطاء فقط."