عام 2281 ق.م، قبل4300 عاماً من الآن، خرج  المصريون القدامى إلى ميادين مصر في ثورة شعبية عارمة ،سميت بثورة “ الجياع”، منددين بحكم الملك الضعيف “بيبي الثاني” آخر ملوك الأسرة السادسة، وهم يرفعون شعاراتهم “تسقط المحاكم، تسقط المعابد، الأرض لمن يزرعها، الحرفة لمن يحترفها والكل سواء ". كانت تلك اول ثورة عرفتها البشرية، ولم تكن الأخيرة. اندلعت ثوراتٌ عدة في مختلف أقباع الأرض على مر العصور . كان الثابت فيها سعي الإنسان الدائم  للإستفادة من تطورات عصره و تقدمه- لإيصال رسالة ما يرونه الحق و الدعوة للتحرك ضد القمع والظلم - وآخرها وسائل التكنولوجيا الحديثة  و ما تقدمه من تسهيلات وميزات  حولت العالم إلى قرية واحدة.

\r\n\r\n

فمنذ اختراع الإنترنت، تأثرت به المجتمعات في كافة الأصعدة، حتى طال الثورات الشعبية. لوحة مفاتيح و شاشة و إنترنت، سمحت للمستخدم  بأن يتواصل مع الجزء الآخر من الأرض عبر مواقع التواصل الاجتماعي ، اكتسب خلالها عادات جديدة أثرت على نمط حياته وتقاليده، فسعى للتغيير و التجديد والتمثل بالآخر المختلف . وإلى جانب ما اكتسبه من لغاتٍ وثقافاتٍ وعاداتٍ جديدة , استطاع عبر تلك المواقع أن يفقه حرية التعبير التي حرم منها  البعض واقعياً، فصار يعبر عن رأيه  من خلف الشاشة،  ينتقد الأنظمة و يشعل الرأي العام، حتى أصبح  يشغل مكان الصحافة، فبعد أن كان يلعب دور المتلقي فقط، أمام شاشات التلفزيون والراديو والجرائد، صار يشارك ويحاور ويصنع الخبر عبر منصاته الشخصية .  و رأى في مواقع التواصل الاجتماعي المتنفس الوحيد، - الآمن نسبياً-للتعبير عن آرائه-ولو بإسمٍ مستعار -  حتى لا يتعرض له أحد.  
\r\nبرز  تأثير الإعلام البديل في الشرق الأوسط مع اندلاع ثورة تونس في ١٧ كانون١ عام ٢٠١٠، وما تبعها من ثورات ما سمي بالربيع العربي، التي امتدت إلى مختلف الدول العربية، وكانت  أبرزها تونس  ومصر وليبيا واليمن وسوريا ،  والتي كان لمواقع التواصل فيها دوراً بارزاً في انتشار أخبار الثورة والتفاعل معها، وانتشار المدونين والنشطاء. 
\r\nوفي وقتٍ كانت فيه  بعض وسائل الإعلام خاضعة للأنظمة، اتخذ النشطاء من صفحاتهم الشخصية منصات إعلامية حرة للنقل للعالم الخارجي  ما يجري في بلادهم. 
\r\nإضافةً إلى ما تقدمه بعض خصائص  التطبيقات الذكية في دعم الثورات و التحركات الشعبية،عبر إنشاء صفحات خاصة حول أي فكرة او event يُحدد فيها اهداف الحراك ومطالبه وتاريخ ومكان انطلاقه , وعلى الرغم من عدم وضوح هوية المنظم إلى انها في اكثر الأحيان تستقطب عدداً هائل من المتابعين، الذين قد يجدون في تلك الصفحات قائد حراكٍ، يرشد المتابعين ويحذرهم ويحفزهم ويثير روح الثورة فيهم.  كما أن نشر الصور ومقاطع فيديو، وفضح فساد الأنظمة، والتي تحصد ردود أفعال وتعليقات، ساهمت بنقل محور النقاش من العالم الإفتراضي إلى أرض الواقع، وتأجيج الجماهير وتعبئتهم.
\r\nورغم النجاحات الملموسة التي حققتها الثورات الشعبية الملتحمة مع الإلكترونية منها، والتي نجحت في إسقاط الأنظمة في بعض الدول وانتصار الشعوب ،إلا أن قمع الأنظمة بات يخترق الشبكات العنكبوتية عبر مراقبة الناشطين وترهيبهم  واعتقالهم ناهيك عن الحكم عليهم بالسجن، وقد وصل بعضهم إلى الحكم بالمؤبد، كما يحدث مع معتقلي الرأي في السعودية، ومنهم إسراء الغمغام، الناشطة الحقوقية التي شغلت قضيتها الرأي العام  والجمعيات الحقوقية الدولية ، والمتهمة برفع شعارات مناهضة للحكومة للتأثير في الرأي العام، ونشر صور المسيرات التي كانت تصورها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والعمل على تشجيع المتظاهرين آنذاك. وإسراء معتقلة وزوجها موسى الهاشم منذ كانون الأول 2015 في سجن الدمام ، في عملية مداهمة مفاجئة،وقد طلب المدعي العام  إعدامهما بالسيف، إلا أن الحكم النهائي لم يصدر بعد، علماً ان المملكة السعودية تنتهج تنفيذ أحكام الإعدام بشكلٍ سرّيٍ غالباً. 

\r\n\r\n

فإن نجاح تلك الشبكات في التأثير على العقول وتنمية الوعي السياسي والإجتماعي لدى المستخدمين بشكلٍ سلبي كان ام إيجابي،بات  أمراً يثير إمتعاض العديد من الدول خاصة في السنوات الأخيرة، وفد قرر عدداً كبيراً من الدول  حجب مواقع التواصل بشكل دائم أو مؤقت، لأسباب مختلفة، بعضها فعل ذلك من أجل منع تأثير الشركات الأمريكية على عقول مواطنيها، والبعض الآخر اتخذ من الحجب وسيلة لإنهاء المظاهرات والحركات الشعبية أو تحسباً لإندلاعها.  

\r\n\r\n

ويحدث حالياً في السودان، تحركات شعبية تطالب بإسقاط نظام الرئيس عمر البشير، والتي انطلق جزءاً منها من وسائل التواصل ما دفع الحكومة السودانية إلى فرض الحظر على وسائل التواصل, إلا أن الشعب لجأ لإستخدام الvpn, التطبيق الذي يساعد على فك الحظر عن بعض المواقع كفايسبوك وتويتر. وفي السياق نفسه تندلع مؤخراً احتجاجات أسبوعية في كل من الأردن وتونس، احتجاجاً على تردي الأوضاع الإقتصادية وارتفاع نسبة البطالة فيهما. 
\r\nإضافةً لما شهده لبنان منذ أسابيع  في أحد السترات الصفراء اللبنانية في ٢٣ ديسمبر ٢٠١٨ إسوةً  بتلك التي يجريها شعب الشانزلزيه أسبوعياً احتجاجاً على ارتفاع سعر الوقود ، فيما دعا مجموعة من الناشطين اللبنانيين لحراك شعبي تنديداً بتردي الوضع الإقتصادي و تأخر تشكيل الحكومة والمطالبة بضمانات عدة، و أرفقت الدعوة بوسم #أنا_نازل على وسائل التواصل الاجتماعي منها تويتر وفيسبوك ودعوات عبر الواتسآب كما وُحدت الصور التعريفية باستخدام صورة سترة صفراء تحمل أرزة لبنان - وهذا إسلوب يتبعه الناشطون للدلالة على انهم شخص واحد في الفضاء الإفتراضي - حيث تفاعل الناشطون والمغردون،  وحضر عددٌ كبير منهم في تظاهرة حاشدة  أمام السرايا الحكومية في وسط بيروت. 
\r\nمنذ أن أنشأ راندي كونرادز أول غرفة محادثات في ١٩٩٥، وُضع الحجر الأساس للإنطلاق نحو فضاء إفتراضي لا يستهان به، كان نقمة ونعمة في آنٍ واحد، ويستمر مع التغيرات التي يستحدثها علماء التكنولوجيا بين لحظة وأخرى. إلتحمت خلالها الثورات الشعبية بالإفتراضية منها، فمن يصنع من؟

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه