اغفروا لي أنني أكتب كل كلمة الآن وانا لاأستطيع ان امنعكم من الابتسام لأن الكلمات التي ستنظرون اليها وجها لوجه لها وجه ساخر .. وتلبس ثياب المهرجين .. وربما يكون بعضكم في مزاج لا يحتمل ان ينظر في وجوه كلمات مبتسمة وهو يعاني من انقطاع الكهرباء ومن شح مواد التدفئة ومن غلاء الاسعار .. ولكني حاولت ان ادعو الكلمات الرصينة الى هذا المقال ووجهت الدعوة الى كلمات عابسة ومتجهمة او ذات وجوه بلا ملامح فلم افلح .. ولبت دعوتي فقط كل الكلمات الضاحكة .. وسبب هذا الجو المرح هو انني ذكرت ان اميريكا ستترك قوة رمزية لحفظ السلام في سورية مكونة من 200 جندي فقط .. اي ان اميريكا ستترك مخفرا من المخافر السياحية .. او ربما سيكون الجنود هم عمال لمطعم ماكدونالد امريكي .. وهذا تغير دراماتيكي في عقيدة البنتاغون والجيش الامريكي وهيبة المارينز ..

أميريكا التي تنشر مئات آلاف الجنود في قواعدها في العالم وعدد موظفي سفارتها في بغداد يبلغ فقط 15000 موظف قررت ان تترك 200 جندي في كل سورية .. 200 جندي فقط؟؟ .. اميريكا التي تتصرف وكأنها الله على الارض لأنها نهر الدولارات وبحر من المارينز التي سحقت المانية النازية وكسرت الاتحاد السوفييتي وابتلعت العراق كما تبتلع افعى اناكوندا عصفورا صغيرا .. ووصلت بوارجها واساطيلها الى قرب السواحل السورية استعدادا لانزال عظيم ظننا انه سيتفوق على انزال النورماندي .. اكتفت ان تفتتح مطعم ماكدونالد في شرق سورية يديره 200 عسكري ..

وأخشى ان يكون الرقم الحقيقي هو 20 جندي فقط وهو عدد الجنود الذين يحتاجهم البنتاغون لاحتلال امارة قطر العظمى التي عجز الحصار السعودي الاماراتي عن اسقاطها وهي الان تقاوم الحصار مثل طروادة وفيها هيكطور بن حمد يتحدى اخيليس واغاممنون السعودي ..

وقد يكون الخطأ في الرقم الذي كان 2000 وسقط الصفر سهوا لأنه حدث خطأ في كتابة التقرير كما قال السادات وهو يهدئ قلق القيادة السورية في حرب اوكتوبر حيث بلغ عدد غارات اسرائيل على القناة في اليوم الرابع 25 غارة مقابل 1000 غارة على الجولان وكأن اسرائيل مطمئنة ان الجيش المصري قرر التوقف .. فقال السادات للسوريين القلقين انه خطأ مطبعي حيث سقط رقم الصفر لأن عدد الغارات هو 250 .. وتبين فيما بعد ان السادات كان يكذب وانه يهدئ من شكوك السوريين لأنه كان قد اتفق مع كيسنجر على خطة السلام وفض الاشتباك سلفا وهذا ماطمأن الاسرائيليين لنقل كل الضغط نحو جبهة الشمال لأن الجنوب خرج من المعركة ..

اظن ان رقم 200 جندي هو اجمل دعابة سمعتها في حياتي لأن خناقة واحدة في (حارة كل مين ايدو الو) التي يدير صراعاتها غوار الطوشة ويتدخل فيها مخفر بدري ابو كلبشة تحتاج الى 200 عنصر من الشرطة .. ولكن لماذا يترك الاميريكيون 200 فقط؟؟ وماذا سيفعل 200 جندي في الشرق السوري .. الا اذا كان ترامب يظن ان وجود عسكريين امريكيين سيخيف السوريين وحلفاءهم ويجعلهم ينتظرون اغلاق مطعم الماكدونالد الجديد ..

الحقيقة انني لااعرف ماذا يقصد الاميريكيون من تحديد الرقم 200 لأنه قد يعني ان الوجود الامريكي سيستمر دون تغيير او انسحاب ولكن ذكر رقم 200 عسكري سيعني للامريكيين العاديين ان ترامب وفى بوعده بالانسحاب وان مابقي من جنود هو رقم لايذكر في حين ان على الارض لايزال 2000 عسكري .. وقد يعني الرقم 200 ان الامريكيين يريدون ان يدخل الاتراك الى الشرق السوري تحت مظلتهم ومظلة العلم الامريكي للسيطرة دون ان يمسوا بالاكراد الذين سيجردون من السلاح ويكون الجنود الامريكان هم ضمانة للاكراد من ان الجيش التركي لن يقدم على ارتكاب مجازر بحقهم .. وهذا ان صح فانه يعني ان الاكراد هم أكثر ساسة مغفلين في العالم وهم سيسلمون القرى الكردية لعملية تهجير وتغيير عبر تصفية وابادة صامتة لن يقبل الجيش التركي باقل منها لالغاء اي احتمال لتحرك كردي في المستقبل في تلك المنطقة .. ويستطيع الاتراك ان يلقوا باللائمة في اية مجازر على القوى المسلحة السورية التي يرعونها ومنها جبهة النصرة التي ستقوم بكل ماتأمرها المخابرات التركية بفعله وتكون بذلك يد تركيا نظيفة من اية دماء كردية لأن اللوم سيلقى على المسلحين .. وابقاء 200 عسكري امريكي هو عدد قليل ربما يدل على ان الامريكان لايمانعون في ان يقدموا هدية للاتراك هي رأس الانفصاليين الاكراد مقابل ان تبتعد تركيا عن روسيا وايران في سورية وتخلط الاوراق في الشمال السوري .. وتشغل سورية وحلفاءها في تأزيم معركة ادلب وتعقيدها .. وغالب الظن ان ابقاء 200 عسكري هو طعم للاكراد ليقبلوا بهم كغطاء رقيق بديل عن الغطاء الاممي الضامن لهم والذي لايستطيع الامريكيون تأمينه في ظل الرفض الروسي .. وسيظن الانفصاليون الاكراد ان هذا الحل هو وسط فهم لايعودون الى الدولة السورية ولاتستطيع تركيا ايذاءهم لأنهم تحت مظلة اميريكا ووجود 200 من المراقبين الذين يسمون (قوات حفظ سلام بين تركيا والاكراد) .. وفي حال قيام تركيا بعملية تصفية للمقاتلين الكرد فان ذريعة الامريكان ستكون انهم فوجئوا وانه كان من الخطأ ترك 200 عسكري فقط لانهم لايقدرون على الاشراف على كل النشاط الامني وهذا ما استغله الاتراك .. وهذا التفاهم ان تم فسيدل على ان من يمثل الاكراد هم أطفال واقل من مراهقين لأن الامريكيين يتنصلون من اي ضمانة بل اسلوبهم في التخلي عن حلفائهم والمحتمين بهم هو ان يقدموا ضمانات .. فنحن نعلم ان الاميريكيين وعبر فيليب حبيب في الثمانينات أشرفوا على اتفاق سحب المقاتلين الفلسطينيين من بيروت وتسفيرهم خارج لبنان وابقاء امن المخيمات الفلسطينية تحت ضمانة اميريكا .. وبعد أيام دفع الفلسطينيون ثمن ثقتهم بالضامن الامريكي وتعهداته عبر اكبر مجرزة في تاريخهم وهي مجزرة صبرا وشاتيلا وراح ضحيتها آلاف الفلسطينيين .. وما فعلته اسرائيل ستفعله تركيا بحذافيره .. فاسرائيل لم ترتكب المجازر ولكنها رسمت الخطة وحاصرت المخيمات ثم أطلقت حلفاءها اللبنانيين من القوات اللبنانية التي ارتكبت المجزرة .. وقال شارون يومها تصريحه الشهير (انهم مسيحيون عرب .. قتلوا مسلمين عرب) .. واذا ماأفلت اردوغان كلابه من المسلحين السوريين الاسلاميين ضد المناطق الكردية فانه سيقول في حال اعمال عنف ومجازر (انهم سوريون عرب قتلوا سوريين اكراد) ..

اميريكا لايجب الوثوق بأي ضمانات منها .. وهي التي قدمت ضمانات للمسلمين في البوسنة والهرسك انها ستحميهم بقوات حفظ سلام فاذا بها تتركهم لمذبحة سريبرينيتسا الشهيرة حين وقف جنود الامم المتحدة لحفظ السلام يراقبون المجزرة وبعضهم سلم سلاحه وترك المنطقة للمذبحة .. والغرب كله عموما معروف انه لايحفظ عهدا سياسيا .. ونذكر كيف ان أحمد سعدات الفلسطيني قائد الجبهة الشعبية كان موجودا في سجن ترعاه قوة اوروبية بعد اتفاق على اعتقاله دون تدخل اسرائيل .. وبعد فترة ترك الجنود الاوروبيون الجيش الاسرائيلي يقتحم السجن وتم تسليم سعدات للسجانين الاسرائيليين ولم تتنطح اوروبة للاحتجاج واسترداد السجين (الاوروبي) ..

البعض على يقين ان اردوغان يحاول ان يطبخ شيئا مع الاميريكيين للشرق السوري دون ان يستفز الروس .. لأن اردوغان يريد ان يقدم نفسه بطلا حمى الجمهورية التركية من خطر التقسيم الكردي الذي هو كابوس تركيا الأكبر .. وهذا في تصور اردوغان لايتم بعد اليوم الا بتوجيه ضربة قاسية للاكراد في سورية لاتقوم لهم قائمة بعدها وهذه الضربة لاتؤمنها عودة الجيش السوري الذي سيعامل الاكراد الانفصاليين كما عامل الارهابيين الاسلاميين بالعفو والمصالحات .. ولكن الاتراك المسكونين بهاجس الحلم الكردي لايؤمنون بهذا الاسلوب ويؤمنون بالاجتثاث الشامل عسكريا وعبر زرع مجموعات سكانية جديدة تشتت التواصل الكردي وهذا الزرع السكاني سيتم من خزان اللاجئين السوريين في تركيا الذين ستقول تركيا لهم انهم يجب ان يعودوا الى سورية الشرقية ولاخطر عليهم لأنهم في منطقة حماية تركية امريكية .. الاتراك يريدون اجتثاث اي امل كردي في الشرق السوري لأن هجوع الحركة الكردية الانفصالية على حدودهم دون قتلها سيكون مؤقتا .. بل ان فلسفتهم قائمة فيها على عقلية تقول ان اجتثاث الانفصال الكردي في تركيا يبدأ من اجتثاثه من سورية .. لأن موت الحركة الكردية في سورية سيقتل الحركة الكردية في جنوب وشرق تركيا ولزمن طويل ..

ومن هنا نلاحظ أن لقاء سوتشي الثلاثي بين اردوغان وروحاني وبوتين لم يقدم جديدا .. وظن اردوغان انه حصل على تبريد جديد للمعركة الادلبية ريثما يدبر مساومات مع الأمريكيين .. ولكنه فوجئ جدا بخطاب الاسد بعد يومين من لقاء سوتشي وهو الذي كان يظن ان الاسد لن يهاجمه لأنه ان هاجمه فانه يعني ان الاسد صار على خلاف مع حليفيه الروسي والايراني اللذين امتدحا الموقف التركي الى حد ما في المؤتمر الصحفي وعاملاه بليونة .. ولكن صدمته من خطاب الاسد كان مردها انه فهم مالم يقله بوتين وروحاني في المؤتمر والمباحثات .. وقال له مستشاروه ان البيان الحقيقي للقاء سوتشي هو الذي ألقاه الأسد .. وماسمعه العالم من الاسد هو رأي بوتين وروحاني والقاه الاسد بالنيابة عنهما وبالاتفاق معهما وهو رأيهما بأن اردوغان "أجير صغير" وهو تحذير روسي ايرني من ان تحركاته واتصالاته مع الامريكان مفهومة ومتابعة ولن يقدر على المراوغة رغم غطاء المجاملات في سوتشي .. وبدا في تصريحات الاسد والمسؤولين السوريين تباعا تأكيد على ان ادلب لن تنتظر طويلا .. وهذا ماقرره بوتين وروحاني والاسد عقب لقاء سوتشي مباشرة .. وخاصة ان الروس سمعوا اقتراحا تركيا لتوطين الدواعش الاوربيين في ادلب وهو يعني ان اردوغان يراهن على امر ما مع الامريكان لمقايصة ادلب بالشرق السوري اي ان يترك له الشرق السوري ويترك هو في ادلب كحارس للقمامة .. فهو يقدم لهم خدمة يريد مقابلها في الشرق او في ادلب ذاتها التي يريد تحويلها الى مكب نفايات الارهاب العالمي ويصبح اردوغان هو حارس هذه المزبلة بموافقة اوروبية ودولية لانه سيخلص اوروبا من مئات من القنابل الموقوتة بتحويل ادلب الى محمية طبيعية للارهابيين باشرافه .. وطبعا يطلقهم متى شاء وفي اي اتجاه .. وحتى باتجاه حميميم ..

الغريب ان بعض الامريكيين لايزالون يظنون انهم بافتتاح مطعم ماكدونالد ب 200 جندي في الشرق السوري يمكنهم ان يسيطروا على مسار الحرب السورية .. بتغيير دور تركيا والاكراد .. ولكن ينتشر يقين على نطاق واسع أن نيسان هو شهر فاصل بشأن مسار الحرب .. وان الطبخة الامريكية والمرق لن تجد من يوقد لها النار .. فالقدر الامريكية فيها مخططات كثيرة ووقودها وحطبها اكراد واتراك وفيها بهارات لوجود عسكري امريكي خفيف .. ولكن حذاء الجيش السوري وأحذية حلفائه ستركل القدر الامريكية وتقلبها بمافيها من مرق بارد على الحطب التركي والكردي .. وهذا مايخشاه الامريكيون وسيضطرون للانسحاب .. لأنه سيكون من الخطير جدا ان يظن الامريكان ان مطعم ماكدونالد الامريكي في الشرق السوري سيبقى على حاله .. فالامريكيون يعرفون ان المطعم الامريكي يحيط به نصف مليون مقاتل من أشرس المقاتلين وأصلبهم على الارض هم مقاتلو الجيش السوري وحلفائه وهم الخبراء باقتلاع مطاعم المكدونالد .. فعندما حاول بوش تحويل العراق كله الى مطاعم مكدونالد .. أكل العراقيون لحم الجيش الامريكي بدل السمك المسقوف الشهير في نهر دجلة .. وقد جرب رونالد ريغان في الثمانينات ان يفتتح مطعم ماكدونالد في بيروت ببضع مئات من الجنود فعاد بـ 243 نعشا في يوم واحد .. فكيف سيكون الامر مع 200 عسكري ؟؟ واذا اراد الامريكيون الدفع باردوغان ليغامر ينفسه .. فان العالم سيكون مدعوا ليرى كيف سيؤكل لحم الجيش التركي وطيور البط العثمانية .. التي سنصطادها .. ونشويها وتصل رائحة الشواء الى اوروبة والى قبر اتاتورك وقبور سلاطين بني عثمان .. وستصل الرائحة الى خياشيم السلطان سليم في قبره وهو صاحب مرج دابق الذي سيتقلب في قبره حزنا على طيور البط الانكشارية ..

 

المقال يعبّر عن وجهة نظر و رأي كاتبه