أجزم أن جزء هاماً من إعلامنا في “حلف المقاومة” لم يكن مطّلعاً على القسم الأكبر من إنجازات الحلف الأمنية أو العسكرية أو السياسية، والتي كانت قد أُنجزت خلال السنوات الماضية، وأنّ قسماً من هذا الجسم الاعلامي لم يكن منخرطاً انخراطا حقيقيّا في تفاصيل هذه الانجازات، وبالتالي فهو لم يكن قادراً على إدراك طبيعتها، بمعنى آخر لم يكن قادراً على التقاطها وتدويرها وفهمها لوضعها في سياقاتها الطبيعية التي يجب أن تكون فيها وعليها، كي يتمّ صرفها في الوعي الجمعي لدى جمهور المقاومة، خاصة وأنّ “الحلف” يدافع أخيراً عن جمهور وعن مشروع جمهور جامع، إن كان هذا الانجاز عسكريّاً أو سياسيّاً أو اقتصاديّاً، أو حتى أمنيّاً، وهو الإنجاز الأهم الذي تمّ التركيز عليه، والاستثمار فيه، خلال هذه المواجهة التي حصلت على مستوى الاقليم، والعدوان الذي وقع عليه أو على مفاصل رئيسية فيه!!..

وهنا يحب أن نثبّت واحدةً هامةً، وهي أنّ إعلام “حلف المقاومة” لم يستطع أن يُنجز غرفة عمليات واحدة، أو “مطبخاً إعلامياً” واحداً، موازاة مع ما كانت تفعله مؤسسات أخرى في هذا “الحلف”، وهي مشكلة لم تكن ذاتية، بمعنى أنّ الجسم الإعلامي لم يستطع أن ينجز هذه الغرفة أو هذا المطبخ، بمقدار ما أن طبيعة المعركة ذاتها، وخصوصية العمل الإعلامي، لم تسمحا أو تساعدا على هذا الانجاز، حيث بقي الإعلام خاضعاً لطاقات فردية في أحيان كثيرة، هذه الطاقات تعتمد على مهنيتها أو على دورها الوظيفيّ في هذه المؤسسة أو تلك!!..

كذلك فإن هذا الجسم الإعلاميّ لم يكن متجانساً تماماً، فهناك جزء منه كان حاضراً وقريباً من مركزِ قرارِ مفصلٍ من مفاصل قيادات هذا “الحلف”، إلا أنّ القسم الأكبر من هذا الجسم بقي يرتجل أدواراً ليست واضحة، جلّها يعتمد على المباشرة، بالرغم من النوايا الطيبة التي يتحلى بها كثير من أفراده أو من إعلامييه، إضافة إلى بعض الأمزجة التي كان لها حضورها الواضح والمؤثّر في منتجه الإعلاميّ أخيراً، دون الانتباه إلى البعد الحقيقيّ لدوره الذي يجب أن يلعبه في ظل أدوار أخرى تمارس من قبل مؤسسات مختلفة في الحلف ذاته..

وهنا لم تستطع هذه الطاقات الفردية والارتجالية أن تستشرف مستقبل المنطقة، أو تضع تصوّراً لها، ولم تستطع أن تلتقط زوايا الانتصار كي تبني عليها، بمقدار ما حاولت التركيز على عناوين منها ما له علاقة بالماضي، من خلال التركيز على بعض الوثائقبات التي أعادت إنتاجها بطريقة رسّخت من خلالها صوابية بعض الخيارات، هذه الخيارات التي أنتجتها تحالفات شكلت الجذر الأساسيّ التاريخيّ لـ “حلف المقاومة”، أو بعضها الذي عبّر عن الخطّ القوميّ العربيّ، حين كان هناك من يحاول أن يعتدي عليه، كي يستبدله باصطفافات أخرى جذرها دينيّ وطائفيّ ومذهبيّ، وهو عمل يشكّر عليه جزء من الجسم الاعلاميّ لـ “حلف المقاومة”، إذ أنّه فوّت على الطرف الآخر إمكانية تشويه هذه الخيارات، باعتبارها شكّلت القاعدة الصلبة الأساسية لمواجهة كيان الاحتلال الصهيونيّ، هذا الكيان الذي كان ذات الطرف الآخر يحاول تسليعه وتسويقه كي يتحوّل إلى مكون طبيعيّ من مكونات المنطقة!!!..

لم ينتصر إعلام “حلف المقاومة”، وإنّما انتصرت مؤسسات أخرى من جسم “الحلف”، فسوّق الإعلام هذا النصر وظهّره، ولكنّه لم يستطع أن يبنيَ عليه، كي يثبّتهُ في الوعيّ الجمعي لدى جمهور المقاومة، أو حتى الجمهور العربيّ، كمنجزٍ استراتيجيّ قيميّ ثابت، يحاكي أولويات عليا قاتلت من أجلها الأمة، فهو حتى اللحظة، ونعني إعلام “حلف المقاومة”، ما زال غارقاً، تحديداً في حيثيّة تفاصيل انجازاتٍ سياسيّة تكتيكيّة محدودة، هي في الحقيقة واحدة من نتائج أو تبعات الانتصار، وليست هي الانتصار ذاته، خاصة فيما يتعلّق بالانزياحات التي شكّلت نتيجة حتمية من نتائج الانتصار الكليّ، ونعني بها الانزياحات السياسيّة، ذات الطابع التكتيكي، إن كان على مستوى تصدّع اصطفاف: “سعودي، قطري، أخواني، وهابيّ، تركيّ”، يبدو هنا أنّ إعلام “حلف المقاومة” غير قادر على التركيز جيّداً على أنّ هذا التصدّع إنّما هو نتيجة حتمية للانتصار الذي أحرزه “الحلف”، وبالتالي فإن السياسيّ هو من يستثمر في هذا التصدّع وهذا الانزياح، وليس الإعلام من يقوم بهذا الدور إطلاقا!!!!..

هناك فرق كبير بين دور الإعلام في “حلف المقاومة” وبين دور الإعلام في الطرف الآخر، فإعلام الطرف الآخر لا يمنعه مانع من أن يمارس الدور ونقيضه، في الآن ذاته، أو بين فترتين عابرتين، اليوم مع العدوان على “اليمن”، وغداً ضدّ العدوان على “اليمن”، اليوم مع “الوهابية” وغداً ضدّ “الوهابية”، اليوم يعتبر أنّ “نظام آل سعود” يمثّل الشقيق الأنموذج الأكبر، وغداً هو “النظام” القاتل المجرم، اليوم “الروسيّ” قاتل ومحتلٌ وغداً “الروسيّ” ليس كذلك أبداً!!!…

إنّ مثل هذه الاعتبارات والتحولات، التي يتبناها الإعلام من قبل الطرف الآخر، باعتبارها حقائق مطلقة في كلّ مرحلة، كونه يدافع عنها دفاعاً مستميتاً، يحاول من خلالها أن يثبّت صحّة مقولته اللحظية، لا يمكن لها أن تبني وعيا جمعيّاً ذا قيمة لجهة أهداف مقصودة، من قبل جمهور مستهدف، بمقدار ما تعمل على إحداث قطيعة كبيرة بين هذا الاعلام وبين المستهدف من الجمهور، إضافة إلى الشعور الكبير برخاوة الأهداف التي كانت تعمل عليها المؤسسات أو الدول التي كان يمثّلها هذا الاعلام!!..

أيضاً بدا الإعلام ضائعاً في فهم دوره الإٍعلامي، نقول الاعلامي، في تثبيت المنجز السياسيّ لـ “حلف المقاومة”، وبدلاً من تثبيت هذا الدور قفز كي يمارس دوراً سياسيّاً ليس مطلوباً منه أساساً، فالدور السياسيّ لم يكن موكلاً له، ولن يكون، وبالرغم من كلّ ذلك نراه وقع في مطب إمكانية أن يمارس دور غيره السياسيّ!!!..

لم يستطع إعلامنا أن يثبّت مفهوم “العدو” في الوعي الجمعي للأنساق الاجتماعية التي مثّلها أو التي دافع عنها، إذ أنّه ليس مطلوباً في السياسية أن يكون العدو واضحاً ثابتاً، بالمعنى الذي يتطلع إليه الجمهور، باعتبار أنّ السياسيّ مطلوب منه تأمين ما يمكن تأمينه، في حين أنّ الإعلام مطلوب منه حماية ما يجب تأمينه، وهذه واحدة خطيرة يجب الانتباه لها لم ينجح الاعلام في تأمينها!!..

خاصة ونحن نتحدث عن مرحلة لم تحكمها السياسية فقط، أو المواجهة السياسيّة، بمقدار ما تمّ اقحام الجمهور فيها، حيث كان مادة المواجهة الرئيسيّة، وهو بالتالي لم يعد متابعا فقط، بمقدار ما كان شريكاً رئيسيّا إن لم نقل بأنّه كان الرئيسيّ الأساسيّ في المعركة أو في المواجهة الحاصلة، وبالتالي فإنّ إمكانية المناورة حول مفهوم العدو وتبدّل موقعه في معادلة الصراع يتطلب رؤى إضافية قادرة على إبقاء الإعلام في وسط الجمهور، ويجب ألا يبدو متناقضاً معه، حتى ولو بدا السياسيّ كذلك، فإنّ الإعلام أقدر على أن يقوم بدور آخر مختلف تماماً، كما أنّه كان قادراً على أن يغطّي ويسوّق موقف السياسيّ وإن بدا ليس شعبويّاً!!!..

كذلك لم يستطع إعلامنا أن يؤمّن ما كان يجب أن يضمن تأمينه، ويبقى حارساً له وعليه، خاصة وأنّ جمهوره يختلف عن جمهور الطرف الآخر، أو يجب أن يختلف عنه، باعتبار أنّ الطرف الآخر أساساً لم يكن حريصاً على جمهوره، بمقدار ما كان حريصاً على أطماعه وأهدافه، بمعزل عن الجمهور الذي يمكن أن يرمى به في أيّ لحظة استدعت منه مصالحه أو أطماعه ذلك، أمّا جمهور إعلام المقاومة فهو جمهور لا يمكن التفريط به إطلاقا، باعتبار أنّنا أخيراً ندافع عن مشروع قيمة أساسها أخلاقيّ وإنسانيّ..

مثال ذلك، حين فُتحت بعض السفارات في العاصمة دمشق، أو حين استدار النظام القطري كي يكون في حضن الجمهورية الاسلامية الايرانية، رأينا جزء من اعلامنا استدار أيضاً وبدأ بالترويج أو بالتسليع للعواصم التي بدأت بفتح هذه السفارات، مثلما بدأ أيضاً بتبيض صفحة النظام “القطري” على حساب صفحة النظام في “مملكة آل سعود”، وهذا مطب خطير جداً، خاصة وأنّ جمهور حلف المقاومة كان مثخن الجراح نتيجة الدور الذي لعبه “النظام القطري”، في دعم الذبح والقتل والتشريد والتنكيل الذي مورس على أبناء المنطقة وخاصة السوريين منهم!!!..

وهنا يسأل سائل كيف يكون ذلك، كيف نمارس الدور المزدوج في تأمين شرعنة ما قام به السياسيّ وفي الحفاظ على وجدان الجمهور الذي حقنّاه سنوات عديدة، ضدّ من نحاول اليوم أن نفهمه أنّه لم يكن عدواً ولم يكن قاتلاً؟!!!..

هذه هي مهمة الاعلام، وهذه هي مهمة الاعلاميين والمطبخ الاعلامي، وأيّ خطأ في ذلك، يمكن أن يرتكبه الاعلام، فإن الانتصار كله أضحى في مكان خطير، خاصة وأنّ السياسيّ لا يعنيه ذلك، باعتبار أنّ أهمّ أهدافه كانت في استرداد هذه العناوين التي فقدها، نعني بالضبط تلك السفارات التي أغلقت أبوابها وغادر قاطنوها رفضاً منهم التعامل مع مؤسسات الدولة القائمة، فعندما يحقق السياسيّ هذه العودة فهو في لحظة إنجاز عظيمة، ولا يعنيه الجمهور كثيراً، باعتبار أنّ مؤسسة أخرى هي التي سوف تتولى موضوع الجمهور وموقفه، وهي من سوف تقوم بحماية وجدوانه ومشاعره ومواقفه، وتساهم في تشكيل الوعي الذي يناسب العناوين التي قاتل وضحى من أجلها هذا الجمهور..

كان على الإعلام أن يُبقي على حقيقة مفادها أنّ هناك طرفاً موضوعيّاً حقيقيّاً واجهناه وقاتلناه وأسقطنا مشروعه، بالرغم من أنّ السياسيّ سوف يبدو متجاوزاً لهذا الأمر، خاصة عندما يبدأ بصرف انتصاره بأشكال متعدّدة، باعتبار أن أيّ تجاوز أو تحايل على هذا الطرف الموضوعيّ الحقيقيّ يعني أن المواجهة كانت افتراضية، وبالتالي فإن كلّ التضحيات التي قُدّمت لم تكن تضحيات موضوعيّة أو لها ما يبرّرها، وهو المقتل الذي يمكن أن يقع فيه الإعلام!!!..

بهذا المعنى ليس باستطاعتنا القول بأنّ إعلامنا ربح الحرب أو ربح المعركة، غير أنّ المعركة والحرب ربحتها مؤسسات أخرى في جسم “حلف المقاومة”، والدليل على ذلك كان واضحاً وجليّاً في حجم الخسائر التي رافقت تفاصيل المعركة، هذه الخسائر الهائلة على مستوى الضحايا والدمار ومساحة جغرافيا المواجهة الكبيرة التي لم يستطع الإعلام أن يحدّ منها، إضافة إلى الانقسام العمودي في جسم الأمّة والجمهور الذي تمّ استهدافه، والتأثير الكبير الذي أحدثه الإعلام المضاد في الوعي الجمعي والفردي لأبناء الأمة، على المستوى الديني والطائفي والمذهبي، والمفاهيم الصاعدة التي اجتاحت الأمّة في ضميرها ووجدانها ووعائها المعرفي والثقافيّ، باعتبار أنّ اللحظة الراهنة الحاكمة لوعي الأمة الفردي والجمعي لم تكن ناتج فعل سياسيّ أو عسكريّ صرف بمقدار ما كانت ناتج فعل إعلاميّ وثقافيّ مضاد

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه