إن الخوف شعورٌ غيرُ مُسْتَحَبّ من أحد، يعني غياب السلام والراحة والإطمئنان. وهو شعور من مشاعر الإنسان الذي يملك عقلا واعيا لمشاعره، وإرادة واعية، من أجل التعامل مع هذه المشاعر. يعي الإنسان شعوره بالخوف، كأيّ شعور آخر، ويتعامل معه بردّات فعل غريزيّة عفوية وعقلية في آن معا، تختلف نسبتها بين إنسان وإنسان، كما تقضي الحاجة وكما يقضي الظرف، وبحسب اختلاف الأطباع والأمزجة ومستوى الوعي والثقافة والإرادة.
 
               إنّ الحيوانات تملك هذا الشعور، ولكنها لا تملك الوعي له، ولا الإرادة لمقاومته والسيطرة عليه، أو لتخطّيه. إنها تملك، فقط، الغريزة التي تقود ردّات فعلها (بين هرب من مصدر الخوف أو التَسَمُّر أمامه، أو الهجوم عليه بشراسة) والتي تتحكّم بسلوكها الثابت، بعكس سلوك الإنسان الغرائزي في البداية، ولكنْ القابل للتغيير، والتطوير، والترويض، والنموّ، بفضل امتلاكه للعقل (السليم) والإرادة (الحسنة)، ومدى قدرته على استعمالهما الإستعمال الصحيح.
 
               أمّا الأشياء، من نبات وجماد، فهي لا تشعر بالخوف ولا تعرفه. هي تتلقى كلّ ما يأتيها من الإنسان ومن الطبيعة، دون ردّات فعل غرائزية أو واعية. إنها طيّعة لمشيئة الإنسان بخيرها وشرّها، وخاضعة لقانون الطبيعة الثابت (بفصولها وأشيائها وحيواناتها)، والذي يجعل منها وحدة متكاملة منسجمة مع ذاتها، ومكتفية بذاتها.

               إنّ أنواع الخوف وأسباب الخوف كثيرة جدا. إحصاؤها وعدّها أمر صعب. إنه أمر معلوم أن الإنسان، منذ فجر التاريخ، كان دائما عرضة للخوف من عوامل الطبيعة ومن حيواناتها المتوحشة ومن عنف الإنسان الآخر ومن الموت. واليوم، ما يزال الخوف يرافق الإنسان منذ طفولته حتى شيخوخته من الإنسان الآخر المستقوي، مثلا، ومن التسلّط والظلم والمنافسة والفشل والخسارة والفقر والحروب والأمراض والموت. 

               ثمة مجموعة مخاوف لاواعية في الإنسان، من الظلمة والفراغ والأشباح، مثلا، ومن العلوّ، ومن الأماكن المغلقة، ومن بعض الحشرات والزحافات. إنه خوف يتعرّض له الإنسان في مراحل الطفولة الباكرة، نتيجة إهمال من الأهل أو من المربين في المدرسة أو في الميتم، أو نتيجة طبع وراثيّ مُفرِط في الحساسية والتأثر، لا نفهمه. هذا النوع من الخوف يحدّد شخصيّة الإنسان وطبعه وسلوكه في جميع أطوار نموّه، ويخلق كلّ العقد والمشاكل النفسية دون أن يكون هو، بالضرورة، على علم بذلك. بحسب نظريات واختبارات علم النفس، يمكن مساعدة الإنسان على الشفاء من عقده ومشاكله النفسية بنسبة كبيرة، بواسطة علاج مبنيّ على إعادته بالذاكرة، من خلال عملية تَذَكُّر متكرّرة بإشراف وتوجيه الطبيب النفسيّ، إلى تلك المرحلة اللاوعية، واستخراج حقيقة ما حصل من ظلمات أعماقها الخفيّة، المجهولة، ووعيه لما حصل، وتحقيق الشفاء والتحرّر، نتيجة هذا الوعي، من سطوتها على تفكيره وإرادته ومشاعره وسلوكه.

               بعد هذه المقدِّمة، نودّ أن نحاول، قدر المستطاع، أن نلقيَ بعض الأضواء على الخوف "الطبيعيّ"، الواعي، إذا صحّ التعبير، الذي يعيشه الشعب اللبنانيّ في لبنان، لا الخوف الشخصيّ، المَرَضيّ، المعقَّد الأسباب والعوارض، والذي يحتاج إلى علاج نفسيّ وطبّيّ طويل الأمد. 

               في لبنان، ثمة عدة مخاوف يعاني منها الشعب. هي مخاوف مُزمِنة، رافقت جدودنا وآباءنا، وأورثونا إياها، ونخاف أن نورثها نحن بدورنا لأولادنا وأحفادنا. لم يستطِعْ أحدٌ، حتى الآن، أن يتَخلَّص من هذه المخاوف، ولا أن يُخلِّصَ الآخرين منها.

               نختصر هذه المخاوف بما يلي:

               -الخوف من غزوات جيوش الدول الطمّاعة، المستقوية، من كل الجهات.
               -الخوف من تكرار الفتن الداخلية الدموية والإنقسامات والخلافات بين اللبنانيين، في جوّ العجز الدائم لزعماء الطوائف عن توحيد الشعب لمواجهتها وتلافيها، وعن بناء جوّ دائم من الحوار المثمر والثقة المتبادَلَة، والعجز عن الإتفاق على أسلوب حكم (طائفي أو علماني) يرضي ويريح الجميع. لقد ذاق اللبنانيون الأمَرَّين من هذه الفتن عبر تاريخهم المأساويّ الطويل، وما زالوا، حتى لحظة كتابة هذا الكلمات. هي فِتَن وخلافات وانقسامات يُذكي نارَها حكام وملوك وأمراء وسلاطين وحكومات الدول، بمساعدة وتشجيع أَحصِنَة طروادة الكثيرة في لبنان، زعماء الطوائف المتكبرين، الطمّاعين، الأغبياء (هم عباقرة بنظر أنفسهم ونظر أتباعهم)، عشاق الخيانة العظمى، خيانة الوطن (الخيانة، بالنسبة لهم، مجرد "وجهة نظر")، مقابل أن يحصلوا على دعم المال والجاه والعظمة لهم وحدهم، ولطائفتهم، لا للوطن، ضدّ سائر زعماء الطوائف.
               -خوف الشعب اللبنانيّ من المستقبل الغامض، المقلق، وخوفه من حكوماته المتتالية التي لا تفعل شيئا لتطمينه على حاضره ومستقبله، وإراحته، ومنعه من الإنتحار قهرا، أو الموت باكرا، أو الهجرة القسرية إلى بلدان أرقى، حيث يُحتَرَمُ الإنسان ويُكَرَّمُ، كخلق فرص عمل، مثلا، وخلق ضمانات تربوية وصِحِّية، ولا تفعل شيئا لتوفير الأمن والإستقرار، وتأمين، بكلمة واحدة، كل الحقوق الإنسانية التي ذَكَرَتْها وتَبَنّتها الأمم المتحد في وثيقة شرعة حقوق الإنسان، التي، كما يبدو، لم يسمع بها، بعد، زعماء لبنان. 
               -خوف الشعب اللبنانيّ من الإرهابيين من دول ومرتزقتها، المحيطين بحدوده والمتغلغلين في مدنه وقراه، بشكل خلايا نائمة في بعض البيئات الحاضنة التي أصبحت مكشوفة ومعروفة، تنتظر الأوامر لتفجير أجسادها باللبنانيين، رغم أن الجيش، بإمكاناته المتوفّرة، قد قاومهم من قبل، وهو مستعدّ أن يقاومهم كل لحظة، بشراسة وشجاعة على الحدود، بدعم فعّال من المقاومة، وقد قبض على بعض شبكاتهم في الداخل، بمساندة القوى الأمنية والشعب اليقظ، المقاوم.
               -خوف أبناء الشعب اللبنانيّ من بعضهم البعض في التعامل اليوميّ، من ناحية الشكوك المتبادَلَة بنوايا الإستغلال المُبَيَّتة والكذب والخداع والإستغباء، خاصة في مجال التبادل التجاريّ والخدماتيّ، وفي الدوائر الحكومية حيث الرشوة هي القاعدة المُتَّعبة لتصريف الأعمال. 
               -خوفهم من بعضهم البعض على الطرقات، بسبب القيادة السريعة، المجنونة، العدوانية، لسياراتهم، ومخالفتهم لقوانين السير والنظام والسلامة العامة، ولقواعد اللياقة والتهذيب، حيث لا وجود لقوى أمنية تمنع التجاوزات، وتحمي المواطنين، وتلقي الإطمئنان في نفوسهم. 
               -خوفهم من بعضهم البعض في كل الأماكن العامة، حيث الناس قنابل موقوتة مستعدّة للإنفجار بسبب روح التباهي والإفتخار ونظرات التحدّي والإستعداد الدائم للمشاكل والمجابهة، ويتمّ "الإنفجار" بسرعة رهيبة، بلغة الشتم وقبضة اليد، والسلاح.

               إن قصّة الخوف والتخويف في لبنان تطول ولا نهاية لها.
 
               لن نتكلم هنا عن الخوف الصحّي بسبب تلوث الهواء والماء والدواء والغذاء، أو الخوف العاطفيّ الطبيعيّ، في ظروف غير آمنة، أي خوف الأهل وقلقهم على أولادهم، مثلا، وخوف الأصدقاء والأقارب على بعضهم البعض.
 
               ولن نتكلم عن الخوف أو القلق الماورائيّ، أي خوف الإنسان من المجهول بعد الموت، من العدم، أو من الخلود في نار جهنم أو في النعيم.

               إن الخوف الذي نودّ الإضاءة عليه، هو خوف الشعب اللبنانيّ الوجوديّ (حاضرا ومستقبلا) بكل معنى الكلمة. ويهمّنا أيضا أن نوجّه أصابع الإتهام نحو الذين يسبّبون للشعب الخوف الدائم على وجوده ومصيره، لا بل القلق والقرف والتعاسة، مهما تظاهر معظم أبناء هذا الشعب بعكس ذلك، وخلقوا الإنطباع لأنفسهم ولزعمائهم وللعالم الخارجي بأنهم في ذروة سعادتهم، يحبّون التمتّع بالحياة، ويحاولون إخفاء وإغراق همومهم في حفلات أكل وشرب ورقص وموسيقى وغناء وطرب في المطاعم وفي بيوتهم. وسوف نتساءل، في نهاية المطاف، عن وجود أية إمكانية للتخلّص من حالة الخوف هذه، أو على الأقل، إمكانية التخفيف منها.

               إن الإنسانية جمعاء تختبر شعور الخوف بكل أشكاله وأنواعه ودرجاته، خاصة الخوف على المصير. وكلّ قادة الشعوب، منذ فجر التاريخ حتى اليوم، قد زجّوا شعوبهم في حروب دموية، مرعبة. إن شعور الخوف شعور ملازم للإنسانية بوجود قادة يضرب رؤوسَهم، فجأة، وبشكل مريض، خطير، الشعورُ بروح العظمة والكبرياء والتسلّط، ويُضَحّون بشعوبهم ليرضوا غرورهم ويبنوا أمجادهم الشخصية، وأمجاد سلالاتهم "العريقة"، وليُخَلِّدَ التاريخ ذكرهم، وليرضوا أشرارا آخرين مثلهم، هم في الحقيقة مصدر مال ووَحي وإلهام لهم، يعشقون أن يموِّلوا ويديروا مشاريع القادة الشريرة. ولكن، رغم كل شيء، نرى أن معظم الدول قد استطاعت، بفضل جهد شعوبها وجهد حكامها، أن تحقق نسبة مقبولة من الإستقرار الإجتماعي والإقتصادي والنفسيّ، بعد كل معاناتها الطويلة لشعور الخوف في فترات الحروب والبطالة والأمراض والمجاعات والإضطهادات والمظالم التي مرّت بها. ونرى أن حقوق الإنسان قد أصبحت، بنسب متفاوتة مقبولة، ومنارة لمعظم قادة الشعوب لمحاولة تحسين أوضاع شعوبهم الإجتماعية، وخلق راحتها واطمئنانها وازدهارها وسعادتها، والحفاظ على كرامتها، حتى ولم يُرِد المُستَبِدّون منهم الإستنارة دائما وكلّيّا بهذه المنارة المضيئة.

               أما في لبنان، فأمرٌ آخر. القادة هم دائما في واد، والشعب اللبنانيّ هو دائما في واد آخر. يلتقي الشعب، باشتياق كبير، ولهفة لا توصف، بزعمائه يوم الإنتخابات النيابية، مرة كل أربع سنوات، فيصوِّت لهم بفخر وكبرياء واعتزاز وحماس. ثم يعود الزعماء إلى سُكنى واديهم السحيق، البعيد عن الشعب، والقريب من حلفائهم أثرياء الداخل والخارج، أي أبراجهم العاجية والذهبية والماسيّة والمخملية، حيث تختلط روائح المال بروائح النبيذ المعتق وروائح لحوم الأرض وثمار البحار وروائح العطور النادرة والتبغ النادر، وبقهقهات الغرور والكبرياء والعظمة والتفاهة، وبالأنوار الملوَّنة المشعَّة، حيث لا قلق على شيء، ولا خوف من شيء. ويعود الشعب "الأبيّ" و"العظيم" إلى واديه، ليسكن من جديد مع العتمة، في مغاور وكهوف جهله ونسيانه وذُلِّهِ وفقره وبؤسه وغضبه، حيث روائح العفونة والنتن، وحيث بيوت العناكب وخفافيش الليل، وهو عابس يئنّ من الوجع، ويموت من القهر، ويذوب من الحزن والخوف والقلق على أوضاعه المخزية المقرفة الخطرة، ويجترّ فتات انتمائه إلى طائفة عظيمة وعريقة في التاريخ، وإلى زعيم عظيم، عتيق أو متجدّد، أو جديد. ويستعدّ الشعب، لا لمحاسبة زعمائه على تقصيرهم في مجال خدمتهم له، بل لجولة جديدة من العنفوان، ومن الإشتياق والتأييد لزعمائه، كلما احتاج إلى خدمة خاصة جدا، وكلما جاء موعد الإنتخابات النيابية من جديد. إنها مهزلة/مأساة تتكرر، بشكل عجيب غريب، محيِّر، في لبنان، وفي لبنان فقط.

                إن زعماء الطوائف، العتاق والجدد، الذين فرضوا أنفسهم فرضا كزعماء أبديّين على طوائفهم، هم سبب تعاسة الشعب اللبنانيّ، وسبب مخاوفه من غدر الحياة ومن المستقبل المجهول. والشعب أيضا مسؤول عن تعاسته لأنه لا يحاسبهم أبدا، ولا يتوقف قليلا، ليفكر بالإحجام عن إعادة انتخاب من لا يأتيه منهم إلا الأذى. غير أن مسؤولية القادة الذين أُعْطُوا الكثيرَ من "نِعَمِ" الحياة (مركز ومال وجاه وقوّة ونفوذ وأرزاق وقصور وأوقات فراغ كثيرة، بالإضافة إلى موهبة "الثعلبة")، تبقى أكبر وأقوى من مسؤولية الأتباع المنهمكين، كل الوقت، بتحصيل رزقهم، والذين يحتاجون، ضمن طائفتهم، إلى من يقودهم، في غياب قيادة وطنية واحدة، تجمع الشعب اللبناني بكل طوائفه المبعثرة، المتنافرة.
 
               إن القادة، عندنا في لبنان، بمعظمهم، مستبدّون، لا تهمّهم ولا تعني لهم شيئا شرعة حقوق الإنسان. لعبة الإنتخابات الديمقراطية التي يلعبونها ليست لعبة مبادىء واضحة، ثابتة، بين أحزاب وطنية، في سبيل خدمة الشعب. هي لعبة قمار مذهبية، طائفية، دينية، عائلية، مُزيّفة، كاذبة، الرابح الأكبر الدائم فيها هم زعماء الطوائف، لا الوطن. يدخل بقوة في هذه اللعبة رجال الدين والأعمال والمال من كل طائفة، وجميعهم تجمعهم عبادة المال والقوة والمجد والعظمة، وعبادة ذواتهم وراحتهم وصحتهم، لا حبّ خدمة الشعب الفقير والمظلوم، ولا حبّ الله. وهم لا يحملون ولا يخافون أبدا همومَ غلاء المعيشة والسكن، وهموم الفقر والعوَز والجوع والمرض والشيخوخة وقصر العمر والهجرة، لأنهم لم يعانوا منها، وقد وُلِدوا، كما يُقال، وملعقة الذهب في فمهم. وأما حديثو النعمة في زعامة السياسة والمال، فهم سرعان ما ينسون كيف كان وضعهم قبل دخول جنّة الحكم، أو "مغارة علي بابا"، حين يلمسُ فمُهم، لأوّل مرة، ملعقةَ الذهب.

               والشيء المُحيِّر والمضحك هو أن معظم رجال الدين، حلفاء الأغنياء الأبديّين، والذين لا يستطيعون أن يعيشوا لحظة واحدة بلا مال من تبرّعات المؤمنين، فقراء وأغنياء، يدعون الشعب الخائف، القَلِق، الحزين، وبكل حسن نية، لا شكّ، بأن يكون صبورا، مبتسما، فرحا، راضيا، مؤمنا بالله وملكوته السماوي، وألّا يهتمّ بالغد، لأن الله، ابانا السماوي الرحيم والمحبّ، يهتمّ بجميع أبنائه، ويرزقهم كما يرزق طيور السماء ويزيّن زنابق الحقل، وهو يشرق شمسَه على الأشرار والصالحين. هذا كلام عزاء جميل جدا، نادى به السيّد المسيح في وعظة الجبل. ونودّ أن نتساءل، هنا: إلى أي مدى يستطيع أي رجل دين (باستثناء القديسين) أن يتحمّل ألم الفقر والعوز والمرض والقلق والخوف من الغد. إنه حقا كلام جميل، ولكنه لا يطعم الجائع خبزا، ولا يشفي مرضا، ولا يزيل خوفا ولا فاقة. وتراهم لا يزعجون خاطر الساسة والأغنياء القساة القلوب بكلمة ملامة أو عتاب أو توبيخ واحدة، لحثّهم على الإلتفات إلى الفقراء.

               ويدخل أيضا في اللعبة، لا بل يدير اللعبة، حكام دول خارجية خبثاء، لصالحهم أن يظل الشعب اللبنانيّ شعبا متوترا، مُمزَّقا، ضعيفا، فيما هم يدّعون، في العلن، أنهم يدعمون استقلال لبنان وسيادته وحريته ووحدة جميع أبنائه. ويعيد زعماء الطوائف (وحلفاؤهم) السعداء، الأصحاء، الأثرياء، المُكَرَّمون، المديدو العمر، المطمئنون إلى يومهم وغدهم وآخرتهم، على مسمع من الشعب اللبنانيّ، تطمينات هذه الدول، لتخدير شعوره بالخوف والقلق والغضب. ويكرّرون، من وقت إلى آخر، من أبراجهم العاجية، وكأنهم في غيبوبة دائمة عن واقع الشعب، من أجل تطمين الشعب الحزين، المقهور، الفقير، المديون، الجائع، المريض، المنازع، المُداسة كرامته، والخائف على مستقبله... أجل، يكرّرون على مسامع هذا الشعب (ويتوقعونه أن يصدّق ويصفّق ويفرح ويرقص طربا ويسبّح بإسمهم) بأن إسم لبنان صار معروفا ومتداوَلا في المحافل الدّولية، وأن الليرة اللبنانية (طبعا، في جيوب وخزنات أصحاب المصرف المركزي وسائر المصارف، وفي جيوب وخزنات الزعماء والساسة الأثرياء) بألف خير، وأن المستقبل سيكون أفضل! 

               إذًا، زعماء الطوائف هؤلاء، الذين يجدون لذّة خاصة جدا بلعب دور "أحصنة طروادة" بكل خبث وفخر واعتزاز وراحة ضمير (مع حلفاء المصلحة والدين والمال في الداخل وفي الخارج، ضدّ مصلحة وطنهم لبنان والشعب اللبنانيّ)، هم وحدهم مرتاحون من أي همّ، وأي قلق، وأي خوف. هم وحدهم يلبسون درع الحصانة وكرامتهم مصانة. ينتخبهم الشعب ليكونوا خداما له ومدافعين عن كرامته، ومتفهمين وواعين لحقوقه، ومستجيبين لها من خلال تلبية حاجاته الجسدية والنفسية والعقلية والإجتماعية (سلامة العيش والأمن والأمان والإزدهار، وسلامة الغذاء والماء والدواء، وتوفير فرص العمل والتعليم والتربية، والسكن، وضمان الصحة والشيخوخة، وحرية التعبير والمعتقد والفكر، إلخ...) التي تصفها وتفرضها شرعة حقوق الإنسان، الغائبة تماما عن عالم الساسة في لبنان. 

               فماذا يفعل زعماء الطوائف؟

               زعماء الطوائف لا يحاولون أبدا استشفاف المستقبل، واستباق الأحداث والمصائب والكوارث، قبل أن تنزل دفعة واحدة على رأس الشعب اللبنانيّ وحده، ما زالوا، هم، بمنأى عنها. هم لا يهمّهم، ولا يريدون، والأرجح أنهم لا يعرفون أن يُجَنِّبوا الوطن اللبنانيّ الشرور على أنواعها: ثلوّث البيئة، مثلا، تجارة وتعاطي المخدِّرات، فساد الأخلاق في الشعب وفي الدولة، تفشي البطالة، غلاء المعيشة، خطر العولمة، خطر الإرهاب... وحين تقع أية كارثة، تراهم يتسابقون على الإستئثار بإيجاد التفسيرات والتبريرات والحلول لها، فقط بالكلام. ثم إنهم لا يتفقون فيما بينهم على آلية واحدة لمعالجتها (كمشكلة النفايات مثلا). زعماء الطوائف هؤلاء، فاقدو البصر والبصيرة والضمير الحيّ، تتكاثر ثرواتهم، وسياراتهم المعتمة المصفحة، وقصورهم، والولائم الفخمة لرجال الدين (مع التبرعات السخية) لطلب رضاهم وبركتهم ودعمهم المعنويّ من خلال تأثيرهم على الناخبين من أبناء الطائفة، ولرجال الدنيا الأغنياء لا الفقراء، وتتكاثر أعراسهم الأسطورية، وطائراتهم، ويخوتهم، ورحلاتهم الإستجمامية الغامضة، المشبوهة، وزياراتهم لحكومات الخارج لتأدية واجب الطاعة وجلب المال والتعليمات والإرشادات والأوامر، ويتزايد عدد أزلامهم المسلحين للحماية الذاتية، بالإضافة إلى حماية الدولة لهم.
 
               كل شيء يتزايد ويتكاثر عند زعماء الطوائف إلا روح الخدمة للشعب والمحبة للوطن، وروح الصدق والوفاء والإخلاص والتواضع، فهي في نقص متزايد دائم، مخيف، حتى الإنقراض التام.

               إن معظم زعماء الطوائف يكررون خلق فراغات كبيرة في الحكم، ودون أي حرج، حين لا يتفقون على انتخاب رئيس للجمهورية، وعلى تقاسم حصص الحكم والنفوذ وتأليف حكومة. وإذا انتخبوا رئيسا للجمهورية وألفوا حكومة، بعد الكثير من جولات وصولات الكرّ والفرّ، فإنهم لا يتفقون على سياسة خارجية واحدة، وعلى تحديد واضح للعدو والصديق، ووجوب التعامل مع الإثنين بحسب ما يأمر به المنطق السليم والمصلحة الوطنية اللبنانية الواحدة (مسألة النازحين واللاجئين، مثلا، ومسألة مقاومة العدوّ الصهيوني ومشاريعه الشريرة) لا بحسب قوة رائحة المال. ولا يتفقون على تنفيذ أي مشروع حيويّ بالنسبة للشعب اللبنانيّ، أيضا بسبب الإختلاف على تلزيم المشاريع وعقد الصفقات وتقاسم حصص المال و/أو الإستئثار بها، وإرضاء أصحاب المصارف والشركات والتجار: تسليح الجيش، رفع الأجور المذلة للشعب اللبنانيّ، تخفيض غلاء المعيشة وتخفيض الضرائب، حل مشكلة الماء والكهرباء، إعادة تدوير النفايات، منع تشويه الطبيعة بالكسارات والمحافر والمرامل، ومنع التلوّث البيئيّ المضرّ بصحة اللبنانيين (الضجيج، روائح النفايات ودخان المعامل والصرف الصحّي، شواطىء البحر، مياه الينابيع، ومياه الأنهار خاصة نهر الليطانيّ)... 
               لماذا لا يتفقون؟ 

               صارت الأسباب معروفة. يردّدها الشعب والإعلام كل يوم. يُقال أن ثمة مسألة تلزيم المشاريع لشركات مشبوهة بنظر البعض، ومسألة الربح الشخصيّ (عمولات) لكل زعيم (كما ذكرنا أعلاه)، ومسألة سياسية تتعلق بالتبعيّة لخارج معروف يريد دائما أن يريح الدولة الصهيونية، اليهودية، العنصرية بقربنا، في أرض فلسطين، وإسمها (لمن ينسى أو يتناسى الأمر) إسرائيل، خاصة في مسألة تأمين الإستقرار المفقود والممنوع، وعدم تسليح الجيش، ومحاولة إضعاف المقاومة والتشهير بها وتجاهل لا بل إحتقار تضحياتها وإنجازاتها وشهدائها وجرحاها، والإستفادة من مياه لبنان ونفطه وغازه، ومسألة روح النكاية والكيدية المزمنة والملتصقة التصاقا وثيقا بأطباع وأخلاق زعماء الطوائف الدائمي المناكفة، والدائمي السعادة.
               ماذا فعل الشعب اللبنانيّ الفاقد لكرامته، والخائف والقلِق دائما، ليتخلص من كابوس زعماء الطوائف، السُّعداء وحدهم بشكل دائم؟
 
               الشعب اللبنانيّ لم يفعل شيئا، سوى مغادرة وطنه بغضب وقرف، من أجل بناء حياة أفضل له ولعياله في دنيا اغتراب تحترم حقوق الإنسان وتسعى لإسعاد مواطنيها. والذين بقوا هنا في لبنان، فهم يتوزّعون بين حياديّين صامتين، واعين، قلقين على يومهم وغدهم، عاضّين على جرحهم، مغلوبين على أمرهم، حزانى (هم يشكلون أكثرية الشعب اللبناني التي قاطعت الإنتخابات أو اقترعت بأوراق بيضاء)، وبين متعصّبين لزعماء طوائفهم، يلتصقون بهم ويقتاتون من فتات موائدهم (خدمات ومال وتباه وعنفوان و"كرامة")، وهم الذين يميلون دفّة الإنتخابات لصالح زعمائهم، ويساعدون، بذلك، التاريخ اللبنانيّ المذلّ، أن يعيد نفسه باستمرار وبشكل معيب، كلّما أعادوا لَعِبَ اللعبة السخيفة، التافهة، العقيمة، العبثية، عينِها، من خلال إعادة انتخاب الزعماء المتكبّرين، الخونَة، الفاسدين، أنفسِهم، ومن خلال تأدية طقوس وفروض الخضوع والطاعة والسجود والعبادة والتمجيد لهم، كل يوم، في معابد أصنام الآلهة.
 
               هل يريد الشعب اللبنانيّ، حقيقةً، الخلاص من واقع مريض، مليء بالذلّ والخوف والقلق والقرف، قد انغمس فيه بملء إرادته، وتخلى عن دوره كمصدر للسلطات صوتُه من صوت الله؟

               الخلاص يعني، بكلّ بساطة، التخلّص من زعماء الطوائف القدامى والجدد، ومن أذنابهم السياسية، من خلال الإقتراع لأشخاص جدد، صادقين، مخلصين للشعب، ومستعدين لبذل ذواتهم من أجل خدمته وتحقيق ازدهاره. 

               ولكنْ، كيف السبيل إلى التخلص منهم وأكثرية أبناء الطوائف يصرّون، لأسباب عائلية وطائفية ومذهبية غير مقنعة للعقل السليم، على تجديد انتخاب زعمائهم الظالمين لهم ولكل أبناء الوطن، وسارقي حريتهم وكرامتهم، كل أربع سنوات؟

               وكيف السبيل إلى إقناع الشعب بأنه مخطىء في خياره السياسيّ، وعليه أن يعيد النظر بطريقة تفكيره وفهمه للأشياء، ويتحرّر من سطوة العاطفة العائلية والطائفية والتقاليد البالية ومن سطوة المال؟
 
               وكيف السبيل إلى فتح حوار مع زعماء الطوائف ومحاولة إقناعهم بالتوقّف عن استغلال المشاعر الدينية والعائلية للسيطرة على الشعب والتحكم به إلى الأبد، والتسبّب بإذلاله وإتعاسه وتخويفه وإضعافه وإفقاره، وهذا أمر يعني، بكل بساطة، الإنتحار الحضاري الجماعي لهم ولأتباعهم؟ 

               وكيف السبيل إلى إقناع النُّخَب الجيّدة القليلة، غير الموحَّدَة، في هذا الوطن الحزين، بتوحيد نفسها، وبحمل مسؤولية التوعية لكل أبناء الشعب، وكل زعمائهم، على واجباتهم تجاه بعضهم البعض، وتجاه الوطن، وأنهم، هم وحدهم، لا الغرباء، يشكلون أساسات هذا الوطن ودعائمه وسقفه وسياجه، فيخدم الزعماءُ الشعبَ اللبنانيّ بالفعل لا بالكلام، ويستشيرونه ويتواصلون معه كل يوم، والشعب اللبنانيّ يراقب ويتتبّع سلوك زعمائه وينتقدهم الإنتقاد البنّاء المحبّ، دون خوف، من خلال إعلام شجاع، منفتح، صادق، غير خائف وغير مأجور، وغير تابع لأصحاب أموال الداخل والخارج؟ 
             
               وكيف السبيل إلى إقناع الأكثرية الصامتة، المُشْمَئِزّة من كل شيء إسمه ساسة وسياسة، بالإنخراط، مع النخبة الجيدة، في عملية مراقبة ومحاسبة الساسة، والتعبير عن رأيها في الإعلام وفي صندوق الإقتراع؟

               طبعا، إن ما نقترحه، هنا، هو تمنّ بعيد المنال، شبه مستحيل، وقريب من الحلم، نظرا لأطباع الساسة وأمزجتهم التي تتَّسِمُ بالكبرياء، ونظرا لارتباطاتهم المتناقضة الكثيرة، والوثيقة، بكل شيء إسمه مال ومصارف ورجال أعمال وحكومات الخارج، لا بالشعب اللبناني. ولكن، لا بدّ من خطوة أولى على طريق المثالية التي نحلم بها. إن الساسة والشعب لن يتحوّلوا، فجأة، بسحر ساحر، أو بوحي من الروح القدس، إلى ملائكة، ولبنان لن يتحوّل من أرض يابسة، جافة، تدرّ نفايات بشعة وروائح كريهة، خانقة، ومياهًا ملوثة، وهواءًا فاسدا، وضجيجا يصرع، وأمراضا تقتل، إلى أرض تدرّ لبنان وعسلا، وإلى جنات نعيم تجري من تحتها الأنهار العذبة، الصافية، يسكنها ساسة وشعب جميعهم ملائكة.
 
               لا يبدو أن أحدا، في لبنان، مستعدّ أن يأخذ المبادرة الشجاعة لخطو الخطوة الأولى، والثانية، والثالثة، بثبات وقوة. النُّخَب السياسية والروحية والفكرية الصالحة تبدو وكأنها، بمعظمها، قد يئست من اداء دورها، ومن توحيد نفسها، وأعلنت، بصمت، عجزها عن متابعة رسالتها، وكأنها تكتفي، فقط، بترداد بعض الأقوال الحسنة من وقت إلى آخر، وقد انصبّ اهتمامها في همّ التفتيش عن رزقها وعن مكان لها تحت الشمس، في أرضٍ قد أصاب الطَّرَشُ شعبَها وزعماءَها. إنها أرض لبنان، وطن الرسالة، وقد جعلها زعماء الطوائف وأعداء لبنان أرضا جافة لا تُنبِتُ إلا الشوك والعوسج، ومسرحا للإرهابيين والجريمة والرذيلة والخوف، وملاذا للنازحين واللاجئين والطارئين وشُذّاذ الآفاق من كل حدب وصوب، فضاقت بأهله الأصليّين، وأُجبِرَ الكثيرون منهم على الهجرة، أو البطالة، أو الإنتحار. وثمّة قسم لا بأس به من النُّخَب الإعلامية التي يُتَّكَلُ عليها في مشروع توعية الشعب والساسة على واجباتهم وأدوارهم، قد أجبرته الحاجة (وربما ضعف الإيمان والنفس) إلى بيع قلمه وفكره لمراكز المال والسلطة والقرار في الخارج، وفي الداخل التابع لهذا الخارج.

               ها نحن نصل إلى طريق مسدود، كلما حاولنا أن نعالج الوضع اللبنانيّ الفاسد، فكريا وأخلاقيا، الميؤوس منه، كما يدلّ الواقع.

                إنّ الواقع اللبنانيّ القاسي (من صنع ساسة قساة القلوب) يُضَيِّق الخناق على رقاب اللبنانيين، يوما بعد يوم. بين الفينة والأخرى، يردّد بعض الساسة والإعلاميين ورجال الدين والعقلاء والحكماء القلائل، الصادقين (هم خميرة هذا الوطن الجيدة)، أقوالا بسيطة، معبِّرة، كتحذير للبنانيين، شعبا وزعماء، من مغبّة متابعة مسيرتهم نحو الهاوية: 

               -نحن مبحرون في مركب واحد، إذا غرق المركب نغرق جميعا. 
               -إذا تهدّم الهيكل (أي إذا هدّمه بعض الساسة المكابرين) فسيتهدّم على رؤوسنا جميعا ولن يسلم أحد بجلده.
               -إذا بقينا مجموعة قضبان متفرقة، سوف يكسرنا الأعداء بسهولة، قضيبا قضيبا. ولكن، إذا وحّدنا أنفسنا كرزمة قضبان واحدة، قوية، فلن يكسرنا أحد.
               -ينبغي أن يكون لبنان وطنَ "العائلات الروحية" لا الطوائف والمذاهب، ووطنَ "الشراكة" والتآلف والتسامح (لا مجرد وطنِ "التعايش" البارد، الجاف)، ووطنَ "الرسالة" الروحية المتجدِّدة، يحمل أبناؤه جميعا رسالة محبة وسلام إلى العالم المضطّرب. 
 
               ومع ذلك، نرى ساسة وقادة طائفيّين، متكبّرين، قد أعمى المال بصيرتهم، لا يريدون أن يصحوا من سكرة العظمة، ولا يريدون أن يتحرروا من استعباد غرائزهم لهم، ومن استعباد الخارج لهم، ونفخه، بالمال والدعم السياسي والعسكري، لأحجامهم وأوزانهم وغرورهم. ونرى أن المشاكل المتراكمة ستؤدي إلى كارثة عظيمة، ولا كارثة أفظع من أن يزول الكيان اللبنانيّ برمّته (أي الشعب) من الوجود. السفينة على وشك الغرق، والهيكل قد بدأ يتصدّع، والأعداء يستفردوننا ويكسروننا قضيبا بعد قضيب، والزعماء اللبنانيون المتكبرون يقفون، غير مبالين، وعاجزين عن حلّ مشاكل الوطن الكثيرة المزمنة، وعن متابعة أي حوار بنّاء حول أي موضوع يهمّ الشعب اللبناني، من مشكلة النفايات والسموم والأمراض، مثلا لا حصرا، إلى مشكلة الإتفاق على قانون إنتخابيّ جديد لا خبث ولا كيدية فيه، ينصف ويرضي جميع "العائلات الروحية"، إلى مشكلة دراسة وتبنّي نظامٍ علمانيّ غيرِ طائفيّ، إلى أهمّ مشكلة ألا وهي مشكلة توحيد الشعب اللبناني وازدهاره وحمايته.

               إننا، كردّة فعل أولى على شعورنا بالعجز والإحباط، نبدأ، بكل تواضع ووداعة واقتناع، وبكثير من الكآبة والحزن، بالصلاة إلى الله من أجل خلاصنا جميعا من كل الشرور. الصلاة تبعدنا عن التفكير بارتكاب حماقات تؤذينا وتؤذي شركاءنا في الوطن. إن ردّة فعل الصلاة هذه، إنما هي، في الحقيقة، تعكس وتجسّد إيماننا الوطيد بقوة الخير والسلام والمحبة والحوار، وتحيي، من جديد، في قلوبنا، رجاءَنا الصالح، وأملنا الحيّ بأن الخطوة الأولى الصعبة على طريق الخلاص سوف نبدأ نحن بخطوها أولا، ودون تردّد، لا أن ننتظر "الآخر"، شريك الوطن، ليبدأها. هذه الخطوة الأولى، ينبغي أن نخطوَها معا، شعبا ونُخَبا وزعماء، رغم كل محاولات قوى الشرّ المعروفة في العالم لإضعافنا وتخويفنا، لا بل لإلغاء وجودنا ورسالتنا، رسالة المحبة، في جوّ تيار "عولمة" جارف لا يرحم أي شعب من شعوب الأرض، يقودها الغرب والتلموديون، تهدف إلى خلق "شرق أوسط جديد" في إطار منظومة خلق "نظام عالميّ جديد"، بقوة السلاح والمال، وحكومة عالمية واحدة، أجل، في هذا الجوّ الطاغي بالذات، لا بل بسبب طغيانه وخطره، ينبغي أن نحميَ أنفسنا في وطننا الضعيف والمستهدَف، وأن نخطوَ خطوتنا الأولى معا، وينبغي أن يساعد بعضنا بعضا على إكمال الطريق معا، دون أن يتخلّص أحد من أحد، ودون أن يلغي أحد أحدا، ودون اللجوء إلى أساليب الخبث والكيدية والكره والإكراه والعنف. 

               ما ينبغي أن نتخلص منه جميعنا بقوة وتصميم واقتناع، هو، بالأحرى، روح الكبرياء والأنانية والغرور والبغض والطمع، لنبنيَ مكانها، بالممارسة اليومية المثابِرة الصبورة، روح التواضع والوداعة ومحبة الآخرين، وروح القوة بوحدتنا كشعب واحد مقاوم بالفكر والأخلاق والسلاح، وبجيش قويّ برجاله وعتاده. بذلك وحده نطرد الخوف من نفوسنا، وكل أنواع الشرور والمخاطر من أرضنا، ونكتسب مناعة عظيمة ضدّ أبالسة "الفوضى الخلّاقة" و"العولمة" والعنصرية، وكل بِدَع "أنظمة" الأشرار الإرهابية "الجديدة"، الطامعين بأرضنا ومياهنا وهوائنا ونفطنا وغازنا، وباستعبادنا ( من خلال إفساد الزعماء بالمال، ومن خلال إفساد أخلاق الشعب ببثّ وتعميم ثقافة الموسيقى الشيطانية والمخدِّرات والفلتان الجنسي)، والمغتصبين لحريتنا وكرامتنا وسيادتنا واستقلالنا ووحدتنا وازدهارنا وسعادتنا.
 
               وهكذا، لا تعود أرضُ اللبن والعسل المقدَّسة، لبنان، أرضَ الشوك والعوسج والخوف والرعب والإرهاب والعهر والعقم الروحي والفكري والسياسي، ولا يعود الشعب اللبنانيّ شعبا محكوما عليه أن يعيش ذليلا وتعيسا إلى الأبد، تحت رحمة لعنة الفرقة الدائمة، والخوف الدائم، والإستعباد الدائم، والألم الدائم. فلعلنا نجعل من أرضنا الخصيبة أرض لبن وعسل، بالفعل، أرض أمان وسلام ومحبة، أرض حضارة إنسانية جديدة، سامية، لا يعكِّر صفاءها ونقاءها أحد، بعد اليوم.
 
               إنها خطوة شُجاعة أولى على طريق الخلاص. ليتنا نخطوها.

               إنه رهان شيّق، عظيم، فهل نربح الرهان؟ 
     
               هل نفعل ذلك، معا، شعبا ونخبا وحكومة؟ هل نفعله قبل فوات الأوان؟

               هل تبدأ الحكومة الجديدة (رغم تناقضاتها وخلافات أعضائها وارتباط بعضهم بحكومات قد أثبتت التجارب، بشكل قاطع، بأنها لا تريد الخير للشعب اللبناني)، وهل تكمل خطواتها الأولى لتحقيق ما يطمح إليه الشعب اللبناني بأسره؟ هل تكشف الفساد في الدولة، وتمنعه كلّيا وتقضي عليه، وتسنرد المال المسروق، وتحاسب الفاسدين (على يد قضاء حرّ، نزيه)، مهما علا شأنهم وعظمت حصانتهم؟ هل تؤمّن للشعب حياة كريمة وازدهارا وقوة ومنعة؟ هل توقف الحماس غير الطبيعي والتمادي المتهوّر في متابعة مغامرة الإستدانة الخطيرة من الخارج التي حذّر منها خبراء الإقتصاد، والتي أتبتت التجربة السابقة فشلها الذريع وتأثيرها السيّء جدا على الشعب اللبناني وحده، لا على الزعماء المغمورين بنِعَمِ الدولة وحلفائهم أصحاب المصارف والثروات الهائلة؟ هل تُكمِلُ فرض ضرائب جديدة، كما بدأ يلوح ويُشْتَمُّ في الأفق القريب من همس وغمز ولمز وذرّ رماد الوعود والنقّ في عيون الشعب، وخدعة تمرير التصريحات الناعمة بوجوب أخذ "القرارت الصعبة"، أي فرض الضرائب، من أجل تهيئة الشعب وتخجيله لقبول ضرائب جديدة، و"التضحية" بذاته هو وحده، من أجل وطن وهميّ، هو وطن الزعماء فقط، إسمه لبنان؟

               نكرّر دعوتنا لنخب الشعب اللبناني الجيدة، المبعثرة، في كل المجالات الروحية والفكرية والتربوية والمهنية والعمالية والمالية والإعلامية، بوجوب التواضع، أولا، والإتحاد فورا، وعدم الإختلاف على الزعامة، والعمل، معا، كخَلِيَّةِ النّحل العامل، على إنقاذ الشعب اللبناني من الهلاك. ولتجرؤ هذه النخب على تشكيل "حكومة ظلّ" أو "مجلس ظلّ"، أو "حركة إصلاح"، لا فرق، لمراقبة وانتقاد وتصويب أداء الحكومة الجديدة والنواب، وتوعية الشعب وحثّه على محاسبتها ومحاسبة المجلس النيابي الذي تمثله، في الإعلام، كل يوم، وفي صندوق الإقتراع، في الإستحقاق الإنتخابي القادم، قريبا جدا. 

               إن النّخب الجيّدة القليلة (في الحكم وخارجه)، المُتبقِّية في لبنان وما تزال حيّة تُرزَق، هي، وحدها، إنِ اتَّحَدَتْ وتعاونّتْ، خشبة الخلاص لشعب مُشَتّت، ضائع، غاضب، مغلوب على أمره، يئِنّ ويصرخ من القهر والديون والوجع، ويدّعي أنه قويّ وسعيد، وهي، وحدها، الراعي الصالح له.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه