لم يحملوا السلاح، ولم يكونوا طامعين في شيء، كانوا يعيشون مطمئنين في بلادهم، يأكلون من عمل أيديهم، فجأة تبدلت مصائرهم، عرف الأوروبيون طريقهم ولم يكتفوا بنهب أراضيهم؛ واستعمار بلادهم، بل ذهبوا إلى ما هو أبعد من ذلك، أخذهم بالقوة واستعبادهم، وشحنهم إلى أوروبا، ثم الأمريكتين، وكان أقسى ما عانوه هي رحلتهم فوق السفن، وعبر المحيط للوصول إلى الأسياد، أما هم فكانوا ينظرون إلى السماء ويأملون في غد أفضل.

حين طفت أوروبا على جثث المستعبدين

كانت الدول الأوروبية تتسابق في استعمار الأراضي حول العالم، وبعد أن وسعت رقعتها في أمريكا الجنوبية منذ منتصف القرن الخامس عشر، كان عليها أن تجد قوى عاملة تعمل في تلك المستعمرات الزراعية الجديدة لصناعة المنتجات وكسب الأموال، لذا كان الحل الأسهل لها استعباد الأفارقة للعمل لديهم دون مقابل، وبالأخص أن الأوروبيين كان لديهم منشآت تجارية علي الساحل الأطلسي الغربي لأفريقيا.

شاركت النخب السياسية والتجارية لدول وسط وغرب أفريقيا الوسطى في تزويد الأوروبيين بأبناء جنسهم من الأفارقة، وبدأت رحلة الاستعباد عبر الباعة الأفارقة والذين استولوا على العبيد وجلبوهم إلى الأسواق على الساحل الأطلسي، ودفع المشترون الأوروبيون والأمريكيون ثمن العبيد باستخدام السلع، كالقماش، والحديد، والأسلحة النارية، والخمور، ومواد الزينة، أما العبيد فلم يكونوا سوى مواطنين أسروا، سواء في حروب، أو من غارات كانت تشن على قبائلهم، وخطفهم.

تشير التقديرات أن حوالي 12.4 مليون أفريقي استعبدوا؛ ونقلوا عبر المحيط الأطلسي في سفن العبيد بين أواخر القرن الخامس عشر وأواخر القرن التاسع عشر، وتشير التقديرات أن هناك 1.8 مليون مستعبد توفي خلال رحلتهم المعروفة باسم «الممر الأوسط»، وألقيت جثثهم لإطعام أسماك القرش، أما العشرة ملايين الذين نجوا من الرحلة فاستعبدوا في نظام زراعي وحشي.

سفن مسلحة وأجساد عارية

في البداية استخدم التجار السفن التجارية العامة لتجارة العبيد، وفي وقت لاحق صنعوا سفن لمواصفات التجارة الخاصة، فهناك سفن إنجليزية وصل حجمها إلي 566 طن، بينما كان التجار الأميركيون يفضلون السفن الأصغر والمراكب الشراعية، والتي تراوح حجمها من 30 إلى 150 طنًا؛ لأنها كانت تتطلب أطقمًا أصغر، وعادة ما كان يقسم السطح السفلي للسفينة إلى حجرات منفصلة للرجال والنساء، مع تكديس الذكور معًا في أزواج، أما النساء فغالبًا ما تركوا دون قيود، ولكن مكدسين بما يعيق تحركهم، أيضًا ضمت سفن الرقيق أسلحة ومدافع أحيانًا في حالة العصيان، أو هجوم من قراصنة.

حملت السفن كل ما يمكن حمله من العبيد؛ وكان العدد في كل واحدة يتراوح من 250 إلى 600 مستعبد وربما أكثر، وفي أغلب السفن كان العبيد يتكدسون بطريقة غير آدمية، وأحيانًا مع عدم وجود مجال حتى للالتفاف بالجسد، وأظهر المخطط التفصيلي لسفينة بروكس البريطانية؛ إحدى سفن تجارة الرقيق أن نصيب كل رجل مستعبد من المساحة كان 1.80 متر للطول، و41 سنتيمتر للعرض، بينما كان نصيب المرأة 1.78 متر للطول، و41 سنتيمتر للعرض، أما الأطفال فكان نصيبهم 1.5 متر للطول، 36 سنتيمتر للعرض.

أظهر المخطط التفصيلي أيضًا لسفينة بروكس طريقة شحن العبيد فيها، والتي كانت عادة ما تحمل 609 مستعبد، وكان الطابق السفلي للسفينة يحمل 292 مستعبدًا، 130 منهم يرقدون تحت الرفوف، وكان هناك أيضًا 130 مستعبدًا يقودهم حظهم العاثر أن يكونوا في أماكن أكثر بشاعة، حول أجنحة أو جوانب الطابق السفلي للسفينة، وفي مساحة ارتفاع أقل من متر.

السفن لا تشكو إلى البحر

عاش العبيد فوق السفن في أوضاع مأسوية من الصعب تحملها، وفي رحلة تستغرق عادة ما بين ستة إلى ثمانية أسابيع، وربما يعطلها سوء الأحوال الجوية إلى 13 أسبوعًا أو أكثر، وبجانب تكدسهم كان الرجال مكبلي الأيدي والسيقان، وكانوا أحيانًا لا يتمكنون من الوصول إلي مكان التبول، وساهم دوار البحر والحرارة ونقص الهواء في انتشار الروائح الكريهة، وفي مثل هذه الأجواء ظهرت الأمراض عليهم، مثل الحمى أو التهاب المعدة والأمعاء، وأحيانًا كان يستيقظ أحد المستعبدين علي جثة ترقد بجواره، فقد مات زميله بسبب مرض ما، وكان هذه من أكثر اللحظات رعبًا لهم.

كان الجلد سمة أساسية في سفن العبيد، كان طاقم السفينة يستخدمونها دومًا لمنع أي محاولات تمرد، وأيضًا لإجبارهم على الرقص في مكانهم حين يغني طاقم السفينة، وكانوا أحيانًا يستخدمون محلولًا ملحيًا على جروحهم بعد ضربهم مباشرة ليعظموا الألم لديهم، أما النساء المستعبدات فكن عرضة للاغتصاب في تلك الرحلات من جانب طاقم السفينة، أما العبيد الذين يرفضون الطعام، فأجبروا عليه، بل إن تجار الرقيق صنعوا آلة ميكانيكية طويلة ورفيعة أسموها منظارًا؛ لإجبارهم على فتح أفواههم وإطعامهم عنوة، فأي خسائر في الأرواح يعني أن الأرباح المادية أقل.

قبل نهاية الرحلة بما يقرب من 10 أيام تسحب الأغلال من العبيد الذكور، لتختفي علامات القيود، ويحلق طاقم السفينة للعبيد لحاهم وأحيانًا شعرهم، ويستخدمون مادة نترات الفضة الكاوية لإخفاء القروح في الجسد، أما من ظهر لديهم خُصل شعر بيضاء فتصبغ بالأسود، وفي النهاية كان البحارة يضعون زيت النخيل علي أجسادهم ليجعلوا بشرتهم ناعمة ولامعة، ليصلوا عند الميناء وكأنهم كانوا في نزهة وليسوا في رحلة مقيتة.

التمرد ممنوع والانتحار أيضًا

حاول العديد من العبيد التمرد على وضعهم في تلك السفن القذرة، هناك من خططوا بجدية، مستخدمين مجموعة متنوعة من الوسائل للتواصل مثل الأطفال، وكانت مجموعات المتآمرين غالبًا ما تبقى صغيرة، على أمل أن ينضم الآخرون تلقائيًا عندما يحين الوقت، وفي بعض الأحيان كان العبيد قادرين على البقاء على قيد الحياة ضد الأسلحة المتجمعة ضدهم والسيطرة على السفينة، مثلما فعلوا على سفينة «متن كلير» في عام 1729، وفي حالات أخرى أدى التمرد إلى مقتل جميع من كانوا على متن السفينة بما فيهم طاقم السفينة نفسه، مثل ما حدث في  سفينة «الأشباح» المكتشفة في المحيط الأطلسي عام 1785. لكن الأكثر أن أغلب الانتفاضات المعروفة من سجلات سفن العبيد فشلت وأدت إلى خسارة كبيرة وعقوبات مروعة.

هناك روايات عن عبيد متمردين أحبط تمردهم، وتعرضوا للتعذيب من خلال قطع أيديهم وأذرعهم وأرجلهم، بناء على أمر من القبطان كدرس لبقية العبيد، أما النساء فتعرضن للهجوم وتشويه أجسادهن، ولم يجد العبيد حلًا لهذه الرحلة سوى بالانتحار، إيمانًا منهم أن الموت سيعيدهم إلى بلادهم مرة أخرى، وكان أسهل طريقة للانتحار القفز في البحر، لكن سفن العبيد كانت تحمل شبكات طويلة لمنعهم من الانتحار، بجانب المراقبة الشديدة لهم.

تمكن الأفارقة المستعبدون على متن بعض السفن من الحصول على السكاكين والسيوف وحتى البنادق، وأولئك الذين لم يستخدموا هذه الأسلحة ضد طاقم السفينة استخدموها في بعض الأحيان للانتحار، وهناك حالات موثقة من الأفارقة المستعبدين الذين انتحروا عبر تفجير أنفسهم مع آسريهم، مثل ما حدث على متن سفينة «بريطانيا الجديدة» في 1773، وهذا لا يزال واحدًا من أكثر الأشكال الدرامية للانتحار الجماعي الذي شهدته تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي.

العبيد يرون آهات الموت

أولوداه أكيوانو والذي ولد عام 1745، اختطف من منزله وهو صبي ذو 11 عامًا، وكان أبوه زعيم القرية، وكانت أمه ترى فيه زعيمًا يخلف أباه؛ لكنه اختطف وأرسل إلى الساحل الأفريقي ليركب سفينة العبيد، يقول في سيرته الذاتية عن وجوده في السفينة: «صرخات النساء، وآهات الموت حولت السفينة لمسرح رعب بالكامل، ولا يمكن تصوره تقريبًا».

اشترى أكيوانو ملازم في البحرية الملكية البريطانية، فكان يسافر أكيوانو معه، وعلم نفسه الإنجليزية كتابة ونطقًا، وتمكن من العمل في التجارة الخارجية في جزر الهند الغربية، واشترى حريته في عام 1766، وكتب سيرته الذاتية ونشرها في عام 1789، ليسجل أول حالة موثقة كشفت ما يحدث في سفن العبيد، وساهمت تلك السيرة الذاتية في إلغاء الرق في إنجلترا بعد صدورها بعشر سنوات عام 1799، لكن للأسف مات أكيوانو قبل أن يرى نجاحه عام 1797.

لم تكن سيرة أكيوانو هي الوحيدة في هذا المضمار، فقد كتبت العديد من الروايات عن العبودية وسفن العبيد من شهادات ناجين، وهناك العديد من الأفلام عن العبودية أبرزها فيلم «12 عاما عبدًا» للمخرج ستيف ماكوين، والفيلم حصل على جائزة الأوسكار، يقول ماكوين عن ذلك: «استمرت الحرب العالمية الثانية خمس سنوات، وهناك مئات من الأفلام حولها وحول المحرقة. واستمرت العبودية لمدة 400 سنة، ومع ذلك هناك أقل من 20 فيلماً عن العبودية في أمريكا».