منظر المسؤولين العرب في وارسو يتسابقون لالتقاط الصور مع رئيس وزراء الكيان الصهيوني يثير الاشمئزاز. وآخر الواقعين في وحل التطبيع خالد اليماني وزير خارجية عبد ربه منصور هادي، الموظف اليمني برتبة رئيس لدى السعودية. فقد تجاوز الحدود في الاعتدال في جلسته قرب نتنياهو ومنحه الميكروفون كي لا تفوته فرصة التعبير عن خيلائه أمام هذا الانصياع الخطير، على حساب الدم الفلسطيني والحقوق الفلسطينية.
وبما أنني أعرف علاقة خالد اليماني برئيسه في الأمم المتحدة، سفير المملكة عبدالله المعلمي، الذي رشحه لمنصب وزير الخارجية، فأكاد أجزم أن اليماني لا يجرؤ على الإطلاق أن يجلس قرب نتنياهو لو لم يؤمر بشكل مباشر من معلميه السعوديين الذين كانوا على الطاولة نفسها، وتناولوا كسرات خبز من رغيف نتنياهو نفسه، كما قال نائب الرئيس الأمريكي بينس في الاجتماع، الذي كشف بشكل مباشر أو غير مباشر عن هدف الاجتماع وهو، إعادة انتخاب نتنياهو لدورة خامسة، كي يحتفل مع ترامب في تدشين ما تبقى من صفقة القرن، بعد الانتخابات التي تعني تصفية القضية الفلسطينية مرة وإلى الأبد، كما يظنون.
ثم من الذي فوض هؤلاء أن يتحدثوا باسم القضية الفلسطينية، ويبرروا لقاءاتهم مع مغتصبي الأرض والشرف العربيين، بالبحث عن حل سياسي للقضية الفلسطينية؟ لا نريد أحدا أن يبرر انزلاقه في وحل التطبيع بحجة البحث عن حل للقضية الفلسطينية. أتذكرون اعتراف موريتانيا بإسرائيل عام 1999 وإنشاء مكاتب رعاية للبلدين، مقابل 50 مليون دولار، وكان وزير الخارجية الموريتاني ولد العافية محمد خونا، قد زار إسرائيل سرا ليهنئ نتنياهو بالفوز في الانتخابات، لكن البيان الذي تحدث عن الزيارة برر تلك الخطوة الجبانة بأنها تندرج ضمن جهود موريتانيا لحل القضية الفلسطينية.
وعندما حل شمعون بيرز ضيفا على المخزن المغربي عام 1986 برر ذلك لدفع جهود التسوية العادلة للقضية الفلسطينية «وتسهيل المفاوضات لبلوغ السلم» كما جاء في بيان التبرير. وعندما زار السادات الكنيست الإسرائيلي في نوفمبر/تشرين الثاني 1977 قال إنه جاء ليعيد الأراضي المحتلة إلى أصحابها، وانتهى به الأمر إلى التنازل عن سيادة مصر والانصياع لحصر حقوق الشعب الفلسطيني في الحكم الذاتي. والبحرين تستقبل وفودا إسرائيلية وتبعث فرقا لإسرائيل، تحت حجة دفع العملية السلمية وكذلك عُمان وغيرها. أما الدولة التي تجاوزت كل الخطوط الحمر فهي الإمارات، التي تحاول بدعم سعودي أن تزج النظام العربي بكامله في عملية تطبيع شامل، وانصياع تام للإملاءات الإسرائيليىة الأمريكية. النظام العربي الواحد أو شبه الواحد أصبح شريكا أساسيا في عملية تدمير القضية الفلسطينية الممنهج، تحت «فزاعة» الخطر الإيراني الذي اكتشفوه الآن، وليس عندما احتل الشاه الجزر الإماراتية الثلاث عام 1971.
إن المبالغة اللئيمة في تضخيم الخطر الإيراني صنعة صهيونية أمريكية، لابتزاز دول الخليح بهدف تجريف أموالهم، وتبرير الاصطفاف مع إسرائيل، والتخلي عن القضية الفلسطينية. إن ما يثير القلق في الوقت نفسه هذا الصمت المريب لقيادة سلطة رام الله عن هذا التطبيع الأرعن الذي يمر أمام عيونها وآذانها، وكأن الأمر لا يعنيها.

الصورة الأخرى – الجماهير العربية

ما هي مصلحة الجماهير العربية في التطبيع؟ أعطوني سببا واحدا يقنع جماهير الشعب المصري العظيم في احتضان قتلة الجنود المصريين ودفنهم أحياء في سيناء، أو قتلة أطفال مدرسة بحر البقر؟ لماذا يطبع العراقيون مع إسرائيل ومئات الشهداء يرقدون بسلام مع إخوتهم الفلسطينيين في جنين؟ لماذا يطبع التونسي وذكرياته ما زالت حية حول مجزرة حمام الشط 1985 واغتيال القائد الفلسطيني خليل الوزير 1988 واغتيال المواطن التونسي مهندس الطيران محمد الزواري في صفاقس عام 2016؟ أما عن الأردن وسوريا ولبنان فلا حاجة لنا بسرد المجازر والاحتلالات والحروب التي تعرضت لها هذه الدول، فلماذا تطبع؟ النموذج المشرف يأتينا من الكويت حكومة وشعبا. بلد عصي على الاختراق الصهيوني وعندما يسقط كاتب رديء أو مغرد تافه يصبح منبوذا. السيد مرزوق الغانم رئيس البرلمان الكويتي رد على المطبعين العرب بتأكيده، أن الكويت ستظل ضد التطبيع، بل إن النائب أسامة الشاهين تقدم بمشروع قرار لمجلس النواب لمنع التطبيع قانونا وليس فقط تطوعا. كما دشن ناشطون كويتيون حملة ضد التطبيع مع الكيان الإسرائيلي تحت اسم «التطبيع خيانة». وانتقد الناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشكل حاد موجة التطبيع الأخيرة مع الاحتلال الإسرائيلي، في أعقاب مؤتمر وارسو، رافضين فكرة التطبيع مع الاحتلال. ولنعرف الفرق بين المطبعين والرافضين للتطبيع فما علينا إلا أن نقارن في مواقع التواصل الاجتماعي بين الاستحسان والتأييد الذي يلقاه المرزوق، والاستهجان والنقد اللاذع الذي تلقته الكاتبة الكويتية المغمورة فجر السعيد الداعية للتطبيع.
البرلمان الأردني صوّت بالغالبية الساحقة على مشروع قرار، تقدم به رئيس لجنة فلسطين في المجلس، النائب يحيى السعود، يطالب بطرد السفير الإسرائيلي في عمان، وسحب السفير الأردني من تل أبيب. جاء ذلك ردا على دعوة الكنيست الإسرائيلي لمناقشة التصويت على فرض السيادة الاسرائيلية على المقدسات الإسلامية، وإنهاء الوصاية الهاشمية. ودعا مجلس النواب الأردني الثلاثاء، في مذكرة وقَّع عليها 30 نائبًا (من أصل 150 عضواً بمن فيهم رئيس المجلس)، بـ»قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، كإجراء أولي لمنع المساس بالوصاية على المقدسات». النقابات المهنية وضعت على أبوابها أسماء الأعضاء المطبعين. وقد نشرت قائمة سوداء بأسماء المطبعين وعددهم 22 شخصا، وقد تعرضوا لمقاطعة من زملائهم، وانتقادات حادة وأصبحوا معزولين، وبعضهم تاب وتراجع. وكانت لجنة مقاومة التطبيع قد أصدرت القائمة السوداء، وعلقتها في بعض مقار النقابات المهنية ولم تتمكن من نشرها في الصحف، وقامت على الفور عناصر من المخابرات الأردنية بمصادرة القائمة واتلافها واعتقال رئيس اللجنة وجميع أعضاء الهيئة الإدارية والزج بهم في السجن .

ضمير هذه الأمة سيظل حيا مهما حاول النظام العربي أن يشوهه أو يغريه أو يخيفه

الشعب اليمني المنكوب الذي يتعرض لحرب إبادة من قبل دول التحالف بقيادة السعودية، شعر بأن جلوس وزير خارجية عبد ربه منصور هادي إلى جانب نتنياهو إهانة لكل اليمنيين، فخرجت مظاهرات حاشدة يوم الأحد الماضي تندد بالتطبيع تحت شعار «البراءة من الخونة وتمسكا بقضية فلسطين». فقد تظاهر مئات الألوف في كل من صنعاء والحديدة وصعدة وذمار وعمران وحجة وتعز وإب ولحج والجوف والبيضاء والضالع ومأرب، مؤكدين وقوف الشعب اليمني مع القضية الفلسطينية.
وفي المغرب يقف المرصد الوطني لمناهضة التطبيع، الذي أسس عام 2010، بالمرصاد بهدف محاربة كل أنواع التطبيع ومحاربة العلاقات السرية والعلنية التي ينسجها النظام مع الصهاينة في كافة المجالات. وللعلم فإن بعض أعضاء لجان مكافحة التطبيع من اليهود المغاربة. وكما قال الكاتب اليهودي سيون أسيدون أن المسألة لا علاقة لها بالدين «لأن الموضوع تحرري وليس دينيا» وقال إن تأسيس المرصد خطوة «مهمة وخلاقة». أما حفنة الصحافيين المغمورين الذين قبلوا دعوة من وزارة الخارجية الإسرائيلية عام 2016 فلا أحد يعرفهم ولا أحد يؤيدهم. فهم باحثون عن شهرة عبر بوابة إسرائيل. وقد غطت صحيفة «يديعوت أحرونوت» وجوههم عندما نشرت صورهم. وما قيل عن الوفد الصحافي ينطبق على الوفد المدني عام 2018 والمكون من 11 شخصا لم تنشر أسماؤهم. لأن المطبع يعرف أنه يطعن شعبه أولا قبل أن يطعن الشعب الفلسطيني. وقد كتب عن الوفد معلق مغربي يقول: «هذا الوفد المتصهين لا يمثل إلا نفسه ولا يمثل أبدا الشعب العربي المغربي الذي قدم الشهداء من أجل فلسطين منذ عصر صلاح الدين الايوبي حتى حصار بيروت 1982».
باختصار، التطبيع من أعلى وليس من القواعد الشعبية، مع الأنظمة وليس للناس دخل فيه. فضمير هذه الأمة سيظل حيا مهما حاول النظام العربي أن يشوهه أو يغريه أو يخيفه. فالمطبعون لا مكان لهم في هذه الأمة إلا اللفظ والتهميش والعار. ثقتنا في هذه الشعوب العريقة التي لن تساوم عل كرامتها وتاريخها ومستقبلها، وما النصر إلا صبر ساعة.

محاضر بمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجرسي

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه