أمريكـا تتــردد، ستنسـحب مـن ســورية، لــن ننســحب مــن ســـورية !!

الخسـارات الأمريكـية التراكـمية جعـلت التــردد سمـة أساسيــة لسياساتها

كانـت تتــجه لحصـار روسيـا والصيــن وإذا بالعـدو في حديقتـها الخلـفية .........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على الأقل وعبر ستة عقود وأكثر، لم تكشف أمريكا عن حالة تردد وارتباك في أكثر من قضية كما هي عليه الآن  !!، فترامب يريد أن يقيم جداراً على الحدود مع المكسيك، وخصومه لا يوافقون على ذلك، حتى أنه عمد إلى ايقاف عمل الحكومة تعارضاً لتأمين المال من أجل انجاز ذلك، بشكل استثنائي وغير مسبوق،  حتى وصل التناقض والتباين في المواقف بينه وبين مستشاريه ووزرائه الأقربين، إلى الحد الذي دفع ببعضهم إلى تقديم استقالته اعتراضاً، أما الخلاف بينه وبين الحزب الديموقراطي فلقد وصل إلى حد التحدي ، هذه الصراعات القانونية حول مسائل استراتيجية لم تكن بهذه الحدة والتناقض، في أي مرحلة من المراحل التي مرت بها أمريكا .

.

( نحن الذين نقف في الصف المعادي لأمريكا )، نقرأ هذا الواقع المأزوم والمتقلقل الأقرب إلى الاحباط السياسي : على أن أمريكا في مأزق عسكري ـــ سياسي ــ اقتصادي عام، يُنبؤُ وكأنها على بوابة تحول تاريخية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معان، ولا أعتقد أنها مرت بمثل هذه الدوامة من التخبط، والبعثرة، منذ الحرب العالمية الثانية، ( منذ مشروع مارشال ) الذي سيطرت فيه أمريكا على أوروبا وحتى الآن، لأن سياستها الترامبية الرعناء، لم تأت من فراغ، بل هي محصلة تراكمية للسياسات الأمريكية العدوانية المتواترة الخرقاء التي استخفت بمصائر الشعوب، وكان همها خلخلة الأنظمة غير الموالية لها، أو اسقاطها، وهذه السياسات الاستعلائية المستخفة بدول وشعوب العالم الثالث، صارت نهجاً للولايات المتحدة الأمريكية منذ الرئيس ريغن وحتى الآن، هذه السياسات لم تترك صديقاً أو عدواً بدون أن تخلق معه مشكلة، وهذا يدلل على طيش وحالة احباط سياسي ،الآن جاء حصاده  .

.

..................[ سيستنكر من يرى في أمريكا القوة التي لا تقهر، ..................................فدعوهم في غيهم يعمهون ]

.

راكمت أمريكا خساراتها العسكرية والمعنوية، منذ أن بدأت سياساتها في محاصرة روسيا، مستخفة بالسكير العميل ( يلسن ) وريث غربتشيف، فبعد أن فككت الاتحاد السوفييتي، وضمت دول شرق أوروبا إلى حلف الناتو، شعرت بفائض من القوة والتفرد، وبأنها باتت تتحكم بمصائر الشعوب بدون منافس أو معارض، فاستمرت في تحديها لروسيا الاتحادية ، حيث أحاطتها بسوار من القواعد الصاروخية على طول الحدود الروسية المشتركة مع أوروبا الشرقية،  ولم تكتف بذلك بل بادرت إلى إشعال الحروب الملونة في الدول التي كانت في حضن روسيا واللصيقة بها، بدأتها بجورجيا مما ادى إلى تمزيقها واستقلال ( أوسيتيا طبعاً لصالح روسيا ) ، ثم حركت النازيين الجدد في أوكرانيا الذين قادوها إلى التقسيم أيضاً، شرق موال لروسيا وغرب موال للغرب، ليس هذا فحسب بل أيقظت المارد النائم فاهتبلتها روسيا فرصة لتعيد جزيرة القرم إلى سيادتها، التي تعتبرها جزءاً من الأراضي الروسية التاريخية .

.

 يمكن أن نعتبر أن اعادة القاعدة البحرية في جزيرة القرم إلى روسيا، حدث هام واستثنائي وغير عادي بكل المعايير، بل شكل وسيشكل حدثاً تاريخياً، وتحولاً محورياً على مستوى العالم، لا لأنها مكنت روسيا من السيطرة على أهم قاعدة عسكرية على البحر الأسود فحسب، بل لأنها خلصت روسيا الدولة القوية من حصارها، وهيأت لها فرصة الخروج من مجالها الاقليمي، إلى البحار الرحبة، وأنارت لها الحلم لإعادة مجد الاتحاد السوفييتي المهدور ، ولكن هذه المرة من أرضية فلسفية جديدة، ولكن مع تأثر واضح بقيم الاتحاد السوفييت،  التي باتت جزءاً من تراثها التاريخي . 

.

نعم شكلت هذه القاعدة نقطة انطلاق لطموحات روسيا الاتحادية ، ولكنها شكلت في الوقت نفسه الصفعة الأولى للغرور الأمريكي، لكنها لم تفقدها توازنها، لأنها كانت لاتزال تعيش فرحة تدمير دول البلقان، التي تعتبر الحديقة الخلفية لروسيا، ولكن خطأ أمريكا التاريخي أيضاً، أنها لم تقرأ تاريخ الرئيس بوتن الرئيس القوي، الذي قضى على التمرد الشيشاني الذي كان قد أعيا الحكومات الروسية السابقة، بل تعاملت معه على مقاس سلفه يلسن، كما أنها لم تدرك أن سيطرة روسيا على القاعدة الأهم على البحر الأسود في جزيرة القرم قد فتحت شهيتها نحو العالمية .

.

بعد تلك السقطة الاستراتيجية، حاولت أمريكا الاسراع إلى السيطرة على البحر الأبيض المتوسط من مغربه إلى مشرقه، بعد أن كانت قد دمرت العراق من قبل، وذلك لإغلاقه بشكل كامل أمام روسيا، فتقبر بذلك الحلم الروسي الوليد في مهده، فسارعت مع حلفائها إلى تدمير ليبيا والسيطرة عليها، استعداداً لمهاجمة سورية، ، حيث جهزت لها حملتها النوعية وذلك باستنفار جميع دول حلف الناتو والدول التابعة ، والتي تقارب المائة دولة، ولم تنسى اسرائيل التي كانت تحلم بمثل هذه الحملة التي تبني عليها أحلاماً عراضاً، أما محميات الخليج فتعهدت بتقديم المال والرجال .

الحشد النوعي الهائل، الذي كان سلاح الارهاب طليعته وأداته الأساس على سورية ، والتعاون الكامل من دول الجوار وعلى رأسهم تركيا، ولبنان، جعل أمريكا ومعها حلفاءها وعملاء الداخل، مطمئنين كثيراً للنتيجة الحتمية للحرب، وأن الانتصار قاب قوسين أو أدنى والذي كان لكل دولة حلمها ومصالحها التي تسعى لتحقيقها من احتلال سورية، ولكن كان الجميع مجمعاً على تدمير سورية وتمزيقها، فحوصرت العاصمة وفتحت آلاف الجبهات في كل المدن والقرى، وبدأت المذابح واعمال القتل، والخطف والتشريد، صمدت العاصمة وصمد الجيش العربي السوري، وعند كل انتصار وبحجمه كان حلم الانتصار يضمر، لدى المعارضين السوريين الذين كانوا يحلمون بشيئين متلازمين ( ارواء حقدهم، والعودة إلى كراسي السلطة، ) ولكن توسع خيبات أملهم دفعهم حقدهم ، إلى خندق الأعداء، وبعضهم التحق بإسرائيل مباشرة, وذهب حلمهم وريحهم في مهب الريح .

.

وللأهمية الاستراتيجية للجمهورية العربية السورية بالنسبة للحلم الروسي، وصمود الجيش العربي السوري، والعبرة التي أخذتها روسيا من الدرس الليبي، دفعت روسيا دفعاً للتدخل والعون، وكان قد سبقها حزب الله، وايران إلى الميدان ، مما عزز الثقة بالنصر، وسارع في تراكم الانتصارات، وبحجم تلك الثقة المستعادة وحجم الانتصارات كانت أحلام معسكر العدوان بكل دوله ومؤسساته، كانت أحلامهم تتآكل وتضمر وفق متوالية هندسية، أما أحقادهم فلقد أكلت أكبادهم  . 

.

كل متابع جادٍ بات يدرك أن أمريكا بخسارتها المدوية في سورية والعراق، والتي كانت تعتبر السيطرة عليهما،  ما هي إلا مقدمة للانتقال إلى بحر الصين لحصار الصين، والحؤول دون تحالفها مع روسيا، لكن خساراتها الاستراتيجية تلك والخسارات التي نزلت بها قبلها، حولت أمريكا من حالة الهجوم إلى حالة الدفاع عن مصالحها المتآكلة، ليس في المنطقة وحدها بل في العالم، وبات مسعاها ينصرف لترميم سمعتها التي نالها العطب عند أقرب حلفائها، وأتباعها، فحاولت اقامة تحالف عربي اسرائيلي ( ناتو عربي) ضد ايران، وفشلت، وذهبت إلى وارسو فتعزز هناك فشلها، حتى حلفاءها الغربيين تركوها لوحدها تواجه مصيرها .

.

اسألوا من يصلي لأمريكا من شيوخ الوهابية، والاخونج، وإسرائيل، وملوك الخليج، عن  مصير الحامي الذي جاء منقذاً، وإذا به يخيب الآمال، وتهتز حتى ثقتهم بفاعلية حمايته، اذن حلفاء وأتباع أمريكا دخلوا مرحلة الشك،  وهذه المرحلة سيكون لها ارتداداتها السلبية، البعض يتوهم بل ويرغب أن تشتبك بحرب مع ايران تشفياً وليكن بعد ذلك الطوفان .

ونحن نقول لهؤلاء بل ونقطع أملهم، أن أمريكا غير قادرة على تحمل خسائر الحرب،  وهذا ينطبق تماماً على اسرائيل، فلا تحلموا ولا تأخذوا أحلامكم هذه سبباً للإبقاء على بعض من أمل تبخر .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نعم وبكل المعايير تعتبر أمريكا خاسرة لجميع حروبها، ولكن خسارتها لحربها في أوكرانيا ضد روسيا ، والتي مكنت روسيا من السيطرة على القاعدة البحرية الأهم في جزيرة القرم على البحر الأسود، وخسارتها لحربها أيضاً على سورية، مكنت روسيا من تعزيز قاعدتها العسكرية على البحر الأبيض المتوسط، وهذان الشرطان سمحا لروسيا الخروج إلى البحار الدافئة، وتحقيق جميع الشروط الضرورية لتشكيل القطب المشرقي الجديد المنافس .

هذا التغير التاريخي الجو ـــ سياسي، سيكون له نتائج هامة جداً وعلى جميع الأصعدة، وأهمها تقليص الدور الأمريكي بشكل خاص والغربي بشكل عام في المنطقة، وهذا التغير الجذري سيجبر اسرائيل على تقليم أظافرها الطويلة، وسيدفع ممالك الخليج لتدبر أمرها، والتحسب ليوم كريهة .

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه