من الطبيعي أن يكون الرئيس التركي رجب أردوغان ورئيس حكومة بنيامين نتنياهو آخر من يسلّم بالنصر السوري، وبسيادة غير منقوصة للدولة السورية. ومن الطبيعي أن تكون المناورة في الميدان والمراوغة في الالتزام هما عنوان سياسة كل منهما. فإذا كان من مستفيد رئيسي من الحرب على سورية لتدميرها وتفتيتها كقلعة مركزية في محور المقاومة وتنامي وتعاظم قوته في ظل القلق الوجودي من تعاظم وتنامي قوة هذا المحور، فهو كيان الاحتلال، وإذا كان من طامح للهيمنة على العالمين العربي والإسلامي من بوابة إسقاط قلب العروبة النابض الذي تمثله سورية، فهو حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب أردوغان الذي جمع قيادته لتنظيم الأخوان المسلمين مع إمساكه بمقدرات تركيا الدولة الأهم في المنطقة، مع انتمائه لحلف الأطلسي، ليشكل القاعدة الرئيسية للعدوان على سورية وهو يعيش أحلام العثمانية الجديدة.

– المراقبة للسياسات والتحركات التركية والإسرائيلية، لا يجب أن تتم على خلفية وهم التوقع بلحظة تموضع نهائي عنوانه التسليم بالفشل الكامل والخسارة الكاملة، بل لاستكشاف درجة الضيق التي تعيشها هوامش الحركة المتاحة أمام كل منهما، وفي هذا المجال يبدو الحضور الروسي في سورية عنوان المعادلة الجديدة التي تتموضع عندها الحسابات التركية والإسرائيلية، وبمثل ما شكل إسقاط تركيا للطائرة الروسية نهاية العام 2015 مدخل رسم روسيا لمعادلة جديدة فتحت مسار تحكّم روسيا برسم قواعد الاشتباك في سورية بالنسبة لتركيا، شكل إسقاط جيش الاحتلال للطائرة الروسية في نهاية العام 2018 حدثاً مشابهاً، ومثلما استمرّت المراوغة التركية لكن تحت سقف عدم التصادم مجدداً مع روسيا، يسير كيان الاحتلال في الطريق ذاتها. ومثلما بقي أردوغان يتحدّث عن خطر على أمن تركيا من سورية ويتعهّد بمواصلة العمل عسكرياً ضده، سيبقى يتحدث نتنياهو عن خطر على أمن كيان الاحتلال ويتعهد بمواصلة العمل ضده.

– تركيا لم تُقدم على أي فعل إيجابي في ترجمة تعهداتها وفقاً لمسار أستانة، لكنها لم تجرؤ على أي من الأمرين التاليين، الأول هو فعل سلبي يوصلها إلى التصادم مع الجيش السوري وحلفائه، والثاني إعاقة عمل عسكري للجيش السوري وحلفائه بوجه الجماعات المسلحة، وتركيا التي بقيت تتحدّث عن المنطقة الآمنة التي تريد إقامتها باقتطاع جزء من الجغرافيا السورية بقوة الاحتلال، صارت تنتقي الكلمات فيتحرّك مفهوم المنطقة الآمنة من السيطرة العسكرية التركية المباشرة، إلى رفض أي سيطرة أخرى، إلى رفض أن تكون المنطقة بعهدة من لا تثق بهم تركيا، تمهيداً لملاقاة مفهوم موسكو لتطبيق اتفاق أضنة والاستعداد للدخول كشريك ضامن فيه ضمن منطقة حدودية تنتشر فيها الشرطة العسكرية الروسية.

– كبان الاحتلال الذي لن يقوم بتقديم أي التزام إيجابي نحو احترام مفهوم السيادة السورية، التزم بأمرين، الأول عدم التقرّب من الأجواء السورية منذ إسقاط الدفاعات الجوية السورية لطائرة إسرائيلية، والثاني الالتزام بعدم استهداف مواقع حيوية للجيش السوري ورموز حكومية ومدنية للسيادة السورية، وكيان الاحتلال الذي بقي بعد الإعلان عن نشر شبكة صواريخ الأس 300 في سورية، يتحدث عن نيته مواجهة واستهداف ما يصفه بالوجود الإيراني، صار ينتقي الكلمات في الحديث عن مضمون الاستهداف، فبعدما كان يقول نتنياهو إنه سيواصل غاراته، صار يتحدّث قبل زيارة موسكو عن العمل ضد الوجود الإيراني دون استخدام المفردات العسكرية. وهو في موسكو يستعمل كلمات أخرى، فيقول إنه سيواصل العمل لمنع إيران من تحقيق أهدافها في سورية.

– قرار قيادة محور المقاومة التي كان لقاء القمة للرئيس السوري بشار الأسد والإمام علي الخامنئي، منصتها الحاضرة عشية زيارة نتنياهو إلى موسكو، هو الردّ على كل عدوان إسرائيلي بما يتناسب معه كماً ونوعاً، وموسكو كانت بصورة هذا القرار الذي تبلّغه نتنياهو، مع نصيحة بالانتباه لمخاطر انزلاق جدي إلى مواجهة تخرج من تحت السيطرة، فجاءت البلاغة إلى لغة نتنياهو في انتقاء الكلمات.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه