تشهد العلاقات بين بعض الدول العربية وبين «إسرائيل» حالة غير مسبوقة لجهة التقارب العلني، فلم نعد نرى تخفياً أو خجلاً من العلاقات التي استمرت لسنوات في الظلّ، لكن الجديد في مسار العلاقات العربية ـ «الإسرائيلية» هو توجه الكيان الصهيوني نحو الانفتاح على العراق، فهذا المسار بدأ بإعلان وزارة الخارجية «الإسرائيلية» أنّ ثلاثة وفود عراقية زارت «إسرائيل» مؤخراً وبحثت قضايا خاصة بإيران والتطبيع، مضيفة أنّ الوفود ضمّت شخصيات وقيادات لهم تأثيرهم في العراق، واجتمعوا فيها ببعض الأكاديميين والمسؤولين «الإسرائيليين»!

تبع هذا الإعلان قرار «إسرائيلي» بشطب العراق من الدول المعادية، وأيضاً أعلن وزير المالية «الإسرائيلي» قراراً يسمح فيه بالتبادل التجاري مع العراق.

إضافة إلى ذلك وجدنا حملات منظمة على صفحات التواصل الاجتماعي تدعو للتطبيع العراقي مع «إسرائيل»، ودعوات ليهود العراق المنتشرين في العالم لتنظيم حملات لزيارة «إسرائيل» بشكل منسّق ونشر كلّ هذا عن طريق أفلام فيديوية تمّ إنتاجها بشكل محترف للإيحاء بأنّ جيلاً في العراق نشأ يدعو للسلام مع «إسرائيل» ويحارب دعوات القتال والمقاومة التي تدعو لها فصائل عراقية وفاعليات اجتماعية عديدة.

كلّ ذلك وأكثر من تحركات مريبة استوجبت تحركاً فعلياً من قيادات شعبية وسياسية عراقية للردّ على توجهات كهذه، إذ تمّ الكشف عن وثيقة وقعها عدد من قادة فصائل المقاومة والقيادات السياسية جاء فيها: إنّ كلّ من يسافر أو يتصل بالكيان «الإسرائيلي» يُعتبر مؤيداً وداعماً لسلوكه الإجرامي، واعتبرت الوثيقة التعامل مع «إسرائيل» تعاملاّ تجسّسياً وخيانة للبلاد، واختتمت بتأكيد رفض الشعب العراقي وحكومته وقواه الوطنية كلّ أنواع التطبيع مع «إسرائيل» على أن تتمّ ملاحقة كلّ من يدعو بخلاف ذلك قانونياً وشرعياً وشعبياً .

الوثيقة وقعها كلّ من نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي وأمناء عصائب أهل الحق ومنظمة بدر وحركة النجباء وكتائب حزب الله.

من جهته أكد جعفر الحسيني الناطق العسكري باسم كتائب حزب الله رفض الشعب العراقي لأيّ شكل من أشكال التطبيع والاتصال مع «إسرائيل»، مؤكداً انّ الموقف الرسمي العراقي يؤكد رفض التطبيع، وانّ العراق سيشهد ثورة شعبية رافضة للتطبيع.

اما المسار الآخر لمحاولات ترويض العراق وإفراغه من محتواه المقاوم وإبعاده عن القضايا المركزية وإشغاله بأمور تافهة هو التحرك السعودي المتزامن مع التحرك «الإسرائيلي» لجهة تعزيز الحرب الناعمة حيث تمّ إطلاق قناة «MBC العراق»، وترافق الإعلان مجموعة خطوات رأينا فيها استمالة مسؤولين عن صفحات ومواقع الكترونية مؤثرة في الداخل العراقي تمهيداً لتحقيق رغبات سعودية في العراق عجزت الرياض عن تحقيقها عسكرياً وتحاول الحصول عليها ثقافياً وإعلامياً بعض الكتل السياسية هاجمت الخطوة السعودية إذ وصف ائتلاف دولة القانون الذي يتزعّمه رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي خطوة فتح السعودية للقناة واستدراجها لفنانين وإعلاميين بأنها وسيلة للتدخل بالشأن العراقي بشكل سافر، كما أعربت حركة عصائب أهل الحق عن رفضها إطلاق القناة، وقال القيادي في الحركة ليث العذاري إنه لا يمكن الوثوق بمنهجية وسياسة هذه المجموعة بعد أن أثبتت دعمها للإرهاب كماكينة إعلامية له.

في المجمل فإنّ العراق الآن يتعرّض لحرب ناعمة قذرة وقودها جهلة ومنتفعون تسيّرهم تل أبيب بحجة السلام والتطبيع، والرياض بحجة الانفتاح على الواقع العربي وتعميق العلاقات مع السعودية الراغبة بمحو الصورة الدموية التي ساهمت بصنعها في العراق من خلال عملائها، وبالتالي التوجه نحو قيادة سنة العراق من خلال استثمارات ضخمة بحجة إعادة إعمار المناطق المحرّرة ما يتطلب خلق رأي عام مؤيد لها، وهذا يتمّ بأبسط طريقة عبر العاطفة والترفيه والفن، خصوصاً انّ الإعلام العراقي ضعيف جداً في هذا المجال ما يسمح لحصول القناة على مكانة مهمة في البيت العراقي وبزمن قياسي…

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه