بالكثير من السذاجة: هل حانت لحظة الانفجار في العلاقات بين واشنطن والرياض؟

 

في الخليج، يتحدثون عن العلاقات الملتبسة، وقد فرضتها سياسات الابتزاز، ايضاً سلسلة الاهانات، أمام الملأ، التي احترفها دونالد ترامب.

 

بالامكان الكلام عن الانفجار المخملي بعد نحو ثمانية عقود من التماهي الميكانيكي مع الاستراتيجيات الأميركية، وحيث كان للمال السعودي، وللايديولوجيا السعودية، الدور الشديد التأثير في مسار الشرق الأوسط، أو في الاتجاهات السياسية للعديد من الدول الاسلامية.

 

لا مجال للصدمات الكهربائية في أي سيناريو يتعلق ببلورة قواعد جديدة للعلاقات. المملكة تعاني من تصدعات بنيوية حادة. المخزون العقائدي الذي تراكم على مدى عقود. الفسيفساء القبلية بالفوضى الداخلية العاصفة، الطعنات التركية في الصدر، وبعدما تمكن رجب طيب اردوغان من أن ينشر الآلاف من جنوده عند الخاصرة السعودية. الاهتزازات داخل العائلة المالكة.

 

دونالد ترامب الذي أغدق الوعود على الأمير محمد بن سلمان (الحاق قطر بالمملكة، المؤازرة الميدانية في اليمن، اقامة نظام تابع للمملكة في دمشق...)، لم يف بأي من هذه الوعود. على العكس، في كل من هذه البلدان بدت السعودية كما لو أنها تلاعب المستحيل. قطر تحت المظلة الأميركية ـ التركية. النظام في سوريا يستعيد قوته. اليمن أشبه ما يكون بمستنقع النار.

 

لا بل أن السعوديين يرون أن الأميركيين يرغبون في استنزافهم في اليمن. احداثيات مجتزأة، مراقبة مشكوك فيها لعمليات التهريب عبر البحر الأحمر. أسعار باهظة للقنابل والصواريخ. تكلفة تكاد تكون خيالية للخدمات اللوجيستية، ومنها تزويد القاذفات جواً بالوقود.

 

للأميركيين كلام مختلف. قرار «عاصفة الحزم» كان «مفاجئاً لنا». الجيش السعودي الذي ترعرع في الصحراء، ودون أي خبرة قتالية، أبدى عجزاً مروعاً في العمل داخل تلك التضاريس الجغرافية البالغة التعقيد.

 

لا بل أن الأميركيين يستغربون كيف أن جيشاً أنفقت عليه مئات مليارات الدولارات، وتابع ضباطه دورات في أرقى الكليات الحربية في الغرب، لم ينتج قيادات عسكرية لامعة. الذي يثير الاستهجان أكثر أن الضباط اليمنيين، بأوضاعم المادية البائسة، أكثر كفاءة بكثير.

 

في الخليج ينقلون الكثير من الكلام الأميركي حول حرب اليمن. لا ريب أن الايرانيين قدموا السلاح والمال، لكنهم ليسوا موجودين على الأرض، لا استشارياً ولا ميدانياً، ولا حتى في مصانع الصواريخ.

 

اليمنيون هم الذين يضطلعون بكل شيء دون الاستخفاف بقدراتهم «الذهنية»، ان في التخطيط العسكري، أو في استيعاب التقنيات المعقدة الخاصة بالصواريخ أو بالطائرات المسيّرة.

 

ما يظهر هشاشة الجيش السعودي أن الحوثيين الذي لا يتخطى عددهم مئات الآلاف تمكنوا من الصمود لأربع سنوات في وجه الأرمادا الجوية، وأمام مئات الدبابات والمنظومات الصاروخية والمدفعية الأكثر تطوراً، والأكثر فاعلية في العالم.

 

حتى ان كمية النيران التي استخدمت في الحرب تتعدى كمية النيران التي استخدمتها الولايات المتحدة في حروب الهند الصينية.

 

ما حدث في الأيام الأخيرة كان مثيراً للذهول. السعوديون حاولوا الافادة من الاجراءات الخاصة بحل مشكلة الحديدة لشن سلسلة من الغارات الصاعقة على أهداف أخرى من شأنها انهاك الحوثيين وحلفائهم.

 

المفاجأة كانت في اختراق الحوثيين نقاطاً حدودية حصينة, و الاستيلاء على مواقع حساسة، كما دمروا عدداً من الدبابات والآليات. أثناء المواجهة، كان واضحاً أن الجنود السعوديين كانوا أكثر ميلاً الى التقهقر منهم الى التصدي.

 

السعوديون لا يواجهون المشكلات في الجبال والأودية فحسب. سكان المهرة الساحلية، والمعروفون بعدائهم للحوثيين، يتظاهرون ضدهم ويمنعونهم من السيطرة على منطقتهم ان لاقامة قاعدة عسكرية دائمة فيها أو لمد أنابيب النفط اليها لتكون محطة متقدمة في اتجاه بحر العرب.

 

ولي العهد الذي يسكنه هاجس اقامة «الامبراطورية السعودية» قلق من نوايا واشنطن. لا شك أن البيت الأبيض وقف الى جانبه ضد رجب طيب اردوغان الذي حاول فرض صفقة وصفت بالحساسة جداً عليه، في قضية جمال خاشقجي. في سائر الملفات الأخرى، بدا أن ما يعني الأميركيين الاستنزاف المنهجي للمملكة دون أي اعتبار للطموحات الاقتصادية للبلاط.

 

احدى الصحف الهندية، وحيث كان الاستقبال الملكي، وصفت الاسترتيجية الراهنة للأمير الشاب بـ«استراتيجية الأقحوان». الاستدارة نحو آسيا. زيارات لباكستان والهند والصين، وعقود استثمارية بعيدة المدى. هل هو الانقلاب المخملي في العلاقات السعودية مع العالم؟

 

باحثون استراتيجيون يتساءلون كيف للمملكة «الصعود» الى الهضاب الآسيوية في حين أن علاقاتها بايران أقرب ما تكون الى المواجهة، كما أن علاقاتها مع تركيا تتردى يوماً بعد يوم؟

 

لدى البلاط قناعة مطلقة بأن «الحصان العثماني» اشد خطراً عليها من «الحصان الفارسي». المش

 

كلة أن اي خطوة نحو طهران ينبغي أن تمر بالبيت الأبيض. دونالد ترامب الذي يراقص كيم جونغ ـ أون يرى في عمامة آية الله خامنئي القنبلة النووية. ايضاً المصنع الأكبر للارهاب.

 

ها أن السفيرة الأميركية اليزابيت ريتشارد في بيروت، ودون مراعاة الحد الأدنى للأصول الديبلوماسية (هل نحن في فنزويلا أم في لبنان؟)، تدعو، علناً، الى «التحرك» ضد حزب الله.

 

ليست الفوضى الخلاقة بل الفوضى المدمرة. الخليجيون يسألون « هل تتصورون أن العقوبات تقتصر على الايرانيين وحدهم؟ تلك الصفقات الضخمة التي تفرض علينا، أليست شكلاً من أشكال العقوبات؟».

 

الديبلوماسي الأميركي المخضرم ريتشارد هاس قال «دونالد ترامب يجازف بأوراقنا الأخيرة في الشرق الأوسط»....

 

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه