شكلت زيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى طهران في توقيتها ودلالاتها محطة هامة على صعيد العلاقات التحالفية بين سورية وإيران، وعلى صعيد التطورات الحاصلة في المنطقة والعالم..

 

أولاً: وجهت الزيارة ضربة موجعة للحلف الأميركي الصهيوني الرجعي العربي، وسقوطاً مدوياً لأحد أهمّ أهدافه التي أرادها من حربه الإرهابية الكونية على سورية وهي فكّ عرى التحالف السوري الإيراني.. فمن المعروف أنّ الولايات المتحدة حاولت عبر المملكة السعودية إقناع الرئيس الأسد بالتخلي عن علاقته مع إيران مقابل إغراءات مالية والقبول ببقائه في الحكم وبالتالي وقف الاحتجاجات المدبّرة ضدّه.. ولأنه رفض هذا العرض الأميركي بوساطة السعودية، عمدت واشنطن وبالتعاون مع مسؤول الاستخبارات السعودية في ذلك الوقت بندر بن سلطان إلى تنفيذ خطتهم لإثارة الاضطرابات في سورية لإسقاط الرئيس الأسد، ومن ثم حشد وتجنيد الإرهابيين من كلّ أنحاء العالم وتمويلهم وتسليحهم بأحدث الأسلحة وإدخالهم إلى سورية عبر تركيا والأردن ولبنان لتدمير الدولة الوطنية وتفتيت سورية…

 

ثانياً: انّ هذه الزيارة إلى إيران هي الأولى للرئيس الأسد، منذ بدء الحرب على سورية، فهي تأتي تتويجاً لانتصار محور المقاومة على حلف العدوان الإرهابي الذي مُني بهزيمة نكراء في سعيه لإسقاط سورية وتحويلها إلى دولة تابعة وعميلة لواشنطن، وبالتالي محاصرة وعزل الجمهورية الإسلامية الإيرانية والعمل على تقويض استقرارها وإخضاعها للإملاءات الأميركية الصهيونية.. لهذا يمكن القول بأنّ الزيارة كانت بمثابة التعبير الواضح والساطع عن نجاح الحلف السوري الإيراني، القائم منذ انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية، قبل أربعين عاماً، في تحقيق النصر على أعداء البلدين، وتعزيز وتمتين أواصر حلفهما الاستراتيجي ليصبح حلفاً مصيرياً، معمّداً بدماء السوريين والإيرانيين في ميدان القتال ضدّ قوى الإرهاب التكفيري والعدو الصهيوني..

 

لقد بات من الطبيعي أن يُقال إنّ سورية شكلت عمقاً استراتيجياً لإيران، كما أنّ إيران شكلت عمقاً استراتيجياً لسورية.. وبات البلدان يشكلان عمقاً استراتيجياً للمقاومة الفلسطينية واللبنانية وركيزتين لمشروع المقاومة لتحرير فلسطين والمنطقة من الهيمنة الاستعمارية الأميركية التي تقف وراء الحروب المباشرة وغير المباشرة والفوضى الهدامة التي تستهدف الدول العربية وإيران وتصفية القضية الفلسطينية…

 

ثالثاً: عكست الزيارة عمق العلاقات بين الدولتين، ومستوى التقدير العالي لمواقف الرئيس الأسد وصلابته في مواجهة أشرس حرب إرهابية كونية تتعرّض لها دولة في العالم، حيث عبّر مرشد الثورة الإمام الخامنئي عن هذا التقدير للرئيس الأسد بالقول: لقد أثبتم بصمودكم أنكم قد تحوّلتم إلى بطل على صعيد العالم العربي، وقد اكتسبت المقاومة بواسطتكم المزيد من القوة وعززتم سمعتها .. طبعاً هذه شهادة كبيرة من قائد الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومرشدها الذي كان، إلى جانب الإمام روح الله الموسوي الخميني، من قادة الثورة الإيرانية التحررية التي أسقطت نظام الشاه العميل لأميركا وكيان العدو الصهيوني..

 

رابعاً: أنّ زيارة الرئيس الأسد كان لها كلّ هذه الأهمية والأبعاد والدلالات، عبّرت عواصم الحلف المعادي عن انزعاجها وخيبتها من حصولها.. لا سيما أنها جاءت بعد وقت قصير على مؤتمرها المشبوه الأهداف في وارسو الذي سعى دون جدوى إلى تشكيل جبهة عربية إسرائيلية أوروبية ضدّ إيران.. حيث اقتصرت هذه الجبهة على بعض الأنظمة العربية المطبّعة مع العدو الصهيوني، وهي أنظمة تابعة لواشنطن لا تملك حرية قرارها أصلاً.. وما حصل لا يعدو كونه تظهيراً لحلف قائم أصلاً بين كيان العدو الصهيوني والولايات المتحدة وهذه الأنظمة الرجعية العربية، منذ انتصار الثورة الإسلامية، حيث كان هذا الحلف المشؤوم وراء دفع ودعم الرئيس العراقي صدام حسين لشنّ الحرب على الثورة الإيرانية لإخمادها وإطفاء جذوتها التحررية…

 

انّ زيارة الرئيس الأسد إذ تعكس كلّ هذه الدلالات، تؤكد أنّ استراتيجية المقاومة للمشروع الأميركي الصهيوني الرجعي نجحت في تحقيق الانتصارات.. وها هي الآن تخطط لتثمير هذه الانتصارات على كلّ المستويات، وفي نفس الوقت مواجهة الحرب الأميركية الصهيونية المستمرة بأشكالها المتعدّدة، لكن من نقطة جديدة أصبح فيها محور المقاومة أكثر قوة واتساعاً، وفي ظلّ معادلات إقليمية ودولية لمصلحته نتجت من انتصاراته الاستراتيجية في سورية، فيما الحلف المعادي يعاني من مآزق وتداعيات هزيمته وعجزه عن استعادة زمام المبادرة في الميدان…

 

ونجد الإمبراطورية الأميركية المتصدّعة في حالة من التأزّم والتخبّط بفعل انهيار هيمنتها الأحادية على القرار الدولي، ونشوء موازين قوى عالمية وإقليمية على أنقاضها.. وفي هذا السياق تتجلى الشراكة الإيرانية السورية في مواجهة الحصار الاقتصادي، الذي تفرضه الولايات المتحدة على البلدين، في محاولة يائسة للحدّ من تداعيات انتصار محور المقاومة… تتجلى هذه الشراكة في التعاون المشترك لاعادة إعمار سورية وعدم السماح للدول التي تآمرت على سورية وشاركت في تدميرها بأن تشارك في الإعمار وبالتالي منعها من تحقيق أيّ من أهدافها لابتزاز سورية بالإعمار…

 

انّ القيادة في سورية وإيران تدرك جيداً أنّ الحفاظ على الانتصار العسكري يتطلب النجاح في معركة الإعمار وإحباط أهداف الحصار الغربي الاقتصادية والسياسية في آن.. ولا شك في أنّ زيارة الرئيس الاسد قد بحثت في كلّ ذلك، وأيضاً في سبل مواجهة الحصار وخطط الغرب لمنع سورية وإيران من تثمير الانتصار سياسياً وعسكرياً، وهي خطط تتطلب بكلّ تأكيد الانتقال من الدفاع إلى الهجوم لجعل الحلف المعادي يدفع الثمن أيضاً إذا لم يتوقف عن هذه السياسات ويسلّم بالهزيمة والمعادلات العسكرية والسياسية المتولدة منها.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه