مؤتمر شرم الشيخ العربي ــــ الأوروبي ما هي مبـررات انعقاده ؟.
هل يريد الاتحاد الأوروبي توجيه رسالة بأنه سيعود إلى المنطقة ؟.
هل الاتحاد الأوروبي يعمل لإملاء الفراغ بعد الخروج الأمريكي ؟.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يمكن أن نضع ما قاله رئيس مصر في خطابه أمس في مؤتمر شرم الشيخ، عنواناً للمؤتمر لقد قال : [ لكم قيمكم ولنا قيمنا وعلى كل منا أن يحترم قيم الآخر ] حتى هذا القول العام لا يعبر عن الواقع السياسي ـــ الاقتصادي ــــ القيمي، بين الطرفين، لأن ( التوازن مفقود، مفقود، مفقود، يا ولدي ] كيف تتوازن المصالح، والسياسات، والقيم، بين دول رأسمالية نفعية، ذات تاريخ استعماري أسود في هذه المنطقة وفي غيرها، جاءت تبحث عن هوية كانت قد فقدتها، منذ أن تنازلت عن المنطقة وسلمت مفاتيحها للولايات المتحدة، وبين دول عربية شكلية مهيضة الجناح لاحول لها ولا طول، الغرب يفكر عنها، ويخطط لها، ويحدد لها المهمات الواجبة التنفيذ، لذلك تبقى العلاقة بينهما علاقة (متبوع ـــ إلى تابع )، حتى العلاقة بين المتبوع والتابع هنا غير دقيقة أيضاً، ولا تعبر عن الواقع، لأن العلاقة بين الطرفين في حقيقة الأمر، هي علاقة ثلاثية الأبعاد، فهي علاقة بين ( تابع لمتبوع ـــ وبين تابع، لتابع، لمتبوع ) في نفس الوقت، وللتوضيح نقول : انقلبت أمريكا إلى سيد للعالم ومن خلال ذلك يقود وراءه تابعاً هو أوروبا، أي أن أوروبا تابع لأمريكا السيدة وهي هنا المتبوعة، والعرب بعضهم تابع لأمريكا مباشرة، وبعضهم تابع لأوروبا التابعة، والتي تنيط لهذا البعض بعض المهمات التفصيلية الجزئية .
.
ولكن الموضوعية تقتضي انصاف الأوروبيين، لأنهم كانوا وقبل أقل من قرن ( متبوعين ) واسياداً على أكثر من ثلثي مساحة العالم، ولكنهم وبعد الحرب العالمية الثانية، تنازلوا عن عهدتهم إلى أمريكا، حيث تولت أمريكا المسؤولية عن أوروبا ( القاصرة ) كلها وعن مستعمراتها، فأصبح الملوك والرؤساء العرب من حينه برتبة ( عبد مأمور لعبد مأمور )، من هنا يمكن أن نفهم عدم جدوى مثل هذه المؤتمرات، لأن الرؤساء الأوروبيين لايزال قرارهم منقوصاً وخاضعاً لأوامر السيد الأمريكي، ولو ظهروا برتبة الرؤساء المبجلين الذين يُستقبلون على السجادة الحمراء، وكذلك الملوك العرب المحاطين بالأبهة والفخار، هم ليسوا إلا أجراء مأجورين لكن برتبة ملوك، مكلفين بحماية النفط ورعاية مصالح أمريكا، التي تتقاطع أحياناً مع المصالح الأوروبية جزئياً، ولكن غلة الحصاد الأخير، لابد وأن تصب أولاً بأول في طاحونة اسرائيل الوكيل الحصري لأمريكا في المنطقة، المكلفة اقليمياً بتوزيع المنافع .
.
سينبري البعض ويتهمنا بالمبالغة، ولكن المثال الساطع على ما أكدناه، أن الملوك يقدمون الفتات لشعوبهم مقابل الاستمرار في ممالكهم إلى يوم الدين، وهم في حقيقة الأمر يعيشون في عروش ملكية ، ولكنهم يمتثلون للأوامر التي توُجه لهم من السيد الأمريكي، حيث نهضوا بكل المهمات التي طلبها منهم السيد الحامي، بمنتهى الدقة والالتزام عندما قدموا جميع طاقاتهم المادية ، والبشرية ، حتى الفلسفة الفقهية الدينية الوهابية الاسلامية تكرم بها خادم الحرمين وقدمها، لتكون الفلسفة التي اعتمدها الوحوش الارهابيون في قتالهم، في ليبيا، والعراق، وسورية، وحتى اليمن الذي كان سعيداً أو يجب أن يكون سعيداً ، وتحت رعاية الملوك وعنايتهم وحرصهم الشديد تم تدمير البلدان العربية الأربعة وقتل الملايين من شعوبها، ليس هذا فحسب، بل تدخل الناتو في ليبيا تحت مظلة الجامعة العربية، وبقرار منها، حتى أن شيخ الاسلام القرضاوي وجه دعاءً خاصاً بالنصر للناتو بات معتمداً عند كل صلاة( للإخونجيين )، وكذلك تمت عمليات القتل والتدمير للعراق وجيشه بقرار من الجامعة وبدعوة منها أيضاً، إذن كانت الجامعة والملوك أوفياء للمهمات التي كلفوا بها، حتى الفقهاء في مكة وغيرها، قاموا بتوزيع صكوك التملك في الجنة، كما وزعوا الحوريات بالقسطاس وأحياناً تكون القسمة قسمة ضيزا، على المقاتلين الذين يَقْتِلونَ ويُقْتَلونْ . 
.
عقوداً طويلة وأوروبا مسلوبة القرار، فقرارها بثلاثة أرباعه يطبخ في المطبخ الأمريكي، التي سلبت منها أيضاً غالبية أسواقها الآسيوية ، بعد أن كانت تلك الأسواق حكراً عليها، وبخاصة الأسواق العربية، وكان أخر الرجال العظام في أوروبا الجنرال ديغول، مؤسس الجمهورية الفرنسية الخامسة ـــ الذي حاول التمايز عن أمريكا والاحتفاظ بقراره المستقل، والذي نسجل له قراره الجريء في الانسحاب من الجزائر العربية بلد المليون شهيد ـــ ومنحها استقلالها بعد مائة وثلاثين عاماً من الاحتلال .
.
ولكن وبعد رحيله كان الرؤساء الأوروبيون يتسابقون لنيل الرضى من أمريكا، حتى كادت بعض الدول الأوروبية كبريطانيا، أن تفقد استقلالية قرارها السياسي، والدليل جاء البارحة حيث اعتمد مجلس العموم البريطاني قرار ترامب باعتبار ( حزب الله حزباً ارهابياً )، لذلك تبدو أوروبا الآن مربكة وتعيش أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية تنذر بما هو أسوأ، وما تحركات السترات الصفراء، إلا المؤشر القوي على هذه الضائقة، ولقد أصاب وزير الدفاع الأمريكي الأسبق ( رامس فيلد ) عندما وصف أوروبا بالقارة العجوز، ولقد جاء الاتحاد الأوروبي كمحاولة لتكوين قوة اقتصادية كبيرة قادرة على التنافس، ولكن وحتى هذه الصيغة بدأت تتفكك، ولم تنقذ أوروبا من مآزقها .
.
كانت أمريكا المنافس الاقتصادي وحيد للاتحاد الأوروبي، ولكنه بات الآن، وجهاً لوجه أمام الاقتصاد الصيني الأصفر الزاحف حتى للأسواق الأمريكية والأوروبية على السواء، وكنت منذ سنتين قد حبرت مقالاً أكدت فيه أن أوروبا لا مناص أمامها إلا التوجه شرقاً، هروباً من السيطرة الأمريكية، السارق الرئيسي لأسواقها ولقرارها السياسي .
.
.....فهل يمكن أن نقرأ أن مؤتمر شرم الشيخ المؤتمر الأول الذي عقد بين الاتحاد الأوروبي والجامعة العربية، كمؤشر أولي رغم نتائجه المتواضعة، على أن أوروبا قد باتت تستشعر الخطر، وباتت تدرك أن الدول العربية، هي مجالها الحيوي الأهم لقربها الجغرافي، وبأن الأسواق العربية كانت تعتمد بغالبية احتياجاتها على الأسواق الأوروبية، والتي تخلت عنها لصالح أمريكا عنوة، وليس هذا التخلي الوحيد، بل تخلت عن دورها السياسي الذي كان هاماً بين دول المنطقة، بالرغم من تاريخية العلاقة التي تمتد قروناً طويلة. وأنها تنوي العودة بقوة إلى هذه الأسواق، لملء الفراغ بعد الخروج الأمريكي المتدرج، بالرغم من أن تاريخها الاستعماري الأسود السيء الصيت، لا يمكن أن ينسى بسهوله من قبل المجتمعات العربية .
.
أم أن هذا الاجتماع الأول الذي عقد بين دول الاتحاد الأوروبي، ودول الجامعة العربية في شرم الشيخ، قد قصدت منه أوروبا توجيه رسالة على وجه الخصوص إلى امريكا، أننا لن نتخلى عن مصالحنا الاقتصادية ـــ السياسية مع الدول العربية الجار الأقرب والتي نتشاطأ معها البحر الأبيض المتوسط، والرسالة الثانية إلى روسيا والصين، بأننا سنعود إلى المنطقة العربية التي تعتبر تاريخياً مجالنا الحيوي الأهم، وأننا سنملأ الفراغ الذي ستتركه أمريكا بعد فشلها في المنطقة، لذلك فإن منطق الأمور يقودنا إلى القول : أن انفتاحاً واسعاً لكنه بالتدريج تجاه سورية، وزيارات متكررة إلى المنطقة سيقوم بها الرؤساء الأوروبيون، محاولين استعادة بعض الدور الاقتصادي ـــ السياسي الذي فقدوه، ولا نستبعد طرح مشاريع وحلولاً أوروبية بين العرب واسرائيل، كبديل لصفقة القرن الأمريكية .
.
هذا التوجه الأوروبي نحو المنطقة العربية، جاء بعد فشل سياسات أمريكا في المنطقة، والتي باتت تعتبر الدولة المعتدية المسؤولة عن تدمير الدول العربية، العراق، وسورية، وليبيا، واليمن، كما فقدت حتى الحد الأدنى من مصداقيتها الحيادية في الصراع العربي الاسرائيلي، من خلال الانحياز المطلق والاعتراف بأن القدس عاصمة لإسرائيل، حتى الممالك العربية التي تعتبر محميات أمريكية مسجلة في ( الطابو )، قد بدأت تشعر بفقدان الثقة بنجاعة الحماية الأمريكية لها . والبعض بدأ قلقاً ويبحث عن بدائل .
.
وبالمناسبة لا يجوز أن ننسى أن الخاسر الأكبر في المنطقة هي اسرائيل ( المنتفخة )، لذلك فهي تبحث عن حلول تحفظ ماء وجهها، لذلك يممت شطر روسيا لتساعدها في وقف التمدد الايراني في المنطقة وغيره، وليس مستغرباً أن تنقل اسرائيل عهدة الوساطة، بينها وبين الدول العربية إلى روسيا التي باتت صاحبة حضور قوي في المنطقة، وذلك بالتعاون مع الدول الأوروبية العائدة بتؤدة وبخجل إلى المنطقة، والتي تعتبر الأكثر فهماً وقرباً لقضايا المنطقة من امريكا .
.
ان كان الرؤساء الأوروبيون قد استيقظوا، وأدركوا أن مصلحتهم مع الشرق على وجه العموم، وأن روسيا لم تعد البعبع المخيف، سيتجهون شرقاً، وستكون الدول العربية بواباتهم للعبور إلى أسواق الشرق، وعليهم عندها أن يتخلوا عن الروح العدوانية التي لايزالون يحملونها في مكنوناتهم ضد العرب، وهذا يتطلب أيضاً اثبات حسن النية من خلال مواقف متوازنة في رؤية جميع مشاكل المنطقة، حتى تعيد الشعوب العربية بعض الثقة المفقودة بالأوربيين .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
اعتماداً على الرأي الذي سقته، سنجد وبعد تحرير ادلب ( وهذا سيحدث )، سفارات تفتح، وشركات تطل برأسها محاولة الدخول إلى السوق السوري الواعد، ولا نستبعد مجيء برلمانيين أوروبيين ووزراء، وصولاً إلى الرؤساء، كما لا أستبعد تغيراً متدرجاً حتى للمواقف الأمريكية ذاتها .
لأن كل عاقل يجب أن يضع في حسبانه أن المنطقة كلها مقبلة على التغيير، وذلك استجابة منطقية للتغيرات الجوهرية في التوازنات الدولية، كما تقتضي الضرورة تقارباً عراقياً سورياً لبنانياً إيرانياً، حتى مصر ستسارع إلى تحسين علاقاتها مع سورية، وتزداد اسرائيل عزلة وسيضيق نفسها، وستنتقل من حالة اسرائيل ( المنتفخة ) إلى اسرائيل ( المضغوطة ) . 
.....................يبقى أن نقول لمن لا يرى إلا العماء، والثقب الأسود الذي سيبلع الكون، أنتم غير قادرين على التفاؤل، لذلك سيكون عيشكم ممضاً

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه