تشن قناة الحرة الأميركية - في فروعها الناطقة باللغة العربية- هذه الأيام هجوما تحريضيا وتضليلا غير مسبوق على الإسلام دينا وحضارة مندثرة وتراثا. وقد ركزت القناة عبر أحد برامجها الأسبوعية على موضوع العبودية في الإسلام، البرنامج فاتتني معرفة اسمه ويقدمه شخصان غير عراقيين، على قناة "الحرة -عراق" والظاهر أنه يبث في فروع القناة الأخرى، وقد شاهدتُ إحدى حلقاته قبل أيام، وفيها قام مقدم البرنامج وضيفة -وعلى طريقة "رفع وكبس" في لعبة كرة الطائرة- بالعديد من التهجمات الرخيصة والمعلومات والتضليلية والمسلوخة عن سياقها التاريخي، والهدف من كل ذلك اعتبار الإسلام دينا وحضارة وكأنه هو مخترع العبودية والاتجار بالبشر، وأن الدول الإسلامية هي آخر من تخلى عنها بقوة القوانين الدولية الحديثة، وإن المسلمين هيئات ورجال دين وأفراد ما يزالون يؤمنون بأن العبودية والاتجار بالبشر حلال دينيا بموجب عقيدتهم الإسلامية وينبغي تطبيقها والدفاع عنها، والكثير من هذا الهراء المغلف بالعبارات التنويرية الزائفة والكلام غير العلمي والمدفوع بمشاعر الكراهية الاستشراقية وأفكار الإسلاموفوبيا بامتياز. 
وبالمصادفة وحدها قرأت مقالة قيمة للزميل الكاتب عامر محسن عن كتاب المؤرّخ البريطاني بيتر فرانكوبان «تاريخٍ جديدٍ للعالم». وتطرق فيه إلى تاريخ تجارة العبيد في العالم القديم. ومن هذه المقالة اخترت لكم هذه الفقرات التي لا تغني عن قراءة المقالة كاملة/ تجدون رابطين يحيلان لها في نهاية المنشور، وفيها نجد ردا علميا وموضوعيا صارما وموثقا - مع أنه غير مباشر - للمؤرخ البريطاني على الهراء اللإسلاموفوبي المنتشر في قناة الحرة وشبيهاتها:
*لكنّ هناك عاملاً رئيسياً يركّز عليه، غالباً ما يغيب عن سردياتنا المعاصرة، وهو عن الدور المركزي للعبيد والعبودية في التاريخ. من السّهل أن ننسى اليوم أنّ التقسيمة الأساسية في الكثير من المجتمعات (من الفايكينغ إلى اليونان ومصر القديمة) كانت بين الأحرار والعبيد، وأن قسماً معتبراً من الناس كان يعيش في حالة عبودية أو شبه عبودية. 
*ونمط العبودية لم يختفِ إلّا مع نضج الرأسمالية الحديثة (فهي مع «تسليع» العمل وتحويله إلى وحدة نظرية، يمكن شراؤها واستئجارها، إلخ، نفت الحاجة إلى فئة اجتماعية وقانونية مسخّرة جبراً للعمل اليدوي. بمعنى آخر، اندثرت العبودية حين أصبحنا كلّنا عبيداً بدرجاتٍ مختلفة، ولكن من غير أن ننام في الإسطبل).
* كان العبيد من أهم السّلع التي يجري تبادلها على طرق التجارة، وبخاصّة مع نشوء إمبراطوريات ثرية كانت، في جانبٍ أساسي منها، إمبراطوريات عبيد. يكتب فرانكوبان أن التقديرات تقول إنّ الإمبراطورية الرومانية في قمة ثرائها كانت تحتاج إلى ما بين 300 ألف ونص مليون عبد سنوياً، فقط لتلبية «الطلب» وتعويض «الفاقد»، ثمّ يزعم أن الإمبراطورية العباسية، في أوجها، كانت تستورد عدداً أكبر من روما.
*حين تتركّز الثروة في مكانٍ تاريخياً، يقول فرانكوبان، كان يتبع ذلك طلبٌ شديدٌ على العبيد: عمّال، خدم، جنود، جوارٍ. وأكثر العبيد الذين كانوا يباعون في المدن الثرية في العراق وسوريا وإيران كانوا من الرقيق الأبيض، يؤتى بهم عبر «طريق عبيدٍ» من شماليّ البحر الأسود وقزوين، أي روسيا وأوكرانيا اليوم. 
*تخصّصت فئة من الفايكينغ في هذه التجارة منذ القرن التاسع: العبيد يُنقلون من أوروبا جنوباً صوب مدن الشرق الغنية، والفضة والذهب ينتقلان في الاتجاه الآخر. يقول فرانكوبان إنّ البعثات الأثرية لا تزال تستخرج الفضّة التي وقعت قديماً قرب مجاري الأنهار على هذا الطريق، ولهذا السبب أيضاً، فإننا نكتشف اليوم، في أماكن مثل دول البلطيق واسكندينافيا، دنانير عباسيّة وحريراً صينياً وسلعاً شرقية، جرى شراؤها مقابل «تصدير» العبيد. 
*البندقيّة قامت، في بداياتها، على تصدير العبيد، وهنا الأصل الخفي لثرائها، الذي قلّما يُذكَر، يقول فرانكوبان. وهذا كلّه لا يقارن، بالطبع، بموجة الاستعباد التي قادها الأوروبيون منذ القرن السادس عشر، سواء في أفريقيا أو في المستعمرات. وهذا كلّه لا يقارن، بالطبع، بموجة الاستعباد التي قادها الأوروبيون منذ القرن السادس عشر، سواء في أفريقيا أو في المستعمرات. لكن ثراء بغداد العباسيّة، في أواخر القرن التاسع، كان أسطوريّاً. يروي فرانكوبان أن الخلفاء بدأوا يتبارون في استيراد النفائس واستهلاكها من أقصى أطراف العالم. 
تعليق أخير: تاريخ العبودية ضمن التاريخ البشري العام معروف على نطاق واسع في عالم اليوم وهناك العشرات إن لم تكن المئات من الكتب التي صدرت قديما وحديثا عنها بأقلام بحاثين أجانب من مختلف بقاع العالم وثمة اتفاق على أن العبودية مرحلة تاريخية في التاريخ البشري لا يوجد شعب أو دولة او نظام خارجها ربما باستثناء القطب الشمالي، بل إن آخر الحروب الأهلية في الولايات المتحدة الأميركية والتي استمرت من سنة 1861 إلى 1865، كانت بين الشمال التحرري والجنوب العبودي الذي يسطر عليه ملاك وتجار العبيد وما تزال الحياة اليومية في هذا البلد محكومة بالميز العنصري بين المسيطرين البيض على الحكم والأقلية الأفريقية السوداء سليلة الضحايا الأفارقة المستعبدين والذين تم إفراغ قارة أفريقيا من نصف سكانها منهم ومات أكثر من نصفهم في المحيط !
ورغم أن هذا التاريخ معروف ورغم أن الشعوب الإسلامية كسائر شعوب الأرض مرت به ولكن هناك من يجدد الكلام حول هذا الموضوع بمناسبة ومن دونها، فمرة بدعوى أن الحركات السلفية الانتحارية كداعش عادت الى ممارسته وأخرى بدعوى طرح أفكار تحريرية وتنويرية والتحرر والتنوير منها براء! 
هذه الجبهة الفكرية مهمة جدا ولا ينبغي تركها لأذيال الإعلام الأميركي وغير الأميركي يتهجمون فيها على تراث الأمة وتاريخها وأديانها وينبغي التصدي لهذه الدعاوى وكشف زيفها واستشراقيتها دون التخلي أبدا عن الطرح التنويري الديموقراطي في مجال الدين والتراث عموما وعدم التساهل مع التكفيريين والرجعيين المتلفعين بالخطاب الديني. إنها مهمة مركبة لا بد من المساهمة فيها اليوم وغدا.
*الصورة: مجموعة تماثيل أمام متحف العبودية والإعدام بلا محاكمة في الولايات المتحدة الأميركية - ولاية ألاباما.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه