نشر موقع «آيون» تقريرًا تناول فيه الحياة الجنسية في القرون الوسطى، وأهم ما تميزت به، يقول التقرير: «إنه في الخيال الشعبي، فإنَّ تاريخ الجنس واضح؛ إذ عاشت شعوب الغرب المسيحي لقرون في حالة من الكبت الجنسي، مقيدة بخوف عارم من الذنب، مصحوب بفقر كامل للمعرفة حول أجسادهم. أما أولئك الذين لم يلتزموا بالمعايير الأخلاقية العالية التي طالبتهم بها الكنيسة والدولة والمجتمع، فقد واجهوا النبذ والعقاب. ثم تغيرت الأمور للأبد في منتصف القرن العشرين». فكما جاء في مقولة فيليب لاركين الشهيرة: «لقد بدأت المعاشرة الجنسية عام 1963».

لكنَّ الحقيقة – بحسب التقرير – أنَّ النشاط الجنسي الإنساني أكثر إثارة للاهتمام من ذلك. فالكثير من الافتراضات المسبقة الشائعة حول الحياة الجنسية لأسلافنا في القرون الوسطى ترجع إلى الاعتقاد الخاطئ بأنهم عاشوا عصرًا بسيطًا من التعصب الديني والجهل الطبي. ومع أنَّ المثاليات المسيحية قد أثرت على المواقف القروسطية من الجنس، فقد كانت في الحقيقة أكثر تعقيدًا مما تقترحه الانحيازات المعاصرة؛ إذ اختلطت الاعتقادات المسيحية بالنظريات الطبية القروسطية لتساعد على تشكيل بعض من أكثر الأفكار إدهاشًا وتعقيدًا عن الجنس، وأنواع واسعة من الممارسات الجنسية المختلفة، قبل الثورة الجنسية بوقت طويل.

وقال التقرير: «إنَّ حالة رجل الدين الفرنسي، أرنو دو فرنيويل، توضح تعقيد النشاط الجنسي القروسطي». كان فرنيويل قد مارس الجنس مع بائعة هوى في أحد الأيام في بدايات القرن الرابع عشر عندما كان طالبًا. واعترف بعد ذلك بسنوات عديدة بخطئه أمام محكمة التفتيش قائلًا:

«في ذلك الوقت كانوا يحرقون المجذومين، وكنت أعيش في تولوز؛ يومًا ما أقمت علاقة مع بائعة هوى. وبعد أن ارتكبت ذلك الذنب، بدأ وجهي يتورم. كنت مرعوبًا وظننت أنني أصبت بالجذام؛ ومن ثم فقد أقسمت أنني لن أقيم علاقة مع امرأة أبدًا في المستقبل».

ليست قصة فرنيويل غريبة. فالكثير من رجال القرون الوسطى وجدوا أنفسهم مصابين بأعراض كريهة بعد زيارة لبيت دعارة، ونسبوا محنتهم تلك لسلوكهم الجنسي. وكان من بين المعجزات الطبية الكثيرة المنسوبة إلى القديس توماس بيكيت – مثلًا – شفاء أودو دو بومون، الذي أصيب بالجذام فورًا؛ بعد زيارة لإحداهن في أواخر القرن الثاني عشر، وقد قيل الكثير عن الميل القروسطي لتفسير المرض باعتباره نتيجة لذنب جنسي، لكنَّ هذا الميل في الحقيقة ليس مبناه الأحكام الأخلاقية فحسب، وإنما كانت هناك أيضًا عوامل طبية قوية.

وقال التقرير: «إنَّ المخاوف من انتقال الأمراض عبر بائعات الهوى عادة ما كانت تعالج بطريقة عقلانية للغاية؛ فأحيانًا مثلًا كانت السلطات المحلية تتخذ إجراءً وقائيًا؛ إذ أدت مجموعة من التشريعات بساوثوارك في القرن الخامس عشر إلى إبعاد النساء صاحبات «المرض المحرق» (غالبًا السيلان) عن بيوت الدعارة المحلية. وعلاوة على ذلك، فقد كانت مخاوف أهل ساوثوارك راجعة إلى نظرية طبية؛ إذ يشرح كتاب طبي من القرن الثالث عشر كيف يمكن للمرأة ألا تتعرض للأذى بعد أن تمارس الجماع مع أجذم، لكنَّ الشخص التالي الذي سوف تمارس الجماع معه سوف يصاب بالمرض».

وقال التقرير: إنَّ أطباء القرون الوسطى كانوا ينظرون للإسراف في ممارسة الجنس بصفته مشكلة طبية حقيقية. فالحكمة التقليدية كانت تقول: إنَّ الكثير من النبلاء قد ماتوا بسبب الإسراف في الجنس. فجون من جاونت، الدوق الأول للانكاستر، في القرن الرابع عشر، قد مات كما قيل: «بسبب تعفن أعضائه التناسلية وجسده الناجم عن زيارته النساء؛ إذ كان من كبار الزناة». تقترح هذه الأعراض إصابة الرجل بمرض تناسلي، لكنَّ معاصريه ربما رأوا في ذلك أوجه شبه مع حالة رالف، كونت فيرماندوا. كان ذلك النبيل من نبلاء القرن الثاني عشر قد تزوج لتوه زوجته الثالثة عندما مرض بشدة. نصحه طبيبه خلال فترة النقاهة أن يمتنع عن الجماع، لكنه لم يستجب لهذا التحذير. وعندما لاحظ الطبيب ذلك بعد فحص بول الكونت، ونصحه أن يرتب أموره؛ لأنه سوف يموت خلال ثلاثة أيام، وهو تشخيص ثبتت دقته.

وبحسب الفهم القروسطي لجسد الإنسان، المبني على نظام الأخلاط الأربعة (الدم، والبلغم، والسوداء، والصفراء)، فإنَّ سلوك هذين الرجلين كان مشكلًا. فقد كان نظام الأخلاط مستمدًا من فكرة مفادها أن الصحة تعتمد على توازن السوائل، والمرض نتيجة لاختلال التوازن. توازن هذه الأخلاط/ السوائل، والحفاظ على الصحة، كان يتم عبر طرد سوائل الجسد المتعددة تلك، بما في ذلك السائل المنوي. ومن ثم فقد كانت الممارسة الجنسية المنتظمة جزءًا من الحياة الصحية لمعظم الرجال، بشرط التوسط. فالكثير من الجنس سوف يؤدي إلى استنزاف الجسم، وفي أكثر الحالات خطورة قد يكون لذلك الأمر تداعيات قاتلة، كما في حالة الكونت رالف.

وفي الوقت ذاته كانت المرجعية الطبية القروسطية تعتقد أنَّ الممارسة القليلة للجنس تشكل مشكلة هي الأخرى؛ إذ كانت العزوبية ضارة بالصحة، لا سيما لدى الشباب. وكانت العزوبية المستمرة لوقت طويل تعني الاحتفاظ بفائض السائل المنوي، وهو ما يؤثر على القلب، والذي يمكن بدوره أن يضر بأجزاء أخرى من الجسم. ومن الممكن أن يمر الأعزب بأعراض تشمل الصداع، والقلق، وفقدان الوزن، وربما يصل الأمر إلى الموت في الحالات الشديدة. ومع أنَّ العزوبية كانت تحظى بتقدير عال لقيمتها الروحية في مجتمع القرون الوسطى، إلا أنه بالمعايير الطبية، فقد كان الأعزب والداعر كلاهما على نفس القدر من الخطر.

فالملك لويس الثامن مثلًا، ملك فرنسا، أصر على البقاء مخلصًا لزوجته، بينما كان يقاتل في الحملة الصليبية على الكاثار 1909 – 1929. وقد كانت وجهة النظر الشائعة أنَّ موته نتج عن العزوبية. وبحسب الشاعر النورماندي من القرن الثاني عشر، أمبرويزي، فإنَّ التعفف قد أودى بحياة آلاف من الضحايا.

بالنسبة لكثير من الصليبيين، كان الامتناع عن ممارسة الجنس إزعاجًا مؤقتًا فحسب، يتحملونه لحين عودتهم إلى وطنهم واجتماعهم بزوجاتهم. لكن في أوروبا القروسطية، كانت العزوبية حالة دائمة للكثير من الكهنة، وقد وضعهم ذلك أمام خيارات صعبة؛ فقد ألح طبيب توماس بيكيت عليه أن يترك العزوبية من أجل صحته، وأخبره أنَّ العزوبية غير ملائمة لسنه وبشرته، لكنَّ القديس تجاهل نصيحة الطبيب. وقد عاش بيكيت سنوات عديدة بعد ذلك، «ومات شهيدًا في النهاية على يد أحد الحشاشين».

 

لكنَّ أساقفة آخرين كانوا أقل حظًا. من ذلك كبير شمامسة دوفان، وهو رجل غير معروف الاسم من القرن الثاني عشر، وقد رقي هذا الشخص إلى رتبة أسقف لوفان رغمًا عنه، بعد أن عانى كثيرًا ليحافظ على عزوبيته. امتنع هذا الرجل عن أي نشاط جنسي لشهر، لكن أعضاءه التناسلية سرعان ما تورمت وأصبح مريضًا بشدة. رجته أسرته وأصدقاؤه على أن «يتخذ امرأة لنفسه» سرًا، لكنه كان مصرًا على مقاومة الإغواء. ومات الرجل خلال أيام.

وقال التقرير: إنَّ العزاب من غير القديسين الذين واجهوا تحدي العزوبية، كانوا يميلون إلى تفضيل العلاج الواضح. فموريس، وهو أحد أساقفة لندن في القرن الحادي عشر، قيل إنه قد تلقى نصحًا من طبيبه بـ«مراعاة صحة جسمه عبر إطلاق السوائل»، وأن يطيل عمره عبر كسر نذر العزوبية. أما الآخرون ممن كانوا يأملون ألا يواجهوا هذه المعضلة أبدًا، فقد تبنوا سلوكيات (ترجع إلى النظرية الطبية) التي اعتقدوا حمايتها للرجل الأعزب من خلال الترويج لأنماط بديلة من الإفراز.

كانت نظرية الأخلاط الطبية تقضي بأنَّ أخلاط الجسم أنواع من الدم المعالج، وأنَّ أصلها المشترك هذا يجعلها قابلة للتبديل فيما بينها. ونتيجة لذلك اعتبر الفصد المنتظم أمرًا ضروريًا للرجل الأعزب، فكان النزيف الروتيني واسع الاستخدام في أديرة القرون الوسطى لموازنة سوائل الرهبان، ومن ثم التقليل من خطر الانبعاث التلقائي للسوائل المنوية. ويمكن للبكاء أيضًا أن يكون بديلًا للممارسة الجنسية؛ إذ يتحول الدم إلى دموع، بدلًا عن تحوله إلى سوائل منوية. وكانت التمارين والاستحمام، وكلاهما ينتج عنه عرق، أمورًا مفيدة أيضًا للراغبين في ممارسة العفة طويلة المدى.

وإلى جانب اتخاذ إجراءات من شأنها التشجيع على إفراز الفوائض، فقد كان الرجل الأعزب بحاجة إلى أن يكون حذرًا حيال ما يضعه في جسمه. ومن ثم فقد كانت الحمية الغذائية متصلة اتصالًا مباشرًا بالصحة الجنسية. وكانت المشكلة ثلاثية. أولًا كان قرب الأعضاء التناسلية من المعدة يعني أنَّ الأعضاء التناسلية سوف تشعر بالدفء بسبب الطعام أو النبيذ الكائن في المعدة، موفرة بذلك الحرارة الضرورية لإنتاج السائل المنوي. ثانيًا كان يعتقد أنَّ السائل المنوي نتاج الطعام المهضوم بالكامل، وأنَّ الطعام المغذي مثل اللحم والبيض – على وجه الخصوص – باعث على إنتاج هذا السائل. وأخيرًا فإنَّ بعض الطعام يصيب بالانتفاخ (لا سيما الفول)، وهو ما يؤدي بدوره إلى الانتصاب. وكذا فقد كانت كثرة الأكل مشكلة حقيقية للرهبان. وقد حكى عدد كبير من الكتاب قصصًا عن رهبان أكلوا جيدًا، ومن ثم اختبروا رغبة جنسية عنيفة.

وكذا فقد كان ينصح من يريد العزوبية والحفاظ على عافيته البدنية بالصيام المنتظم واتباع حمية من المأكولات والمشروبات الباردة التي «تعرقل، وتقمع وتثخن السائل المنوي». فكان يُعتقد أنَّ السمك المملح، والخضروات في الخل، والماء البارد أطعمة مناسبة للرهبان. وبالإضافة إلى ذلك، كان بعض الكتاب الطبيين يوصون بالمثبطات الجنسية للرجال الذين يريدون تجنب الجماع. من ذلك ما أوصى به الطبيب قسطنطين الأفريقي، من القرن الحادي عشر، بأنَّ تناول عشب الحرمل «يجفف الحيوانات المنوية، ويقتل الرغبة في الجماع». وقد تقدم بالاقتراح ذاته بيتر الإسباني (وهو الطبيب الوحيد الذي اعتلى كرسي البابوية)، بعد قرنين من ذلك.

وقال التقرير: «إنه على الرغم من أنَّ أشهر حالات الموت بسبب العزوبية ترجع إلى رجال دين ذكور، فقد كانت النساء أيضًا عرضة لهذه المشكلة الطبية بالقدر ذاته؛ فبحسب إحدى النظريات الطبية من ذلك العصر، ينتج الجنسان بذورًا ضرورية للإنجاب. وكما هو الحال مع السائل المنوي للذكور، فإنَّ بذور النساء تحتاج أن تطرد من أجسامهن كذلك خلال الممارسة الجنسية المنتظمة».

فلو أنَّ امرأة غير نشطة جنسيًا، فسوف تبقى البذور في جسمها وتتراكم مسببة اختناقًا للرحم. وقد تضمنت أعراض ذلك المرض الإغماء وقصر النفس، ومن الممكن أن يكون الأمر قاتلًا في بعض الحالات الخطرة. وقد كانت أفضل طريقة لتجنب النساء الموت بالعزوبية، هي ذاتها أفضل طريقة للرجال: الزواج وممارسة الجنس المنتظم الذي تقره الكنيسة. وفي حال لم يكن ذلك ممكنًا، فثمة عدد من العلاجات المفيدة تشمل الحميات الغذائية المقيدة وتحميلات الخل. ومع ذلك فقد كان بعض الأطباء يقترحون بديلًا مفاجئًا: ألا وهو الاستمناء.

ومن غير المدهش أنَّ الكنيسة القروسطية اتخذت موقفًا غامضًا من هذه الممارسة؛ فمعظم كتيبات التوبة في القرون الوسطى كانت تصنف الاستمناء بصفته ذنبًا، وفرضت كفارات ثقيلة على ارتكابه، معظمها صيام 30 يومًا، لكن أحيانًا ما كانت تصل إلى عامين. ومن ناحية أخرى، فعادة ما كان الاستمناء يوضع في آخر سلم الذنوب الجنسية، وكان يسمح للمعترفين بالقليل منه، (لا سيما للشباب غير المتزوجين) الذين كانوا يفتقرون لأي متنفس آخر لرغباتهم. إنَّ هذا التحذير يعكس وعي الكنيسة بالتعاليم الطبية المعاصرة في وقتهم؛ إذ كان من المحال تجاهل حقيقة أنَّ المرجعيات الطبية، بدءًا من الطبيب جالين، قد أوصت بالاستمناء بوصفه نوعًا من العلاج الوقائي لكل من الرجال والنساء.

وكما هو الحال مع الجماع، فإنَّ الاستمناء ينبغي القيام به باعتدال. فقد حكى ألبرتس ماجنس، من القرن الثالث عشر، حكاية راهب شهواني انتهى نهاية مأساوية: إذ «اشتهى» امرأة جميلة 70 مرة قبل صلوات الفجر، حتى مات. وقد كشف تشريحه أنَّ مخه قد تقلص حتى صار بحجم الرمانة، ودُمرت عيناه. وتعكس لنا طريقة موت هذا الراهب واحدة من الحقائق الرهيبة حول العصور الوسطى: إنَّ الخطيبة لم تكن سوى إحدى الأخطار العديدة المرتبطة بالجنس.

وقال التقرير: إنَّ الصحة الجنسية كانت محل اهتمام كبير، حتى قبل وصول مرض الزهري بوقت طويل، في أواخر القرن الخامس عشر، فكانت العاهرات والزبائن يتعلمون عن مخاطر الإصابة بالجذام، وهي احتمالية مخيفة لأرنو وكثيرين غيره، لكنَّ الأمراض المعدية لم تكن المشكلة الوحيدة؛ فقد نذر أرنو ألا يقيم علاقة مع امرأة أبدًا، لكنه لم يتخل عن الجنس ببساطة؛ إذ اعترف قائلًا: «من أجل المحافظة على هذا النذر، بدأت في استغلال الأولاد الصغار».

وقد كان هذا الخيار مقيتًا حينها، كما هو مقيت الآن. ويعكس ذلك الأمر الاعتقاد الشائع بأنَّ النشاط الجنسي نوع من الضرورة الطبية بالنسبة لمعظم البالغين، كما يعكس المخاوف من أنَّ العزوبية الدينية قد تجبر الكهنة على الرذيلة ذاتها. فعندما كان الأمر يتعلق بالجنس، واجه شعب القرون الوسطى معضلة: كيف يحافظون على التوازن الجسدي الضروري، دون تعريض أنفسهم للمرض أو الخطيئة؟

وخلص التقرير بالقول: «إنَّ انحدار طب السوائل، والتغيرات في الاعتقاد الديني قد أزالت بعضًا من المخاوف التي واجهها أرنو وشعوب القروب الوسطى، لكنَّ التغيير لم يطل كل شيء؛ ذلك أنَّ الخطاب حول الجنس لا زال يدور حول المطالب المتعارضة من الصحة، والضغوط الاجتماعية والميول الشخصية. فكما كان الحال في القرون الوسطى، فإنَّ الجنس في القرن الحادي والعشرين ما زال متعة ومشكلة على حد سواء»!

 

(0