من مؤتمر وارسو الذي كان هدفه تهيئة الرأي العام العربي لحلف يجمع النظام العربي بكيان العدو إلى القمة العربية الأوربية التي كانت أولى ثمارها وضع حزب الله على قوائم الإرهاب الوهمية مروراً بمؤتمر البرلمانات العربية الذي أكد حقيقة دور النظام السعودي و الإماراتي والمصري بإدارة التطبيع مع كيان العدو.  وعطفاً على التحركات العسكرية التكتيكية في الميدان السوري وخصوصاً في منبج و إدلب والمنوارات العسكرية التي كان آخرها مناورة (الوطن الأزرق) التركية الأضخم تاريخياً، التي تجري على ثلاث بحار في نفس الوقت وهم بحر إيجة، والبحر الأسود (أي المضائق والإستعداد لتأمينها) بالإضافة لوجود البحر الأبيض المتوسط ضمن خطة المناورات التي أتت كردٍ أولي على ما ذكرناه ساباقاً عن تشكيل "مجلس الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن". أي بالمنطق العسكري، أرادت تركيا القول أنه إذا أردتم الدخول للغرفة (البحر الأحمر)، نحن من يمتلك الباب والمفتاح أي قناة السويس، وبهذه المناورات عدة رسائل لليونان وقبرص وكيان العدو كما لمصر الذين اضطروا إلى تأجيل تدريبٍ مشترك لهم في حوض المتوسط بسبب المناورات التركية.

 

ولكن الرسالة الأعمق و الأهم من تركيا هو القول للنظام الأمريكي بأننا هنا، و الأسطول السادس لم يعد وحيداً بالمتوسط الأمر الذي أدى لأن تكون المناورات العسكرية لكيان العدو تقتصر على نشر "منظومة ثاد" لأول مرة في فلسطين المحتلة بأمر من وزير دفاع النظام الأمريكي الجديد "باتريك شانهان" والتي شاركت بها القيادة الأمريكية بأوروبا بعد عدت أيام من الانتهاء من مناورة (جونبر فالكون) التي تحاكي دخول قوات أمريكية برية للقتال مع مشاة كيان العدو وهي أحد أهم نقاط ضعف جيش كيان العدو حسب أخر تقرير للمفتش العام الذي أقر ضمناً أن تنسيق الإحتياط مع العمليات كما دمج العمليات بعد ترتيب الإحتياط هي مشكلة سببها قلة الانضباط أثناء تأدية المهام، الأمر الذي بدا واضحاً من أداء (سيرت متكال) في العملية الأخيرة في غزة، وإستمراراً لعدم الثقة بينهم و "أمان" الذي بدا واضحاً للعيان من تموز العام 2006. فبعد أن حُسمت قيادة أركان جيش العدو لأڤيڤ كوخافي الذي استهل مشواره بوضع رتبته بالمقلوب مستحضراً إخفاقات "أمان" في عهده ووراثاً جغرافيا أمنية وعسكرية في تركيبتها وشدتها ستحدد مستقبل وجود الكيان إستراتيجياً، غادي أيزنكوت الذي كان من أعظم إنجازاته عدم خوض كيان العدو لأي حروب واسعة، و إنتخابات نيسان القادمة التي تشي بأن يسارها يمين عسكري متجدد العناوين.

 

نلاحظ بلا شك، أن بعد ثمان سنوات من خلط الأوراق سياسياً وعسكرياً في سوريا بدأت القوى الدولية تنقسم إلى فريقين متقابلين لا ثالث لهما، يخوضون معارك سياسية وعسكرية وأمنية واقتصادية شرسة من الممكن أن تتطور إحدى شرارتها لمشهد عسكري لا يحتمل الإنتصار "بالنقاط"، لأننا الأن نعيش مرحلة ما بعد فرض حالة الردع المتبادل، بل نعش حالة تقرير مصير ووجود، فالمنطقة لن تسعنا معاً الأن. فهناك فريق تابع للنظام الأمريكي وعلى رأسهم المال الخليجي الذي يقوم بتمويل الحروب عسكرياً ويدير عملية التطبع سياسياً وفريق متحالف ينتصر في الميادين العسكرية خاصة في سوريا ويزداد قوة وخبرة للتصدي والدفاع مدعوماً من الإتحاد الروسي الحليف الذي لا أثق به والصين التي ترى أن موقعها المناسب هو ضمن هذا الحلف، متحفظتاً على الخلافات التي لم تعد أولوية بهذا المشهد المتسارع الأحداث.       

 

و من الجدير بالذكر والإهتمام أن أول من طرح هذه النظرية و تنبأ بحدوثها هو المفكر السوري "نجيب عازوري" الذي كان نائباً لحاكم الْقُدْسّ وقد أتى على ذكر ذلك في معرض كتابة "صحوة الأمة العربية في آسيا التركية" المطبوع سنة 1905 والذي قال فيه "إن ظاهرتين هامتين متشابهتين الطبيعة بيد أنهما متعارضتان، لم تجذبا انتباه أحد حتى الآن، تتضحان في هذه الأخيرة، في تركيا الآسيوية، أعني: يقظة الأمة العربية وجهد اليهود الخفي لإعادة تكوين مملكة إسرائيل القديمة على نطاق واسع. ومصير هاتين الحركتين هو أن تتعاركا باستمرار حتى تنتصر إحداهما على الأخرى، وبالنتيجة النهائية لهذا الصراع بين هذين الشعبين اللذين يمثلان مبدأين متضاربين، يتعلق مصير العالم بأجمعه".

 

 

فالميدان يشي بأن المشهد من الممكن أن يتطور لصراع عسكري على عدة محاور، أقربها إنفجاراً هي غزة فحالة (اللاسلّم واللاحرّب) تستنزف الهدوء كما تستنزف قوة الردع عند كيان العدو مع مرور الوقت لهذا يحتاج كيان العدو لحرب يُثبت بها أنه جدير بالإستثمار الغربي في كينونته بعد أُفولّ عنصر القوة المطلقة و تجذير معادلة الردع بينه و المقاومة العربية خصوصاً أن النظام الأمريكي لم يعد قادراً على تحمل نفقات ما يقارب الـ 800 قاعدة عسكرية منتشرة على أراضي 70  دولة. وخصوصاً "قاعدة إسرائيل" بفلسطين وهذا ما يفسر الحضور القوي للمال الخليجي في هذه الفترة وهذا ما عقّد المسائل أكثر.

 

فبسبب القصور الإقتصادي يحاول النظام الأمريكي وأتباعه بالدخول بحرب واحدة شاملة مستلهمين التجربة بسوريا و اليمن التي أنفقوا عليها مئات المليارات و تحولت إلى حرب استنزاف عليهم بدون نتائج. لهذا السبب، أعتقد بأن الخيار الأكثر واقعية هي حرب شاملة بوجود إيران ولهذا تم التأطير لها في وارسوا، والمؤتمر العربي الأوروبي ومحاولة النظام السعودي إدراج صيغة تدين إيران في مؤتمر البرلمانات العربية بالتناسق و التوافق مع التأطير السياسي و الإعلامي لكيان العدو.

 

فبعد القتال بالوكالة بين روسيا و النظام الأمريكي على الأراضي العربية السورية، يحاول النظام الأمريكي الأن صناعة ساحة أخرى للقتال بالوكالة لتجنب حرب عالمية مباشرة مع روسيا ولهذا وجّد الصراع على ڤنزويلا بالتزامن مع التأطير سياسياً لحرب ضد إيران مع إعادة إحياء الحركات الإنفصالية للقوميين البلوش التي أدت لحادثة الهجوم الإرهابي الذي حدث في محافظة سيستان وبلوشستان جنوب شرق إيران، الأمر الذي أتى متوافقاً ايضاً مع كثرة استفزازات كيان العدو بقصف سوريا التي مارست صبراً كبيراً بعدم الإنسياق لحرب مع كيان العدو بالوقت الغير مناسب.

 

ختاماً، على ما يبدو بأن المعركة القادمة للنظام الأمريكي ستكون من خلال "قاعدة إسرائيل" بفلسطين والمنحى الذي ستتخذه هذه المعركة سيكون أكثر وضوحاً بعد انتخابات نيسان فلأول مرة منذ مئة عام تكون رقعة الاستهداف كبيرة وواسعة وقواعد الاشتباك شبه هلامية الأمر الذي يُصعّب التنبؤ بأي شرارة ستكون سبباً للحرب. ولكن، عطفاً على كل ما ذُكر، الميدان العسكري والأمني يجعلنا مطمئنين على حلف المقاومة من طهران إلى جنّين أن الإنتصار القادم سيكون قالب للموازين لصالحنا، فما بعد الإنتصار المُدّوى بدمشق إلا إنتصاراً مؤكداً بالعاصمة بالقدس، وما بعد زوال "إسرائيل العظمى" بالعام 2000 إلا زوالاً لإسرائيل "القاعدة العسكرية الأمريكية" بقادم الأيام فكيان العدو هو فقط من يعلم ساعة و تاريخ تدميرة، و هذا الوقت الذي سيعلن هو عنه ببدء الحرب القادمة.      

فهد الطاهر: ناشط يساري فلسطيني

 

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه