على المــيدان السـوري أنتــجت الضــرورة القطــب المشــرقي الثــاني
التفرد الأمريكي بالقطبية الواحدة شكل خطورة على الحضارة الانسانية
اذن على الميدان السوري تحـقق التـوازن، والتوازن أس الحرية والتقدم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليس ضرورياً أن تكون ماركسياً أو اشتراكياً حتى تعتقد، أن تَفَكُكَ الاتحاد السوفييتي الذي كان يتبنى الفلسفة الاشتراكية ، المقابلة والمتعارضة والمتناقضة مع الفلسفة الرأسمالية، حتى تعتقد أن تفككه لم يكن مفيداً، لأن حركة التاريخ من بعده باتت عرجاء تسير على سكة واحدة، بدلاً من سكتين، مما أخل بتوازن مسيرة قطار الحضارة الانسانية، فطبيعة الحياة لا تسير على قدم واحدة ، وكذلك الثقافة الواحدة، والفلسفة الواحدة، والرأي الواحد، وصولاً إلى القطب الواحد، لان الفلسفة الواحدة، والرأي الواحد، والثقافة الواحدة، كلها تشكل حالة جدب، وجمود، وفرض لحالة الزام والتزام، فَالزَّهْرةُ لا تصبح ثمرة بدون تلقيح من زهرة أخرى، وكذلك الفكرة بحاجة لأن تتحاور مع فكرة أخرى لِتُغْني وتَغْتَني، أما الفكرة الواحدة التي لا تجد من يحاورها ويغنيها برأي آخر تصبح " دوغما " مسيطرة بالفرض .
.
وهذا ينطبق على القطب العالمي الأمريكي الأوحد، الذي بات يحكم العالم بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، كإقطاعي متفرد متغطرس يحمل بيديه آلات الموت ، يملك الأرض وما عليها من بشر وما في باطنها من طاقات، فرأيه ملزم لأنه بمثابة الآمر الناهي، ولا راد لقضائه، والشعب أو الدولة التي لا تلتزم بسياساته، يحق عليها العقاب المتدرج من تهديم البلاد، وقتل العباد، وما بينهما من ويلات .
.
حتى الطبيعة بحاجة إلى توازن وأي خلل في توازنها يدمرها، فالكل معتمد على الكل، فلا خراف بدون ربيع، ولا ذئاب بدون خراف، من هذه الصورة الأحادية علينا أن ندرس الوحدانية القطبية الأمريكية، التي تتبنى الفلسفة الرأسمالية الواجبة التطبيق على جميع دول العالم، فلسفة التبعية والإلحاق، فلا يجوز معارضتها أو حتى ابداء التململ من سطوتها الاستبدادية، فعلى الكل أن ينصاع إلى هذه الفلسفة الرأسمالية التي تقوم على الفردانية، والتي لا توجد في قاموسها المفردات التالية ذات البعد الاجتماعي القيمي الانساني مثل [ التعاون، التعاضد، المساعدة، مد يد العون، الكرم، السخاء، العواطف، التشارك، ].
.
وتعتمد التشكيلة الرأسمالية وبخاصة عندما تصل مرتبة ( الإمبريالية ) المسيطرة، على مفردات من قاموس خاص بها [ ( أنا وليكن بعدي الطوفان )، أنا الانسان الغربي الفرد، أعمل لتأمين عيشي واشباع غرائزي، أعيش منفرداً وأموت منفرداً، بعد بلوغ الفتى الثامنة عشر يتفلت من أي رباط أسروي، فله الحق أن يعيش منفرداً على هواه، همه اشباع غرائزه، أما شيخوخة والديه فلهما المأوى، والشركة التي أعمل لصالحها، تعطيني راتباً لتجديد طاقتي فقط لمتابعة العمل والانتاج، أما باقي ( فائض القيمة ) من انتاجي فيضاف إلى رأسمال الشركة، لا يحق لي الاعتراض أو المطالبة ببعض من حقوقي، لأن ذلك سيرميني في الشارع عاطلاً عن العمل، لا شأن لي بشعوب العالم، جاعوا، مرضوا، بل علي الانصياع إلى مواقف حكومتي حكومة الشركات، وإن اقتضى الأمر سأكون جندياً مكلفاً بقتل فقراء العالم، ] .
.
استمرار هذا العالم الأحادي القطبية بزعامة أمريكا، أدى إلى تمركز رأس المال عند 1% من سكان العالم، على حساب 99% من فقرائه، وهذا التمركز هو نتاج جهد مادي وفكري ، ساهمت فيها جميع شعوب العالم كل بمقدار طاقته وامكاناته، وكدست هذه الأموال في خزائن الشركات الاحتكارية ، وإن استمرت على هذه السياسة سيختل العالم، لأن هم الشركات الغربية ( زيادة التكديس ) بدون شبع، وبدون رادع، وبدون النظر إلى من أين جاءت الأموال ، وهذا الجوع الوحشي للثروة يتطلب الحروب، والحروب تؤدي إلى الموت الجماعي، والتجويع، والتدمير، وهذا المسار التدميري لحضارات الشعوب، يتناقض مع ما يجب أن يكون عليه مسار التقدم الحضاري الانساني، بل قد يدفع بحالة تهور لاعقلانية إلى تدمير البشرية بكبسة زر من رئيس أمريكي طائش . 
.
فهل توظيف العلم في خلق ثقافة استهلاكية نفعية فارغة، التي أسهمت في تحويل الوحش البدائي الذي كان، إلى متوحش أمريكي متمدن يستخدم العلم للفتك بملايين البشر من أجل الكسب المادي؟، وأن الخلل الحضاري الناتج عن تفرد القطب الأمريكي الواحد في التحكم بحضارة البشرية ؟، أدى إلى الاستخفاف في مصائر الشعوب ؟، لا إن تراكم كل هذه العناصر مجتمعة ، دفعت الاطار العام للواقع الحضاري الانساني المختل إلى التشقق، لأنه بات عاجزاً عن استيعاب وتحمل كل هذه الروح العدوانية القاتلة، مما استدعت الضرورة الموضوعية ولادة القطب المشرقي الجديد، لوقف التغول الغربي في دماء الشعوب، واستسهال تدمير حضارات الشعوب الفقيرة غير المستسلمة لمشيئته ، واعادة التوازن إلى الحركة التاريخية للحضارة الانسانية .
.
فهل يمكن أن نعتبر أن الميدان السوري، والمنازلة التي تمت على أرضه، شكلت بداية التحول التاريخية، استجابة للضرورة الموضوعية، التي لم تعد تتحمل التوحش الأمريكي الذي فاض عن المحتمل حضارياً ، فكسرت الهجمة البربرية التي قامت بها أمريكا وحلفاءها، والتي لم يشهد التاريخ لها مثيلاً، حيث استخدمت أخطر شرين في العالم، الفكر الديني القاتل والمتوحش، وأدوات الموت الأخرى التي أنتجها العقل الاستعماري الغربي، ولذلك وبكل موضوعية على شعوب العالم المستضعفة، أن تعترف أن الصمود السوري شعباً وجيشاً الذي قارب الأسطورة، لم يكن من أجل الدفاع عن سورية، ووحدة أراضيها، وكرامة شعبها وحريته فحسب، بالرغم من أهمية كل ذلك، ولكن كان من أجل عدالة الدنيا وتحقيق التوازن الدولي، فالتوازن هو أس الاستقرار ، والاستقرار أس الحرية ، والحرية أس التقدم .
.
متــــى تشــــكل القـــــطب العالـــمي الثـــــاني : 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منذ ان رفع كل من مندوبي روسيا والصين يديهما في مجلس الأمن وقالا : لا ... لا... عندما كانت أمريكا تستفتي المجلس بشأن سورية، عندها ولأول مرة تشعر أمريكا بهزة زلزالية قوية قد حدثت، لأن أمريكا المسيطرة لم تتعود على ذلك، بل كانت تعتبر مجلس الأمن مجلساً تحت وصايتها، وأيقنت أن الميدان الذي كانت تلعب فيه لوحدها، وتسيد وتميد فيه، قد نازلها في نفس الميدان لاعب آخر مجرب ومتمرس، وله تاريخ طويل بالنزال والتحدي، عندها استيقظت أمريكا من غفلتها، وبدأت أمريكا تعيد النظر في حساباتها لأول مرة منذ عقود .
.
تعـــالوا نتـــخيل مــاذا كــان سيـــحدث :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لو بقيت أمريكا لوحدها في الميدان العالمي، لا يمكن أن أتصورها إلا كذئب متوحش دخل في قطيع، [ سورية مفتتة إلى خمس دول، بعد أن تجري دماء المذابح أنهاراً، وكذلك العراق، تتقاسم الحركات الاسلامية الحكم فيما بينها في جميع الدول العربية ]، عندها وتلقائياً تطبق أمريكا الحصار على روسيا والصين، من خلال اغلاق البحر الأبيض المتوسط أمام سفنهما، ثم تبدأ بمحاصرتهما، وانهاء حلمهما في الخروج من مجالهما الحيوي الاقليمي .
.
وبعد كل ذلك الدمار والموت تطلب أمريكا انعقاد مجلس اسلامي برئاسة القرضاوي ، وعليهم أن يقرروا :
...........[ أن اليهود أهل كتاب، والدين اليهودي دين سماوي، وأن القرآن ذكرهم في أكثر من / 600 / آية، لذلك لابد من الاعتراف بأن فلسطين هي أرض الميعاد، ولليهود حق بها، لذلك لا بد من التصالح معهم، والاعتراف بحقهم ومبايعتهم على ذلك . ] ، وبالتالي ادماج الكيان الصهيوني في منطقة الشرق الأوسط، كوكيل حصري ومفوض في مواجهة كل دول الاقليم، وهذا ما كان الملك السعودي المؤسس قد تبناه .
.
ولما كان الملوك الأغبياء العملاء، همهم الوحيد أن يبقوا ملوكاً، فتتعهد اسرائيل ( مؤقتاً ) أنها لن تنال من ( هيبتهم ) ولكن إلى حين، وبعدها تطيح بتلك الهياكل .
.
وتطبق على المنطقة القول : 
إن اليهود شعب الله المختار وأن باقي الشعوب من ( الغوييم ) العبيد الملزمين بخدمة الشعب اليهودي حتى يوم الدين، .
.
سيقول البعض أن روسيا باتت تنتهج النظام الرأسمالي في اقتصادها، وهذا صحيح ولكن هناك فرقان كبيران أولا: ليس لروسيا تاريخ استعماري في منطقتنا كما كان عليه الغرب ،فضلاً أن الصين وروسيا ورثتا قيم الاشتراكية، التي باتت جزءاً من تاريخهما، وبعد كل هذا : فإن انتفاء القطب الواحد مع تباعد المصالح بين القطبين يحقق حالة توازن مفروضة ، فلكل مصالحه وعلى الآخر احترامها ، وهذا يعطي مساحة للشعوب لأن تمارس بعضاً من حرية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم يترك الغرب ومعهم الصهيونية العالمية، أداة قذرة أو وسيلة حربية إلا واستخدموها ضد وطني، وآخرها الحصار والتجويع، ولكن من ربح في كل تلك الميادين، لابد رابح في الميادين الباقية .
وعلى كل المهتمين أن يدركوا أن وقف الهجمة الأمريكية وحلفائها في الميدان السوري، قد أنقذ شعوب العالم الثالث من الطاغوت الأمريكي، وسيشكل فرصة لإعادة ترتيب أوراق المنطقة، مما يفسح في المجال لحيز من الهدوء والاستقرار وعدم الخوف ، وهذه هي الشروط الضرورية للتمتع بقسط من الحرية منذ عقود مديدة . 

محمد  محسن: كاتب وسياسي عربي سوري

المقال يعبّر عن وجهة نظر و رأي كاتبه