يصدر قريبًا عن دارَي الرّعاة (فلسطين) وجسور ثقافيّة (الأردن) كتاب موجز تاريخ فلسطين منذ فجر التاريخ وحتى الفتح العربيّ الاسلاميّ، بقلم كاتب هذه السطور وسيكون الكتاب متوفرا في معرض بغداد الدولي للكتاب الذي سيبدأ في السابع من شباط الجاري ولغاية الثامن عشر منه، في جناح دار دجلة للنشر والتوزيع وسيكون متوفرا أيضا في مكتبات بغداد والضفة الفلسطينية المحتلة " توزيع دار الرعاة في رام الله" وفي مكتبات العاصمة الأردنية ومدن ومعارض دولية للكتب قريبا. هنا فقرات ضافية من مقدمة الكتاب للتعريف به وبمنهجيته المعتمدة:
***
ليس الصراعُ الحاليّ في فلسطين، وعليها، صراعًا دينيًّا تقليديًّا؛ بل يمكن القول إنّ العنصر الدينيّ هو أحدُ دوافعه ومفاعليه وتجلّياته في آنٍ واحد، ولكنّه لم يكن ولن يكونَ السببَ الأوحد والأهمّ. إنّ هذا العنصر الدينيّ، والثقافيَّ بشكّل أعمّ، يدخل ضمن مشمولات الحالة والواجهة التاريخيّة لهذا الصراع. فهذا الصراع، أساسًا، ومن حيث الجوهر، هو صراعٌ جغراسياسيّ، حضاريّ، عسكريّ، وثقافيّ (وضمنه الدينيّ)، بين الحركة الصهيونيّة الأشكنازيّة ودولتِها المفتعلة "إسرائيل" المدعومة غربيًّا من جهة، وبين الشعب الفلسطينيّ وحلفائه من الشعوب العربيّة والاسلاميّة وشعوبِ العالم من الجهة المقابلة. ولقد دخل العنصرُ الدينيّ والتاريخيّ ضمن مشمولات هذا الصراع، بدفعٍ وتأجيجٍ من طبيعة الحركة الصهيونيّة الدينيّة التوراتيّة التكفيريّة المعادية للأغيار (جوييم، أي الآخرين المختلفين دينيًّا)، ومن طبيعتها القوميّة العرقيّة المنسوبة زورًا إلى للعبرانيّة والعبرانيين الجزيريين "الساميين."
وعلى ذلك، فليس من الصحيح والعادل والأخلاقيّ إدانةُ لجوء الإنسان الفلسطينيّ، والعربيّ عمومًا، إلى استلهام إرثه الثقافيّ والدينيّ، في دفاعه عن مقدّساته وعقيدته ووطنه وتراثه الدينيّ الإسلاميّ والمسيحيّ والقوميّ العروبيّ،... ثمّ السكوتُ عن لجوء الحركة الصهيونيّة ودولتها ــــ القائمة أصلًا على مزاعمَ وخرافاتٍ دينيّة توراتيّة وقوميّة عبرانيّة مُفتعلة ــــ إلى اتّخاذ العنصر الدينيّ التوراتيّ رايةً ومنهاجًا وثقافةً لها، بل هي تطالب اليوم ضحيّتَها الفلسطينيّةَ بالاعتراف بدولتها دولةً يهوديّةً، ولليهود حصرًا، وانتهت أخيرًا إلى قانونٍ دستوريّ يقرّر أنّ إسرائيل دولة قوميّة يهوديّة، ولليهود حصرًا.[1]
لذا، بات من اللازم الإلمامُ بالجانب التاريخيّ والحضاريّ من جوانب هذا الصراع الشامل والمعقّد. ومن هنا تأتي هذه المحاولة المتواضعة لتقديم عرضٍ مبسّط ومكثّف لخلفيّات الخطاب الجوهريّة في الصدد التاريخيّ، بهدف كشف الطابع الخاطئ والمزيّف للخطاب المعادي، وتبيانِ تناقضاته وأكاذيبه، بأسلوبٍ لا يتخلّى عن الحياد العلميّ في مقاربته للحقائق، ولا يخفي انحيازَه الإنسانيّ لقضيّة الشعب الفلسطينيّ المظلوم وللحقيقة في آنٍ واحد.
إنّ موضوع تاريخيّة فلسطين القديمة، المتلابسة مع جغرافيّتها، قبل ظهور اسم "فلسطين" وبعده عَلمًا لهذه البلاد الجميلة، موضوعٌ شائكٌ ودقيقٌ ومعقّد، ولكنّه ممتعٌ وملهِم ومفيد ثقافيًّا ومعنويًّا. والواقع أنّ هناك جهلًا طاغيًا بأساسيّات هذا الموضوع حتى بين صفوف النخبة المثقّفة العربيّة أحيانًا. وإذا علمنا أنّ الموضوع إشكاليّ ومعقّد أساسًا بسبب طبيعته الذاتيّة التاريخيّة غير التجريبيّة تمامًا، فسنفهم أنّ الاكتفاءَ بالمعلومات والشعارات والكتابات السياسيّة والحزبيّة السطحيّة حول الموضوع هو نقطةُ ضعفٍ كبرى خطيرة نعانيها، نحن العرب، على هذه الجبهة المهمّة، جبهةِ الثقافة والإعلام.
سأقوم، عبر هذا الكتاب، بمحاولةٍ متواضعة، لمقاربة مجموعةٍ من الحقائق والصور التاريخيّة والجغرافيّة واللغويّة حول فلسطين القديمة، منذ فجر التاريخ وحتى الفتح العربيّ الإسلاميّ، في أمّهات المصادر القديمة والحديثة،[2] ومن ثمّ نسجِها في هذا الموجز التاريخيّ.
إنّ ما أقوم به هنا ملخّص مبسّط ومكثّف لتاريخ فلسطين، بدءًا من فجر التاريخ، فمرحلةِ الانتقال إلى العصر التاريخيّ، مع اختراع الكتابة في بلاد سومر (جنوب بلاد الرافدين في العراق القديم)؛ أيْ من العصر النحاسيّ الغسولي (3000 سنة ق. م) حتى حروب الفتح والتحرير العربيّة الإسلاميّة في القرن السابع الميلاديّ. وهذا الملخّص موجّه أساسًا إلى جيل الشباب، مثلما هو موجَّه إلى غيرهم من الباحثين عن الحقيقة. وهو استعراضٌ لن يتوقّف عند التفاصيل المعقّدة والمتشابكة إلّا ما ندر وكان ضروريًّا وذا صلةٍ بفلسطين.
إنَّ مركزيّة العلاقة بين فلسطين التاريخ البعيد والشديد التعقيد والثَّراء، وفلسطين الحاضر الصراعيّ الحاليّ مع الحركة الصهيونيّة ودولتِها العنصريّة "إسرائيل،" تُعطي دافعًا ومبرِّرًا قويًّا لوضع السياق التاريخيّ في مجراه الصحيح بين مكوّنات معادلة الصراع، وفي مقدّمتها جبهة التاريخ القديم الذي أُهمل كثيرًا من قبل الطَّرف الفلسطينيّ والعربيّ، الثقافيّ والسياسيّ، لشديد الأسف. وفي المقابل أوْلى الطرفُ الصهيونيُّ والغربيّ اهتمامًا خاصًّا ومركزيًّا بهذا المحور الصراعيّ من الموضوع، مُعتبِرًا أنّ السيطرة على مكوّنات تاريخ فلسطين القديم وتوجيهَه في اتجاهات محدّدة بهدف تسييد الرؤية والرواية الصهيونيّتين هي مهمّة المهمّات بالنسبة إليه. والواقع يقول إنّ الطرف الصهيونيّ قد نجح حتى الآن نجاحًا باهرًا في إنجاز هذه المهمّة، وفي وضع الرواية والرؤية الفلسطينيّتين والعربيّتين للتاريخ الفلسطينيّ القديم في الهامش وفي حالة دفاع غير مبرَّرة، هذا إنْ كان ثمّة وجودٌ أصلًا لهذه الرواية يتعدّى الوجودَ البدائيّ والرمزيّ؛ إذْ إنّ الثابت هو أنّ الطرف الفلسطينيّ والعربيّ مقصِّر في هذا الباب تقصيرًا محزنًا ولا يمكن تبريرُه، بل هو يشبه تركَ جبهةٍ قتاليّةٍ مهمّةٍ فارغةً أمام العدوّ خلال القتال.
إنَّ الارتباط التاريخيّ والمضمونيّ بين الرؤية الصهيونيّة الاستراتيجيّة، والروايةِ الدينيّة التوراتيّة، والمشروعِ السياسيّ المباشر لـ"إسرائيل" العنصريّة، أمورٌ علائقيّةٌ لا يمكن نكرانُها. وقد تفطّن إلى جوهرها كتّابٌ كُثر، لعلّ من أهمّهم الباحث والأستاذ الجامعيّ المتخصّص في دراسات الكتاب المقدّس، كيث وايتلام، في كتابه الحاسم: اختلاق إسرائيل القديمة.
يؤكّد وايتلام هذا الارتباط بأدلّةٍ كثيرة، لا يمكن دحضُها أو التقليلُ من أهميّتها. من ذلك قولُه إنّ إشارة وعد بلفور إلى الرابط التاريخيّ بين اليهود المشتَّتين في العالم بـ"أرض آبائهم" كان أكبرَ نصرٍ في مطلع القرن العشرين للصهيونيّة، ولزعيمها حاييم وايزمن، الذي أصرّ على أنْ يتضمّن وعدُ بلفور مثلَ هذه الإشارة، إيمانًا منه بأنّ التركيز على الجانب التاريخيّ "شرطٌ أساسٌ لنجاح المشروع الصهيونيّ" ولضمان "عودة" اليهود إلى "أرض أجدادهم" (فكثيرًا ما كان وايزمن يردّد: "نحن لسنا بقادمين، بل عائدون").[3]
ويُضيف وايتلام، عارضًا أهميّةَ الببليوغرافيا المنجزة للتواريخ المهمّة لمملكتَي إسرائيل ويهوذا:
"إنّ تهميشَ تاريخ فلسطين القديم يمكن التدليلُ عليه من خلال الببليوغرافيا الممتازة للتواريخ المهمّة لإسرائيل ويهودا، كما ظهرتْ في بداية كتاب ميللر (Miller) وهيز (Hayes)، إذ توجد قائمةٌ تتضمّن خمسةً وستّين مرجعًا تعود إلى الفترة الواقعة من القرن الثامن عشر حتى أواخر القرن العشرين، بينما يوجد عنوانان فقط يعالجان تاريخَ سوريا وفلسطين... علينا أن نعي أنّ سيطرةَ اللاهوت هذه، وما لذلك من مضامينَ وأبعادٍ سياسيّة وثقافيّة، يجب أن تكون في أذهاننا كي نفهمَ كيف تمكّنت الأوساطُ العلميّةُ الغربيّة من اختراع إسرائيل القدوة، وإسكاتِ التاريخ الفلسطينيّ" [4].
ويستنتج وايتلام من ذلك استنتاجًا صحيحًا:
"هذا يعني أنّ التاريخ الإسرائيليّ، ويهوديّةَ الهيكل الثاني، اللذيْن كانا حكرًا على الدراسات التوراتيّة حتى عهدٍ قريب، يشكّلان في الحقيقة جزءًا من التاريخ الفلسطينيّ، بينما التاريخ الإسرائيليّ ــــ الواقع تحت هيمنة الدراسات التوراتيّة ــــ قد سيطر على المشهد العامّ لفلسطين إلى درجة أنّه أَسكت فعليًّا كلَّ مظاهر التاريخ الأخرى في المنطقة، من العصر البرونزيّ حتى الفترة الرومانيّة"[5].
إنّ المقارنة الدقيقة التي يجريها إدوارد سعيد، ويستعيدها وايتلام بحماس، بين ما فعلتْه الحركةُ الوطنيّة الفلسطينيّة في هذا الميدان، وبين ما فعلتْه حركاتُ التحرّر في الهند وأفريقيا وأستراليا، مهمّة جدًّا في هذا الصدد. فهو يقول:
"إنّ نموّ الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة لم يؤدِّ إلى استرداد الماضي، كما حصل في الهند وأفريقيا وأستراليا. والمشكلة هنا تكمن في أنّ مفهومَ التاريخ الفلسطينيّ يقتصر على الفترة الحديثة، في محاولةٍ لتوضيح القضيّة الوطنيّة في مواجهة النفي والتشريد، كما لو كان التاريخُ القديم قد تُرك لإسرائيل والغرب. وكان إدوارد سعيد قد لاحظ في خاتمة كتابه لوم الضحيّة: البحث العلميّ الزائف وقضيّة فلسطين... أنّ فلسطين كانت وطنًا لحضارةٍ لافتةٍ للنظر لقرون طويلة قبل هجرة القبائل العبريّة إليها. ويبدو أنّ طبيعة هذه الحضارة وإنجازاتها تُذْكر في جملٍ قليلة، بينما فترةُ الهجرة الاسرائيليّة، وهي نظرةٌ عفا عليها الزّمن...، قد تُركتْ لإسرائيل من دون أيّ تعليق. ويركّز الباحثون على تاريخ فلسطين منذ الفتح العربيّ والاسلاميّ في القرن السابع الميلاديّ حتّى الوقت الحاضر. أمّا الفترة البرونزيّة المتأخّرة بالتحديد، حتى الفترة الرومانيّة، فهي بحاجة إلى استعادتها وإعطائها صوتًا في تاريخ فلسطين."[6].
هنا يمكن أنْ نسجّل أنّ بعض الباحثين العرب ــــ بدلًا من العمل على إنجاز هذه المهمّة الملحّة، مهمّةِ فصل التاريخ الفلسطينيّ القديم عن القراءة والكتابة التوراتيّة، وإنجاز مهمّة كتابة هذا التاريخ ككيان سرديّ تاريخيّ مستقل ــــ يهدرون جهودَهم في البحث عن فلسطين أخرى في إقليم عسير أو جبال اليمن في عموم شبه الجزيرة العربيّة! لسنا ندعو هنا إلى منع الباحثين من البحث في الميدان الذي يشاؤون، وبالمنهجيّات التي يفضّلون، ولكنّنا نتكلّم على تسلسل الأولويّات ومستوى خطورة المهمّات والسياقات والعناوين الخاصّة والمتضمّنة في هذا الميدان.
وقد يكون دالًّا ومفيدًا أنْ أسجّل أنّني كنتُ أمام إشكالٍ فنيّ ومنهجيّ في محاولتي وضعَ البنية النهائيّة لهذا الكتاب، والذي هو كما يقول عنوانُه "موجزَ تاريخ." وهذا يوجِب على مؤلِّفه التقيُّدَ بالبنية المدرسيّة التقليديّة، كما نجدها في الكتب المعتمَدة في هذا المجال. ولكنْ، لأنّ الكتاب ليس تدريسيًّا بحتًا، بل موجّهٌ إلى القارئ العاديّ والمتخصّص في آن واحد، فقد انتهيتُ إلى أن يكون مصوغًا بأسلوبٍ مبسّطٍ شبهِ صحافيّ مع عناوين فرعيّة كثيرة، تشدُّ القارئ، وتُبعد عنه المللَ المتوقّعَ المتأتّي من الغرق في اللغة الاصطلاحيّة والتناول الأكاديميّ الجافّيْن.
أما من ناحية المدى الزمنيّ والتاريخيّ الذي تستغرقه مادّةُ الكتاب، فهو يبدأ منذ فجر التاريخ، من العصور الجيولوجيّة الجليديّة القديمة وعصر إنسان الهوموهابيل وعصر البليستوسين، ومرورًا سريعًا بالعصر الحجريّ القديم والعصر النحاسيّ الغسوليّ،[7] وحتى استكمال عمليّات الفتح والتحرير العربيّ الإسلاميّ في القرن السابع الميلاديّ. ولكنه لن يتوقّف مطوّلًا وتفصيلًا عند عهود فجر التاريخ والعصور القبتاريخيّة.
***
قبل أنْ نبدأ هذا الموجزَ التاريخيّ، أوَدّ تسجيلَ الملاحظات المنهجيّة التاليّة:
أبغي، أولًا، الإشارةَ إلى أنني سأستعمل المصطلحَ الذائعَ الصيت "الساميّة" ومشتقّاتِه على الرغم من التحفّظات العلميّة المهمّة والكثيرة عنه. فهو مصطلحٌ توراتيّ، ابتُكر واستُخدم لأوّل مرّة سنة 1770 من قِبل أعضاء مدرسة غوتنغن الألمانيّة للتاريخ، واشتقّوه من اسم "سام،" أحدِ أبناء نوح الثلاثة المذكورين في التوراة، ولم يعثر العلماءُ حتى اليوم على أيّ دليل نبْشيّ آثاريّ ملموس يَذْكر اسمَه مباشرةً أو اشتقاقًا.
أمّا نسبةُ ابتكار "الساميّة" إلى العالِم النمساويّ أوغست شلوتسر، كما فعل الباحثُ العراقيّ المتميّز الراحل د. فاضل عبد الواحد في كتابه من سومر إلى التوراة (ص 40)، وآخرون، فغيرُ دقيقة. وأما المصطلح الذي ابتكره شلوتسر فهو "معاداة الساميّة،"، وأريدَ له أنْ يعني معاداةَ اليهود واليهوديّة، وهي معاداةٌ كانت سائدةً في الغرب والشرق الأوروبيّ، على عكس التعايش السلميّ مع اليهود في العالم العربيّ والاسلاميّ. ولكنّ عبارة "معاداة الساميّة" أصبحتْ كثيرًا ما تُخلط زُورًا في عصرنا مع معاداة الصهاينة، الذين غزوْا فلسطين وشرّدوا شعبَها وأقاموا دولةً نوويّةً عنصريّة. وقد ابتكر شلوتسر هذا المصطلح بعد عقد تقريبًا من تاريخ ابتكار مصطلح "الساميّة" من قبل باحثي مدرسة غوتنغن. وهناك مَن يُعيد هذا المصطلح إلى فيلهلم مار، وهو صحافيّ ألمانيّ كتب كتيّبًا سنة 1879 ورد فيه هذا المصطلح.
أمّا مصطلح "اللغات الساميّة،" كما تزعم دائرةُ المعارف البريطانيّة، فقد كان أوّل من أستعمله هو شلوتسر أيضًا في بحوثه التاريخيّة سنة 1781. وجاراها في هذا الزّعم، وكرّره نقلًا عنها، الباحث إسرائيل ولفنسون، في كتابه تاريخ اللغات الساميّة، ثم انتشر هذا الرأي في كتابات الباحثين في الدراسات الشرقيّة. ولكنّ مصادر سريانيّة قديمة، كما يخبرنا المطران بولس بهنام، تدحض هذا الزعمَ، وتؤيّد أنّ هذه التسمية "قديمة جدًّا، يرتقي تاريخُها إلى ما قبل القرن السابع الميلاديّ،" وأنّ "أوّلَ عالم سريانيّ أطلق هذه التسمية على مجموعة اللغات الشرقيّة هذه هو يعقوب الرهاوي المتوفّى سنة 708م. وقد جرى العلماءُ السريان على أثر الرهاوي، فاستعملوا هذا الاصطلاح قبل شلوتسر بقرون كثيرة"[8].
إذًا، الواضح، والمتفق عليه إلى حدّ بعيد بين المتخصّصين، هو أنّ هذا المصطلح ("الساميّة" أو "الساميون") لا علاقة له بالمنهجيّات الحديثة وأدواتِها القائمة على أسس العلم التجريبيّ، كعلم الآثار والتنقيبات الأركيولوجيّة الموثّقة باستعمال الكاربون المشعّ والمخترعات الحديثة الأخرى، بل يقوم على الرواية الدينيّة التوراتيّة للتاريخ القديم. والتوراة، كما سجّل أغلبُ الباحثين والمؤرِّخين، بل بعضُ اللاهوتيين اليهود أيضًا، كتابٌ دينيّ لا يعوَّل عليه من حيث الرواية التاريخيّة، وخصوصًا روايته للأحداث التي سبقتْ مرحلةَ تدوينه بعدّة قرون. فتناقضاتُه ومبالغاتُه الفادحة لا تُعدّ ولا تحصى، ولعلّ من أشهرها "قصّة فكّ الحمار" التي وردتْ في سِفر القضاة (15/14 ــــ 16)، وخلاصتُها أنّ شمشون تسلّح بعظْمة فكّ حمار وضرب بها "الفلسطيين"[9] خلال المعركة فقتل منهم ألف مقاتل!
وكمثال آخر، ثمّة هجاءُ التوراة وشتائمُها ولعناتُها ضدّ بابل في مواضع كثيرة. بل يختلط الأمر بين أجمل أنواع المديح الشعريّ لهذه المدينة والعاصمة الإمبراطوريّة عهدَذاك، وبين الهجاء والذمّ والتجريم والدعاء بدمارها وإبادة سكّانها. لنقرأْ في التوراة هذا المديح الشعريّ الباهر لها: "بابلُ كأسُ ذهبٍ بيد الربّ تُسْكِرُ كلَّ الأرض" (سفر إرميا 50 ــــ 6)، وقد اقتبسه فردريك ديليتش في كتابه بابل والكتاب المقدّس (ص 32) في سياق امتداح التوراة لبابل، وشهادةً من التوراة على روعة بابل المتفوّقة وقوّتها في عهد نبوخذ نصّر، كما كتب، ولكنّه للأسف لم يكمل الاقتباس! فحين نكمل قراءةَ هذه الفقرة من سِفر إرميا، يتّضح لنا أنّ هذا السِّفر لا يمدح بابل بل يكشف جريمتَها الكبرى ويتوعّدها بالتدمير والإبادة: "بابلُ كأسُ ذهبٍ بيد الرب تُسْكِرُ كلَّ الأرض. ِمنْ خَمْرِها شَرِبتِ الشعوبُ. مِن أجل ذلك جُنّتِ الشّعوبُ." ولهذا يجب أنْ يعاقِبَ ربُّ الجنود، ربُّ يهوذا وإسرائيل، بابلَ هذه شرَّ عقاب حتى "تَكُون بَابِلُ كُوَمًا، ومأْوى بناتِ آوى، ودَهَشًا وصَفِيرًا بلا ساكِنٍ." ونقرأ أيضًا: "صَوْتُ صُراخٍ مِن بابِلَ وانحِطامٌ عظيمٌ مِنْ أرضِ الكلدانيّين، لأنّ الرَّبَّ مُخْرِبٌ بابلَ وقد أَباد منها الصَّوْتَ العظيمَ." فهل هذه مادة تاريخيّة أمْ شعريّة أمْ دينيّة؟ وأين يبدأ ما هو تاريخيّ وأين ينتهي الشعريّ أو الدينيّ؟
والواقع أنّ هذا المصطلح ("الساميّة") ومشتقّاته يُستعمل منذ القرن الثامن عشر، من قِبل الباحثين التوراتيّين وغير التوراتيّين، بشكل واسعٍ ونمطيّ، من دون التساؤل الفعليّ المؤدّي إلى قرار عمليّ بخصوصه عن محتواه وحيثيّاته التاريخيّة. وهم يستعملونه على جهة المجاز لا الحقيقة، وغالبًا بنوع من التواطؤ "البريء" أو الاعتياد، إلّا من طرف بعض المتعصّبين التوراتيّين الذين يتصرّف بعضُهم في الميدان البحثيّ بنوعٍ من الهيمنة والاستبداد، وبما يوحي وكأنْ لا بديل أكثر رصانةً وعلميّة له. ولهذا، فأنا أستعمله هنا من باب المجاز فقط. وزيادةً في التحفّظ والحيطة فقد وضعتُه بين مزدوجتين، واعتمدتُ المصطلح العراقيّ "الجزيريّة" و"الجزيريّ" بديلًا أكثر علميّةً له مع أنّه أقلّ شيوعًا. لكنْ، من أين جاء هذا المصطلح "الجزيريّ"؟

هذا المصطلح من ابتكار الباحث الآثاريّ العراقيّ الراحل، وأستاذ الحضارات القديمة في جامعة بغداد، د. فاضل عبد الواحد. وقد استعمله للمرّة الأولى في بحث له بعنوان "الأكديّون ودورهم في المنطقة" سنة 1979. وقد وافقه على ذلك، واستعمله من بعده، العلّامةُ الآثاريّ العراقيّ الراحل طه باقر، صاحبُ أنضج ترجمة لـ ملحمة جلجامش من الأكديّة إلى العربيّة مباشرةً، ومؤلِّفُ الأبحاث الكثيرة حول الحضارات العراقيّة والشرقيّة القديمة.[10] وما يقترحه كاتبُ هذه السطور هو تعديل طفيف لغرض تسهيل التأثيل الاصطلاحيّ واللغويّ ليكون "الجزيريّ" بدلًا من "الجَزْريّ" للدلالة على الشعوب والأقوام واللغات ذات الأصول المؤكّدة علميًّا في الجزيرة العربيّة، ولتفادي الخلط اللغويّ في النسبة بين جمع مفردة جزيرة (الجُزُر) المُرادة هنا، ومفردة "الجَزَر" غير المقصودة لفظًا وكتابة ومعنى...
*كاتب عراقي
[1] قانون الدولة القوميّة لليهود في "إسرائيل" (بالعبريّة: חוק יסוד: ישראל - מדינת הלאום של העם היהודי‎) قانون إسرائيليّ أساس، يُعرِّف "إسرائيل" دولةً قوميّةً للشعب اليهوديّ. أقرَّه الكنيست في 19 يوليو 2018، بأغلبيّة 62 ومعارضة 55 وامتناع نائبين عن التصويت.
[2] سيلاحظ القارئ أنني سأولي اهتمامًا منهجيًّا خاصًا، في الفصول الأولى من هذا الكتاب، بأحد الكتب التي صدرتْ في نهايات القرن الماضي، وهو كتاب ثمين وحاسم، رغم صغر حجمه، ويحمل عنوان: تاريخ فلسطين عبر العصور، للباحث الفلسطينيّ الراحل يوسف سامي اليوسف. هذا الكتاب موثّق علميًّا، وأقربُ إلى موجز لتاريخ فلسطين عبر العصور. وكان الراحل اليوسف قد وعدَنا، في مقدّمة كتابه، بأنّه سيعمل على كتابة تاريخ فلسطين الشامل مفصّلًا لاحقًا. ولكنّ الأجل، لشديد الأسف، لم يمهلْه للقيام بتلك المهمّة. ويبقى الأمل معقودًا على زملاء الراحل للقيام بتلك المهمّة الخطيرة والضروريّة لكتابة تاريخ علميّ وشامل ودقيق ومفصّل لبلاد فلسطين ــ ــ وهو كتابٌ تخلو منه المكتبةُ العربيّة والعالميّة، وتمسّ إليه الحاجةُ، وخصوصًا لأجيال الشباب الفسطينيين والعرب عمومًا. وما كتابي هذا إلّا محاولة متواضعة على الطريق لتحقيق هذه المهمّة، ولا أزعم أنّه إنجاز كامل لها.

[3] كيث وايتلام، اختلاق إسرائيل القديمة (الكويت: دار المعرفة، ط1، 1979)، ص 11.
[4] المصدر السابق، ص 26.
[5] المصدر السابق.
[6] المصدر السابق، ص31.
[7] العصر النحاسيّ (The Chalcolithic Period): من اليونانيّة khalkos، وليثوس lithos (حجر النحاس)، أو العصر النحاسيّ (Copper Age): فترة من فترات تطوّر الحضارات البشريّة، بدأ معها استخدامُ الأدوات المعدنيّة إلى جانب الأدوات الحجريّة. وتقع بين العصر الحجريّ الحديث والعصر البرونزيّ.
[8] المطران بولس بهنام، "الساميّة والساميون واللغة الساميّة الأم،" موقع American Foundation for Syriac Studies
[9] سأميّز دائمًا، في صفحات هذا الكتاب، بين "الفلسطينيّين" كاسم علَمٍ للشعب الفلسطينيّ المعاصر الحيّ، وبين الفلسطيين أو الفلسطة "الفلستيين،" وهم الشعب المهاجر إلى جنوب فلسطين من جُزر البحر الأبيض المتوسّط في العصور القديمة، وقد اندمج بسكّان فلسطين القدماء من الكنعانيين.
[10] د. فاضل عبد الواحد، من سومر إلى التوراة (القاهرة: دار سينا، 1996)، ص 9.