إننا، كلما حاولنا أن ننظر إلى واقع السياسة في لبنان، نصطدم بإزدواجية المعايير في ممارسة الساسة لواجباتهم في خدمة الشعب (أو الأصحّ، لمهنتهم)، والتناقض الفاضح بين كلامهم وأفعالهم. إن الشعب اللبناني على تمام العلم بهذا الواقع. في الحقيقة، ليست المشكلة مجرّد تناقض عابر وعَرَضيّ وبسيط بين القول والفعل، إنما هي، في جوهرها، مشكلة فساد دائم في أخلاق معظم الساسة، في لبنان، بالوراثة والإكتساب والعدوى. لذلك، حين تُذكرُ هاتان الكلمتان معا، أخلاق وسياسة، في مجرى الحديث عن وجوب تعليم مبادىء علم الأخلاق، في لبنان، لجميع الأعمار، في المدارس والجامعات ومراكز العمل، من أجل أن يتعلّم الشعب أن يمارسها منذ الصغر حتى الشيخوخة، في الحياة الخاصة والعامة، وخاصة في عالم السياسية وفي إدارة الدولة وشؤون الشعب، يُفاجأ المستمعُ (وهو من الأكثرية الصامتة، المُحْبَطَة، المتشائمة، المُهَمِّشَة لذاتها، غير الفاعلة)، ويُبادِرُ، بسرعة البرق، وبغضب، الى الردّ بقوله: ماذا؟ سياسة وأخلاق؟ في لبنان؟ وفي هذه الأيام؟ ولا حتى في الحلم. إنسَ الموضوع. دَعْ عنك المثاليات. لا تُتْعِبْ نفسك في قراءة مزاميرك على أحد. لا محبة بين أبناء الشعب، وهم، بأكثريتهم يتبعون ويعبدون زعماء طوائفهم، لا رجاء منهم ولا رجاء من الساسة الفاسدين الذين ينتخبونهم، هم أنفسهم، وبحماس شديد، كلّ أربع سنوات. 

               إنها ردّة فعل طبيعية جدا، تعكس صورة الواقع التعيس، المؤلم، الذي يعيشه اللبنانيون، والذي لا يريحهم أبدا، لا بل يزعجهم التكلم عنه. غير أنّ اللبنانيين قد تعوّدوا (أو هكذا يتظاهرون ويدّعون)، خلال سنين طويلة، شمّ روائح فضائح وفساد الساسة والدولة، وبنوا في نفوسهم (أو هكذا يظنّون) مناعةً ضدّ التأثر بها، كالمناعة التي اكتسبوها ضدّ التلوث البيئي البصري والسمعي والتنفّسي، وضدّ التلوث الغذائي والمائي، بينما منجل ملاك الموت يحصدهم بالمئات. وتعوّدوا أيضا غضّ النظر (وهنا الجريمة العبثية الكبرى) عن سلوك الساسة غير الأخلاقي، وعلى عدم محاسبتهم، وعلى الإكتفاء بالإنتقاد والإستنكار والشجب والشتم وهزّ الرأس، وهم في النهاية، قد تعوّدوا (لأسباب عائلية ومذهبية وطائفية صارت معروفة ومألوفة) إعادةَ إنتخاب جلاديهم وتعذيب أنفسهم، رغم كل أنواع المصائب والشرور المتزايدة كل يوم، والتي لا يفعل ممثلوهم في الحكم أي شيء لمعالجتها جدّيا معالجة جذرية، سوى الكلام عن نواياهم الطيبة وإراداتهم الحسنة لتحسين الأمور وحلّ المشاكل، وعن أموال آتية أو أَتَتْ من الخارج كمساعدات أو هبات أو قروض، ثم تختفي الأموال بسحر سحرة كثر. وهكذا، تكتمل، باستمرار، دورة الفراغ المقرِف، القاتل، في حياة شعب لا يجيد معظمه (خاصة الأكثرية الصامتة المصابة بالقرف، غير الملتزمة وغير الفاعلة) إلا اجترار أنفسهم بعناد عجيب ولذّة غريبة، ولا يحاولون أن يجدوا سبيلا للخلاص من تخبّطهم في رمال صحاري القحط الحارقة. وإذا وَجَدَ أحدُ المخلصين، من ذوي الرؤية السليمة، ذلكَ السبيلَ لهم، فإنّ معظم أفرقاء الشعب يرفضون، بتهكم وسخرية، السير فيه، منهم خوفا من الإبتعاد عن حماية وعبادة زعيمهم وطائفتهم، ومنهم لعدم اهتمامهم، ولشعورهم الدائم بالعجز واليأس.

               كيف يتجلّى، عندنا في لبنان، إنعدام الأخلاق في الحياة السياسية؟
   
               إنه يتجلّى، بكل بساطة، بشكل واضح ودائم، في التناقض الفاضح بين أقوال الساسة المعسولة ووعودهم الوردية للشعب، وبين تصرّفاتهم الأنانيّة وأدائهم السيّء، المهمِل لمصالح الشعب الحيوية، في مراحل العمر كلها، من الطفولة الى الشباب الى الشيخوخة، وفي جهلهم المطبق، (أو تجاهلهم المقصود) لشيء إسمه حقوق الإنسان. فهم، قبل كل شيء، لا يعودون أبدا، وهم في الحكم، الى الشعب الذي انتخبهم، ليصارحوه بما يفعلون، وليطلبوا رأيه، وليسمعوا همومه، وليؤدوا الحساب عن الوكالة التي منحهم إياها يوم انتخبهم، لأنهم واثقون بأن الشعب لا يتطلّب ذلك، ولن يحاسبهم. إنهم ساسة بلا رؤية واضحة لمستقبل الوطن بأسره (كرؤيتهم، مثلا، وبنوع خاص، لمستقبل وطنهم العائليّ والطائفيّ)، وبلا خطّة عمل لتحقيق أهداف نبيلة ومشاريع عمرانية في سبيل خدمة الشعب وازدهاره، وبلا أي احترام حقيقيّ للشعب، وأي اعتبار لوجوده وهمومه وحاجاته. وإذا كان ثمة أية خدمات يقدّمونها، من وقت الى آخر، لبعض مناصريهم، فهي تبقى محصورة ضمن نطاق المصلحة الشخصية لا الوطنية، وبقوة "الواسطة" ولو على حساب المبادىء والحق والقانون. لا لزوم لسرد الأمثلة على هذا الواقع. الأمثلة كثيرة (التوظيف العشوائي، غير الطبيعي بضخامته، في الدولة، أحدُها)، والجميع، زعماءًا وأتباعا، يعرفون ذلك ويتباهون به، في سكرتهم الدائمة، الموروثة، بروح القوة والعظمة.

               ويتجلّى غياب الأخلاق في تقلّبات معظم السياسيين الدائم في مواقفهم وتحالفاتهم السياسية والمالية، بحسب مصالحهم الشخصية وحسب، وفي تبريراتهم الكاذبة، غير المقنعة، لتلك التقلّبات. في الواقع، "مصلحة الوطن العليا"، كما يدّعون، غائبة عن سلوكهم هذا. رأينا ذلك في حمأة الإستعدادات للإنتخابات النيابية الماضية التي تحوّلت إلى أسواق مخزية لبيع وشراء مراكز سياسية، بالمزاد العلني. رأينا زعماء الطوائف واللوائح يحتارون مع من يتحالفون، ويفتشون عن حلفاء جدد (ولو كانوا أخصاما سابقين في المبدأ والعقيدة)، شرط أن يملكوا أصواتا أكثر ومالا أوفر من مرشحين آخرين. كلّ زعيم قد سعى إلى تأمين نجاحه هو وحده في الإنتخابات (مع حرصه الشديد على نتف ريش الأثرياء الطامحين إلى دخول جنات نعيم السياسة)، بسبب سيئات القانون الإنتخابي الجديد للشعب وتقييده لحرية اختياره (رغم إصرار بعض الساسة المغمورين بنشوة "نيرفانا" الإنتصار على مدحه وادعائهم (غير المقنع لكل ذي عقل سليم) بأنه رائع ويمثل الجميع)، وقد قبله (وهنا الغرابة الكبرى) الزعماء، وسوّقوه بسرعة، ودون دراسة كافية له ودون نقاش، كونه يناسبهم بلوائحه المغلقة التي لا يجوز خرقها، فإنّ الساسة قد خبطوا خبط عشواء، وعقدوا تحالفات مع الحليف في منطقة، وضدّه في منطقة أخرى، ثم عادوا عن هذه، هنا، وعن تلك، هناك. وانتهت القصة نهاية سعيدة بتبجحهم بأوزانهم وأحجامهم وحيثياتهم الشعبية.

               ويتجلّى غياب الأخلاق في ما تلوكه ألسنة الناس والإعلام عن قصص الإستدانة المعيبة، المخيفة، من مؤسسات مصرفية في الخارج. وهذه الإستدانة قد حذّر خبراءُ الإقتصاد الحكومات المتعاقبة على الحكم، من خطورتها الإقتصادية والسياسية، ومن وجوب إيقافها، ولكنْ عبثا. والديون، في نتيجة الأمر، يدفع الشعب ثمنها من خلال فرض الضرائب عليه، وكأن واجب التضحية بذاته وماله يقع عليه وحده، و"اتخاذ القرارات الصعبة، الموجعة"، كما يهمس، بخبث ناعم، وبراءة ملائكية مصطنعة، بعض المسؤولين في الحكم. والإستدانة العبثية هي دائما بحجة إقامة مشاريع لا تقوم لها قائمة، ولا أحد يعرف أو يريد أو يقدر أن يعرف كيف وأين يُصرف المال. ويتّضح أكثر، يوما بعد يوم، بأن الإستدانة "المشروطة"، مع تجديد "الأمم المتحدة" الفجائيّ مساعداتها للنازحين السوريين، (أمم متحدة ضدّ اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين، وجميع الشعوب، إلا ضدّ الكيان اليهودي العنصري في فلسطين)، إنما تهدف، في الحقيقة، إلى فرض توطينهم في لبنان، مع اللاجئين الفلسطينيين منذ 1948، ضمن مخطط خلط الشعوب بشكل يزعجها ويفقدها التوازن. أما الكيان القومي اليهودي الصهيوني التلمودي، فإنه، شيئا فشيئا، من خلال التنفيذ المرحليّ ل"صفقة القرن"، يتحوّل إلى كيان عِرقي، عنصري، صافٍ مئة بالمئة، بعد إكمال عملية "تطهيره" من أي عنصر غريب. صحراء سيناء جاهزة لتحقيق ذلك، مهما طال الوقت.

               ثم تأتينا قصص الإثراء غير المشروع التي تتناول سياسيين كثرا، قديمي وحديثي النعمة، من كل الطوائف، وعن "مكرمات" تهبط هبوط الوحي على بعض السياسيين من دول غنية لتمويل كل شيء، من إنتخابات وشراء أصوات وولاءات للزعيم ولأسياده في الخارج، لا للوطن، أجل، لتمويل كل شيء إلا تمويل تسليح الجيش اللبناني، مثلا، بشكل جدّي وكامل، الممنوع عليه ان يكون قويا، وتمويل سدّ الديون المتزايدة، جرّاء سياسة الإستدانة الغبية والخبيثة في آنِ معا، على خزينة الدولة (أي خزينة الشعب) العاجزة، المنهوبة من حُماتها بالذات. وهنا، بنوع خاص، يتجلّى غياب الأخلاق واستشراء الفساد في أولويات التمويل عند معظم السياسيين (خدمة الشعب ليست من هذه الأولويات): تمويل حياة البذخ في اقتناء القصور واليخوت والطائرات، وشراء العقارات، وتمويل سفرات الإستجمام إلى الخارج، وتمويل جيوشهم الخاصة لحمايتهم الشخصية (ضدّ الجميع في لبنان إلا ضدّ إسرائيل)، وتمويل حملاتهم الإنتخابية (بمال أثرياء الداخل والخارج) من أجل التأثير والسيطرة، بالرشوة، على ناخبيهم أولا، ثم على المجلس النيابي ورئيسه، ثم على الحكومة ورئيسها، ثم على رئاسة الجمهورية، وفي النهاية، من أجل فرض حكم يطبّع العلاقات مع كيان العدوِّ التلمودي الصهيوني اليهودي العنصري، "إسرائيل". إن هذا العدوّ يتغافل، عمدا، هؤلاء الساسة المغمورون دائما بنعم وبركات آلهة المال، عن ذكره، وعن ذكر خطره على الشعب اللبناني وكل شعوب المنطقة، وكأنه غير موجود، إرضاءًا لعبّاد المال وعجول الذهب والنفط وآلهة النفوذ والقرار وراء البحار غربًا، ووراء الصحاري شرقًا.

               ويبلغ غياب الأخلاق ذروته عند الساسة اللبنانيين في عدم شعورهم بأي حياء وأي ندم وأي خوف جراء أفعالهم الشنيعة وإهمالهم للشعب، وفي متابعتهم، وكأن شيئا لم يكن، للتنعّم بعظمة ألقابهم، وبخيرات مراكزهم وحصانتهم، وبحياتهم اليومية السعيدة دائما، والمريحة لهم وحدهم، هم وعيالهم وحاشيتهم وخدامهم وحراسهم وحدائقهم وكلابهم وهررتهم وأحصنتهم وسياراتهم.

               أين أبناء الشعب اللبناني من كل ذلك؟ 

               إنهم بين غاف، وغافل، أو متغافل عما يجري حوله، ومنهمك في تحصيل لقمة عيشه، أو هم يفكرون بالهجرة، إن استطاعوا، أو بتعاطي المخدِّرات و/أو الإتجار بها، أو بالسرقة أو بالتسوّل أو بالإجرام أو بالإنتحار.

               في هذا الجوّ السياسيّ العام،البشِع، الموبوء بروائح نتن الكذب والخبث والخداع والغدر والكيديّة والنكاية والسرقة والباطل، المنبعثة من أخلاق بعض الإعلاميين المأجورين، وبعض الساسة المتكبرين، المستقوين بمال الخارج ودعمه، وبجيوشهم الخاصة وبحصانتهم، هل من مكان بعد لشيء إسمه صدق وشرف وكرامة وشهامة وأنَفَة ووفاء وإخلاص ورحمة ومحبة وحقّ وعدل، تحت سماء وطن الجبال الشاهقة وثلوجها البيضاء النقية، وأرزها الشامخ، الصادق، الدائم الإخضرار، لبنان؟

               تقفُ النخبُ الواعية، الصادقة، الحزينة، أمام هذا الواقع المؤلم، وقفة تأمّل عميق، في سبيل إيجاد سبل خلاص للشعب اللبناني من مآسيه، وتجنّب الإستئناس والإكتفاء بالغرق في بحيرات دموع البكاء على الأطلال وقصائد الندب والتفجُّع والرثاء. ثمّة، اليوم، نخب جيّدة تملك وتقدّم مشروع خلاص متكاملا يتمّ تحقيقه على مراحل، وبشكل منطقي وواقعي، يجسّد رؤية جديدة للبنان جديد، بدءًا بمشروع فضح الفساد ومحاربة الفاسدين. ولحسن الحظ، فقد باشر، بشكل أدهش الشعب اللبناني وفاجأه، بعض الساسة في الحكم، بالتشمير عن سواعدهم لمحاربة الفساد. والشعب المدهوش ينتظر، غير مصدِّق ما يسمع ويرى، ويراقب مدى صدقهم في تحركهم الجديد هذا، ومدى قدرتهم على الإستمرار به حتى النهاية، ومنع تحويل عملية محاسبة الفاسدين من قضية وطنية بيد القضاء العادل، إلى قضية عنفوان شخصيّ ومذهبي وقضية "أمن قومي" طائفي، معرّض للخطر، مما يدفع رؤساء الطوائف إلى التطوّع لحماية أبنائهم الفاسدين.

               إن نخب الشعب الصادقة القليلة، الجيدة، الفاعلة، لا تستطيع، رغم كل شيء، أن تفقد الأمل بالخلاص، كونها تملك ضميرا حيّا، وروح الخير والمحبة، وإرادة الحياة والقوة والمنعة للوطن بكل عائلاته الروحية. إنها تريد أن تحيِيَ الأملَ في نفوس اللبنانيين جميعا، خاصة الشباب، بأنّ الخلاص ممكن، وهو ليس بمستحيل، إذا قرّر الشباب الصادقون، الأباة، الشجعان، أن ينتفضوا من عقال سباتهم وقرفهم وتبعيَّتِهِم العمياء للزعيم وتغاضيهم عن أخطائه واستغلاله للشعب، وأن يعلنوا الثورة على ذاتهم، أولا، ثم على الساسة المقصِّرين في خدمة الشعب والناهبين لثرواته.

                إن شباب لبنان الموحَّدين هم الأمل الوحيد بالخلاص. النخب الصالحة هي أهلٌ أن تقود ثورة الشباب. الثورة يمكنها أن تبدأ اليوم، في اللحظة الحاضرة، بالكلمة الصادقة من فم النخب والشباب، بلا خوف وتحفّظ، في لقاءاتهم العائلية والمدرسية والجامعية والعمالية والسياسية، وفي كل مكان وظرف، وبالكلمة المكتوبة لمن يقدر على ذلك من خلال الإعلام بكل وسائله وأدوات التواصل الإجتماعي المتاحة بوفرة، وبالعمل المنظّم، المسؤول، الفعّال، في الحركات السياسية المستقلّة، الحرّة، ذات الرؤية الديمقراطية العلمانية، المؤمنة بمبادىء الأخلاق، من أجل التهيّؤ جيّدا، في النهاية، لتطبيق فعل الثورة القويّ في الإنتخابات القادمة تطبيقا شجاعا، متحرّرا من أيّ تأثير ماليّ أو تعصّب طائفيّ أو مذهبيّ أو عِرقيّ. وعلى الشباب أن يبقوا مستعدّين، في كل الأحوال، بقيادة نخبهم الجيدة، لاحتمال اللجوء إلى التظاهر والإعتصام والعصيان في الشارع، ورفض دفع الضرائب، لأن المفاجآت السيئة، غير السّارة، من قبل السياسيين، كزيادة الضرائب، مثلا، على الشعب الفقير، واردة (رغم كل تظاهرهم بمحبة الشعب)، وممكنة الحدوث في أية لحظة، لتأمين واردات للخزينة المفلسة، المنهوبة، وإيفاء الديون القديمة المتراكمة، والجديدة الآتية، لا محالة. وأوّل الغيث، مع ازدياد غلاء المعيشة المستمرّ، كان ارتفاع الدفعة السنوية لسعر المياه. 

               بإسم الصدق والشهامة والشرف والكرامة والإباء، وبفعل إرادة قوية صلبة، فليعلنْ، اليوم، شباب لبنان، ثورتهم على الكذب والفساد والإستغلال، وَلْيشجّعوا التحرّك الجديد، المفاجىء، لبعض ساسة الحكم من أجل محاسبة الفاسدين القدامى والجدد، في الدولة، وَلْيَدعَموه، وِلَيُراقبوه، ولْيكتشفوا إلى أي حدّ هو جِدِّيٌّ ورصينٌ، ولْيلحقوا المنافق حتى باب داره، كما يقول المثل الشعبيّ. على كل حال، فليحضِّروا أنفسهم، من اليوم، ليزيحوا، من خلال صندوق الإقتراع، وفي كل استحقاق إنتخابيّ، من ينبغي أن يُزاحوا من الكذابين والمرائين والباطنيّين والفاسدين، مرّة واحدة والى الأبد، عن مواقع وعروش القوة والقرار والحصانة في الحكم، ولْيضعوا مكانهم أناسا صادقين يكونون حقا رعاةً صالحين لخرافهم، يدافعون عنها ولا يهربون من الذئاب أو يتواطأون معها على غزو حظيرة الخراف الآمنة، رعاة صالحين لا يقودون خرافهم الى مسالخ أبالسة الموت والدم وأسواق البيع والشراء والخيانة والذلّ، بل يقودونها إلى المراعي الخضراء، الخصيبة، الهانئة، وإلى ينابيع المياه العذبة، الصافية.

               هل يُجدِّدُ شعبُ لبنانَ المُحْبَطُ بأسره، روحَ شبابه كالنسر، ويقرّر أن يختار جيّدا رعاته الصّالحين من نخب جيدة تدافع، بصدق، عن حقوقه المهدورة وماله المسروق، وقد بدأت، بعض هذه النخب، تولَدُ داخل الدولة بالذات، وتُسْمِعُ صوتها الصارخ في برّية الحكم أنْ قَوِّموا سُبُلَ الحقّ، وأحيوا روح القضاء العادل؟

               على هذا الأمل الجديد، نحيا، وننتظر، بشوق كبير، ولكنْ، بحذر شديد، واستعداد قويّ، دائم، لتوقع وتقبّل خيبات الأمل من الساسة، أجل، على هذا الأمل الحذر، وغير الساذج، ننتظر انبلاج فجر الفرَجَ والخلاص.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه