ما إن يُفتح ملف التعاون العسكري بين لبنان وأي من الدول ذات الخبرات المهمة، حتى يحشر البعض أنفه، ويفعل كل ما بوسعه، لكي لا يتم هذا الأمر. المقصود بالبعض هنا من في الخارج الذين يضعون أمن كيان العدو على سُلّم أولوياتهم، فلا يحلو لهم مُطلقاً تطور قدرات الجيش اللبناني للدفاع عن بلده. والمقصود بالبعض أيضاً من في الداخل الذين يُعرقلون هذا الأمر لأسباب سياسية تراعي علاقاتهم في الدرجة الأولى، حتى ولو أتت هذه المراعاة على حساب المؤسسة العسكرية. عندما نتحدّث عن دعم الجيش اللبناني، ثمّة قطب مخفية تبرز في هذا الملف. ففي الظاهر، الجميع يؤيّد دعم الجيش وتطور قدراته. أما في المخفي فلا نكشف سراً إذا أشرنا الى المحاولات التي قطعت الطريق مراراً وتكراراً على هذا الأمر، سيما ما حُكي عن هبات دعم لهذا الجيش. الأمر نفسه ينطبق على الاتفاقية العسكرية بين لبنان وروسيا التي جرى الحديث عنها منذ نحو السنتين، إلا أنّه لم يقدر لها التوقيع للأسباب المذكورة سابقاً. 

اليوم، وفيما يتحضّر رئيس الجمهورية العماد ميشال عون لزيارة روسيا أواخر الشهر الجاري، يعود الحديث عن هذه الاتفاقية التي وافق عليها الجيش اللبناني في أيلول 2017، لكنها جُمّدت. حينها، عُقد في بيروت سلسلة اجتماعات بين لجنة عسكرية روسية من وزارة الدفاع، ولجنة عسكرية من الجيش اللبناني لصياغة الاتفاقية التي رفعت إلى وزارة الدفاع اللبنانية. الأخيرة أرسلتها إلى هيئة القضايا والاستشارات في وزارة العدل التي أكّدت بدورها أنها قانونية ووافقت عليها. وزارة الخارجية أيضاً أعطت رأيها فأكّدت أنها مطابقة للاتفاقيات الدولية ولسيادة لبنان، ليحملها آنذاك وزير الدفاع يعقوب الصراف إلى الحكومة ليأخذ تفويضاً بالتوقيع، وهذا ما لم يحصل بسبب العرقلة. 

مصادر وزارية تتحدّث لموقع العهد الإخباري عن أهمية هذه الاتفاقية إذا ما وُجدت الارادة اللبنانية لترجمتها، لكنّها تُبدي تخوفها من تكرار السيناريو الماضي، حين أدرج موضوع هذه الاتفاقية على جدول أعمال الحكومة لتفويض وزير الدفاع بالتوقيع، فلم يجر الاتفاق حولها؛ ومرّة أخرى طلبت وزارة الدفاع إدراجها على جدول أعمال الجلسة، فلم يتم هذا الأمر. وتُشدّد المصادر على أنّ هناك معوقات سياسية من الداخل والخارج تقف في درب تقوية الجيش اللبناني، سائلةً: لماذا يُسمح لكيان العدو شراء الأسلحة الروسية، ولماذا يوجد في أميركا أسلحة روسية أيضاً، فيما يُحرم لبنان من أي تعاون عسكري مع موسكو؟!. 

تشرح المصادر ماهية الاتفاقية، فتوضح أنه وفي بداية الأمر سيكون هناك اتفاق أطري أولي يشكّل الحجر الأساس الذي يبنى عليه التعاون عبر تشكيل لجنة مشتركة من البلدين تدرس الحاجات وتقيم الدراسات، يُصار بعدها الى الاتفاق على القضايا الأساسية. وتُشدّد المصادر -التي تابعت هذا الملف- على أهمية الاتفاقية وانعكاساتها على لبنان لجهة تزويده بالخبرات وتبادل الوفود  لإجراء التدريبات اللازمة، خصوصاً أنّ الجيش الروسي يُصنّف على أنه ثاني أقوى جيش في العالم. وهذا التعاون في المجال العسكري قد يتطلّب في مكان ما إبرام عقود لشراء أسلحة روسية، بحسب المصادر، التي تصف الخطوة بالمهمة جداً خصوصاً أنها تنظّم العلاقات وتكسر فكرة "تقوقع" لبنان عسكرياً وتمهّد الطريق أمام انفتاحه. 

زاسبكين..لا أستبق الأمور

السفير الروسي في لبنان ألكسندر زاسبكين يرفض في حديث لموقع العهد الإخباري استباق الأمور قبيل زيارة الرئيس عون الى موسكو. وبالموازاة يُشير الى أنّ التعاون الروسي-اللبناني موجود منذ زمن، فاتفاقية التعاون العسكري الفني بين البلدين قائمة منذ تسع سنوات، وهي تحدد تصدير وتوريد السلاح. وفي هذا الصدد، يوضح أنّ الاتفاقية الأخيرة التي أودعت الجانب اللبناني منذ فترة تُسهم في تبادل الخبرات والوفود ما يعود بالفائدة العسكرية طبعاً. 

سكرية..القضية تشكل تحدياً للبنان

عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب الوليد سكرية يعتبر أنّ قضيّة تسليح الجيش اللبناني ممسوكة كلياً من أميركا. يستذكر في هذا الصدد قصة الثلاثة مليارات دولار، والتدخل الأميركي. يبدي تخوفاً من عدم نجاح لبنان هذه المرة بتطوير طاقاته العسكرية وتوقيع الاتفاقية بعد محاولات العرقلة التي تعرّضت لها سابقاً. يسأل: هل سيستطيع لبنان هذه المرة الخروج عن العباءة الأميركية أم لا؟. بنظره، فإنّ هذه الاتفاقية تعني ما تعنيه لجهة العلاقات الأمنية، فهل تسمح أميركا بذلك؟. يذهب أبعد من ذلك، فيتناول نوع الأسلحة التي يُسمح للجيش اللبناني التزود بها، فواشنطن تمنع عن لبنان وبشتى الوسائل أي سلاح يصلح لقتال العدو. يعود ليؤكّد أن لبنان أمام تحد، فهل ستنجح الدولة وتقرر مصلحتها أم ستبقى رهينة للخارج ولا يُسمح لجيشها التزود إلا بأسلحة لا تسمن ولا تغني ولا تصلح للدفاع عن وطنه. 

يتطلّع سكرية الى القضية بالإشارة الى أنها تفتح ثغرة في جدار الهيمنة الأميركية، ما يؤسس لعلاقات عسكرية مشتركة وقوية بين روسيا ولبنان

المصدر: فاطمة سلامة