جبل عامل أو عاملة والذي يُعرف اليوم  تحت اسم "جنوب لبنان" والذي يتصل جغرافياً بجبال الجليل في شمال فلسطين المحتلة إنّما أُطلقت عليه هذه التسمية نسبةً إلى قبيلة عاملة التي يعود نسبها الى قبيلة كهلان بن سبأ اليمنية والتي نزحت بعد انهيار سدّ مأرب  من اليمن الى جنوب لبنان واستوطنت جباله ، وتسميتها "عاملة" يعود حسب بعض المؤرخين إلى نسبهم لوالدتهم عاملة بنت مالك القضاعية، وأُطلقت تسمية بلاد بشارة على مدينة النبطية ومحيطها وذلك نسبةً الى الأمير حسام الدين بشارةبن أسد الدين بن مهلهل بن سليمان بن أحمد بن سلامة العاملي والبعض يعود بنسبه الى قبيلة قريش.

 

نقلَ" الحرّ العاملي "متفرّداً  في كتابه "أمل الآمل في علماء جبل عامل "في الصفحة 16 من مقدمته عن الشهيد الأول من خط "ابن بابويه" عن الإمام الصادق(ع) أنه قال في وصف أهل جبل عامل:

 

".... تًمحلُ البلاد دون بلادهم... يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر،يعرفون حقوق الله ويساوون بين إخوانهم... ، وإنّ فيهم رجالاً ينتظرون والله يحب المنتظرين ".

 

- مقاومة الغزاة والمحتلين قبل الميلاد.

  

عبْر التاريخ لم يستكن أهل جبل عامل لغازٍ أو  لطامعٍ في أرضهم ولا لمحتل، ودافعوا عن  موطنهم ببسالة ، 

بين أعوام 670 -680 ق.م ثارت صيدا على الأشوريين، كما  ثارت بعدها ضد الإحتلال الفارسي في عهد "أرتحششتا الثالث". 

 

قاتلت مدينة"صور " الإسكندرالمقدوني الذي لم تصمد أمامه المدن والممالك ولم يستطع احتلال المدينة التي قاومته بشدة لأشهر طويلة تكبّد فيها جيشه خسائر فادحة إلا بعد حصار طويل وبعد تدميرها بالكامل عام 332 ق.م 

 

-المشاركة في المعارك المصيريّة

 

من أبرز المعارك التي شارك فيها أهل جبل عامل كانت معركة "حطّين"بين "صلاح الدين الأيوبي"والصليبيين التي جرت في 4 تموز 1187م والتي انتهت بهزيمة الصليبيين تحت إمرة" الأمير حسام الدين بشارة" الذي كان حاكماً على جبل عامل وأصبح بعدها والياً على عكّا .

 

-القتال في سوريا ضد الوهابيين

 

عام 1810 غزا الوهابيون دمشق فبادر شباب جبل عامل الى نُصرة إخوانهم الدمشقيين  تحت إمرة والي صيدا التركي سليمان باشا وتمكنوا مع أهلها من صدّ هجماتهم وهزيمتهم ومنعهم من احتلال المدينة.

 

-المقاومة ضد الإحتلال التركي.

 

في عهد الاحتلال التركي  برز اسم المجاهد"صادق حمزه الفاعور ابن الشيخ علي حمزه الفاعور من بلدة "دبعال"قضاء صور  الذي كبّد مع رفاقه الجيش التركي خسائر فادحة في العديد من المواجهات حتى أصبحوا لا يجرؤون على الدخول إلى مناطق نفوذه حتى تاريخ هزيمتهم أمام جيش الحلفاء في الحرب العالمية الأولى".

 

- مقاومة الإحتلال الفرنسي

 

عام 1918 احتل الفرنسيون والإنكليز لبنان، وفي مؤتمر"سان ريمو"نيسان 1920 أعلن الفرنسيون إنتدابهم على لبنان وسوريا  وانقسم اللبنانيون كعادتهم فمنهم من أيّد الإنتداب ومنهم  من أعلن رفضه له ،وكانت منطقة جبل عامل  بقيادة السيّد عبد الحسن شرف الدين الذي كان يُعتبر أهم شخصيّة دينية إسلامية مقاوِمة في تلك المرحلة التاريخية من أشد الرافضين للإنتداب ، وعُقد مؤتمر  وادي الحجير  بحضوره وإشرافه في24نيسان 1920 وحضره وجهاء جبل عامل ومن بينهم من كانوا أساس مقاومة الإحتلال الفرنسي وعلى رأسهم المجاهدَيْنْ "أدهم بك خنجر" و"صادق حمزه الفاعور " وحسب ما يروي 

" الشيخ حسن البغدادي" ألقى السيد شرف الدين خطبة تاريخية حذّر فيها من الفتنة بين المسلمين والمسيحيين والتي يسعى الفرنسيون جاهدين لإثارتها ومن أهم ما جاء فيها في هذا المجال:

 

"ألا وإنّ النصارى إخوانكُم في الله وفي الوطن وفي المصير فأحبّوا لهم ما تحبون لأنفسكم وحافظوا على أرواحهم وأموالهم كما تحافظون على أرواحكم وأموالكم ".

 

وكأن سماحة السيّد شرف الدين كان يستقرِأ  المستقبل خاصّةً وأن وعد بلفور الذي منح بموجبه الإنكليز فلسطين لليهود في 2تشرين الثاني 1917 كان قد أُعلن فقد خاطب المجتمعين بقوله :

" إن إثارة الفتنة مُهمّة ستقوم بها "الدولة العبرية " القادمة.

وكانت عمليات مقاومة الإحتلال الفرنسي قد بدأت بعد سيطرة الجيش الفرنسي مباشرةً على جبل عامل بقيادة "صادق حمزه الفاعور  ومحمد أحمد بزّي وغيرهم  " وخاضوا العديد من المعارك ضد القوات الفرنسية بمشاركة أدهم خنجر ورفاقه لا سيّما بعد مؤتمر الحجير  الذي كان دافعاً وداعماً أساسياً لإنطلاق مقاومة أقوى وأشمل بعد الدعم الذي تلقاه المقاومون من سماحة السيّد عبد الحسين شرف الدين ومن الشخصيات التي شاركت في المؤتمر .

ومن أشهر العمليات العسكريّة ضد الفرنسيين هي تلك العملية التي حاول فيها المناضل أدهم خنجر إبن بلدة 

" المروانية" قضاء صور إغتيال المندوب السامي الفرنسي على لبنان وسوريا  "الجنرال غورو" في مدينة "القنيطرة" السورية بتاريخ 22حزيران 1921 ولكن الرصاصات التي أطلقها أصابت اليد المقطوعة للجنرال غورو ونجا من الموت .

وفي السابع من تموز 1922 اعتقل الفرنسيون المناضل أدهم خنجر من منزل سلطان باشا الأطرش في مدينة السويداء السورية أثناء غياب صاحب المنزل ونقلوه بطائرة عسكرية إلى بيروت حيث أعدموه في 30أيار 1923 كما ورد في اكثر من مصدر .

أما المناضل صادق حمزة الفاعور  فقد استشهد في مواجهة عسكرية مع قوات الإحتلال الفرنسي عام 1926.

 

باستشهاد المقاوم صادق حمزة حقّق "شارل ديغول" مقولته الشهيرة:

" لن أستطيع السيطرة على بلاد الشام قبل أن أقضي على صادق حمزة وميليشيات جبل عامل ".

 

"كما أن جبل عامل منارة العلماء والأدباء والشعراء كذلك هو مثال الشجاعة والوفاء ولن يخضع لأي محْتلّ مهما علا جبروته والتاريخ القديم والحديث يشهدان على بطولات وتضحيات أبنائه" .