أنت، يا شعب لبنان، شعب غريب الأطوار، بكل طوائفك. أنت تجمع، وبشكل بارز، ودائم، متناقضات كثيرة في أمزجتك وتفكيرك وسلوكك، لا يضاهيك فيها أي شعب آخر من شعوب الأرض. أنت تجمع، على سبيل المثال لا الحصر، بين روح الذكاء والخلق والإبداع  في جميع مجالات الحياة وروح الغباء السياسي، بين الإنغلاق والإنفتاح، بين الروحانية والمادية، بين العنف والسلام، بين روح العنفوان والحرية والتسامح وروح التعصّب الديني والتبعيّة والعبودية للزعيم والطائفة والمذهب والعقيدة.  

               منذ الإستقلال حتى اليوم، وزعماء طوائفك وإعلاميوك يدعون إلى وحدة وطنية ما زالت مفقودة، وإلى إنتماء إلى وطن واحد لم يتمّ، وإلى بناء إقتصاد متين حققه فقط ساستك وحلفاؤهم أغنياء لبنان وأصحاب المصارف، وإلى بناء وممارسة نظام ديمقراطي طائفي يحفظ التوازن بين الطوائف، فأنتج ديكتاتورية الزعماء "التوافقية"، حينا، وإقتتالا عنيفا، كلاميا ودمويًّا (يذكي نارَه الزعماء) بين أبناء الطوائف، حينا آخر.         

               حتّام، أجل، يا شعب لبنان الحزين بكل طوائفك (رغم كل أقنعة الفرح التي تخبىء بها حزنك)، ولماذا يخدعك زعماؤك الذين أنت بنفسك قد اخترتهم ليمثِّلوك في الحكم، أو بالأحرى هم اختاروا أنفسهم (أو "القدَر" القاسي قد فرضهم عليك) وأقنعوك لتختارهم، ولتُنَصِّبَهم زعماءًا عليك من أجل خدمة مصالحك، فتصبح أنت خادما لهم؟
  
               لماذا سهلٌ جدا إستغباؤك وخداعك واستضعافك واستغلالك أيها الشعب القويّ (المستقوي فقط على شركاء الوطن)، وأكثر من مرّة واحدة، من قبل الساسة أنفسهم؟ 

               لماذا لا تتعلم من أخطائك المتكرّرة في تعذيب نفسك تعذيبا مريضا لا مبرّر له، وتجديد الزعامة للذين فشلوا في أداء واجباتهم تجاهك، وسبّبوا لك التعاسة، وحوّلوا "رسالة" خدمتك إلى "مهنة" غير شريفة لكسب المال وزيادة الأملاك والإثراء السريع غير الشرعيّ، غير القانونيّ، غير الإنسانيّ، بإسمك وعلى حسابك؟ 

               لماذا لا تبدأ، اليوم، أن تتعلّم؟ لماذا لا تتشجّع وتخطو خطوتك الأولى على طريق الوعي والتحرّر الطويلة؟ لماذا لا تغضب غضبا مقدّسا، ولا تثور ثورة لا تهدأ، في الإعلام وفي الشارع وفي صندوق الإقتراع، ضدّ باطل ساستك وظلمهم وكبريائهم؟

             لقد فرضوا أنفسهم عليك بقوة إغراء المال، وسحر القرابة العائلية والطائفية والمذهبية، وبقدرتهم الهائلة على الإيحاء لك (فقط، بالقول، لا بالفعل) بأنهم يحبونك، ويحترمونك، ويحمونك (مِمّنْ؟)، ولا يريدون لك إلا الخير، ولا يهمّهم إلا أن يكونوا دائما طوع أمرك. وأنت، أيها الشعبُ الطيّبُ القلب، والمُخلِصُ لزعمائك، قد صدّقتهم، واقتنعتَ، في لحظة أبدية من سكرة غرور ووهم، بأنهم ملائكة قد أُنزِلوا من السماء لخدمتك وحراستك، وأنت، في الحقيقة، تحتاج إلى من يحرسك من شرّهم المُبَطّن.
               
               لماذا ترفض رفضًا عنيدًا أيها الشعب الذكيّ المخدوع، تغيير طريقة تفكيرك، وتغيير نفسك وسلوكك السياسيّ الطائفيّ، ومحيطك الإنسانيّ، وحياتك التعيسة، بسبب إصرارك الغريب حتى المرض، على تقبّل خداع الساسة لك (أو على عدم الإعتراف بأنه خِداع)، وعلى تفويت فرصة تحرّرك من نير استعبادهم لك وخيانتهم الدائمة لك مع آلهة المال والقوة في الخارج والداخل، من خلال التمرّد عليهم والصراخ في وجههم في الإعلام الحرّ، وفي صندوق الإقتراع، و في الشارع، وعلى الوقوع من جديد في فخّ إعادة انتخابهم في كلّ دورة إنتخابية، رغم أنهم قد فشلوا فشلا ذريعا في مجال توحيد صفوفك كأبناء وطن واحد لا أوطان طوائف عديدة، وفي مجال خدمتك وصون كرامتك وتحقيق ازدهارك؟

               أنت شعب تعتبر نفسك ذكيا وقديرا وناجحا. ولكنك ذكيّ وقدير وناجح، فقط، خارج وطنك لبنان. لماذا لا تستعمل مواهبك لتغيير وضعك الإجتماعي والسياسي والثقافي والتربوي والإقتصادي هنا، في وطنك الأصليّ، لبنان؟ 

               كيف ترضى، أيها الشعب الذكيّ، بأن تُستغفَل وتُستَغبى وتُستغَلّ وتُخدَع، من جيل إلى جيل، من زعمائك الأبديَين، ومن زعماء جُدُد من الطينة عينها؟ كيف ترضى بالفشل الدائم في تحقيق وحدتك الوطنية وازدهارك ومنعتك وسعادتك؟ وكيف تقبل بأن تكتفي فقط بانتقاد الأوضاع الشاذة والساسة الفاسدين، وبالشفقة على نفسك، وبالقرف من كل شيء، ومأساتك، مأساة الشعب المُعدَم، المخدوع، المعذّب، مستمرّة، والساسة المخادعون، الأنانيون، مستمرون بإدارة لعبة الإستعلاء الطّبَقيّ والإستغلال السياسي الخبيثة عينها، فقط لزيادة ثرواتهم وعزّهم ومجدهم هم وعائلاتهم وذريتهم؟

               أما اليوم، وقد تحوّل معظم لبنان إلى أرض تدرّ نفايات سامة، ومياها ملوثة، وهواءًا مسموما، وزرعا فاسدا، ومرتعا للدود والحشرات والأوبئة، بسبب ساسة لا يهمّهم (كما أصبح واضحا ومعلوما طيلة عقود من الأزمنة الرديئة) من ركوب موجة السياسة إلا تكديس الأمجاد والثروات والممتلكات في كل القارات، وإجراء استثمارات وصفقات وتجرات (بيعُ الوطن وشعبِ الوطن في سوق السياسة العالمية المزدهر، من ضمنها ومن أهمّها)، بإسم مراكزهم وحصانتهم وقوة "حيثيتهم" الشعبية المستوحاة منك، يا شعب لبنان المخدوع، وتكثير السفرات إلى محجّات الخارج المالية والسياسية والسياحية، والبعد عنك ونسيان وجودك، وأنت من انتخبتهم نوابا في الندوة النيابية من أجل أن يحكموا بإسمك، ويبقوا بقربك، ويزيلوا عن كاهلك المُتْعَب أحمالَ همومك الثقيلة، فتحكّموا بك، وأفقروك، وفرضوا عليك الضرائب فرضا لتمويل خزينتك الفارغة وقد أفرغوها في جيوبهم وخزناتهم السرية، وظلموك وأذلّوك وأهملوك، ومن أجل أن يخدموك، فاستعبدوك ونتفوا ريشك وسلخوا جلدك وأراقوا دماءك ونثروا لحمك على قارعة الطريق، ورموك فريسة لذئاب النهش من كل حدب وصوب، وتنكّروا لتراثك الشعبيّ والحضاري والفكري والروحي، ولتضحياتك الغالية في مواجهة شرّ الطامعين وشُذّاذ الآفاق في سبيل حماية وطن غالٍ إسمه لبنان، قد تبيّن، من زمن بعيد، بأنه وطن عزّهم وعروشهم وحدهم، لا وطنك أنت،

               أما اليوم، وقد خَنَقَتْكَ وأمرضَتْكَ روائح النفايات، وأعْمَتْكَ وروّعَتْكَ أشباح الظلمة، وعضّك الفقر بنابه، أيها الشعب المسكين، السيّء الحظ، وبعد أن صبرتَ كثيرا وطويلا الصبرَ الكريمَ على روائح نفايات أخلاق من انتخبتهم، وكنت دائما تستر عوراتهم لأسباب "عاطفية"، وكنت، دون أن تدريَ، شريكا لهم في صنع بؤسك، وفي تراكم الظلمة في سماء وطن النجوم، وتراكم النفايات في أرض اللبن والعسل والثلوج والبخور، وتكاثر المكبّات والمحارق والمعامل العشوائية التي تبثّ لعنة الأمراض والموت في كل مكان، 

               أفلا تعتقد، يا شعب لبنان، أنّ الوقت قد حان أخيرا لكي تتّحد وتنتفض وتغضب وتصرخ صرخة واحدة، مدوّية: كفى؟! هل تتجرّأ وتبدأ بإطلاق صرختك هذه في وجه من خلق لك التعاسة والذلّ والمرض والموت؟ 

               هل أنت بحاجة إلى مصائب أكثر وأكبر لتتحرك؟ ألا يكفيك ما تعانيه من مصائب لتستفيق من نومك العميق؟ ولكن هل تراها تدوم استفاقتك، أم أنك سوف تخدّرك وعودُ ساستك الساحرة من جديد، وتعود إلى ظلمة كهف جهلك ونومك المؤنسة؟ عملا بالحكمة القائلة: "ربّ ضارّة نافعة"، عليك، أيها الشعب، إنِ اسْتَفَقْتَ من نومك، ألا تعود إليه. أكمل نزع ورقة التين الأخيرة عن عورة الساسة المخادعين، الفاسدين، وافضحهم، وعرّهم، واجعلهم يخجلون منك ومن أنفسهم، ولا تفوّت هذه الفرصة الثمينة لتبدأ عملية التحرّر التاريخية من مخالبهم. 

               أنت، اليوم، أيها الشعب الذكيّ، المخدوع، يتسمّم أبناؤك من رائحة مزابل النفايات، وهي تلاحقهم، ليلا نهارا، مع هموم المعيشة القاتلة، وتتغلغل في بيوتهم المعتمة وفي دمهم، وهم يتذاكون على بعضهم البعض، ويتهكّمون على الوضع المزري، ويكتفون بتوجيه الإتهام للدولة الحاكمة (السعيدة وحدها في وطن البؤس والحزن)، ويرفعون أصواتهم، ولكن ليس ضدّ من انتخبوهم، وهم وحدهم في النهاية يسمعون صراخ أصواتهم، ويتّكلون، لحلّ المشكلة، على الساسة الذين هم بدورهم يتذاكون عليهم وعلى بعضهم البعض، ويرمون التّهم على بعضهم البعض، ويخادعون، ويكثرون، بلا أية فائدة، من التصريحات والكلام حول اهتمامهم بصحة المواطن وماله وأمنه واستقراره، إلى آخر المعزوفة السمجة، السخيفة، المملّة، وهم يجدون حلولا لمشكلة النفايات والتلوّث والكهرباء وغيرها، ولكنهم لا يتفقون على أي حلّ، لأنهم يختلفون، دائما، على اقتسام الحصص والأرباح. وأنت، أيها الشعب المحتار بأمرك، تسمع همسا، وتتحدّث علنا عن صفقات تجري في الدهاليز المعتمة بين الساسة النافذين، الخبراء بكيفية أكل الكتف وتقاسم الجبنة، حول تلزيم مشروع التخلّص من النفايات، أو تأمين الكهرباء، أو استخراج النفط من بحر لبنان، ويُسرّب بعض الإعلاميين، من حين إلى آخر، أخبارا ومعلومات تؤيّد حدسك أنت، أيها الشعب.

              في هذا الجوّ المقرف الذي طال كثيرا، لجأ، عدة مرات، بعض أبنائك الغاضبين إلى حرق النفايات هنا وهناك، بشكل عشوائي، غير مدروس، وغير صحّي، ولجأ بعضهم الآخر إلى التظاهر والإحتجاج في الشارع ضدّ فساد الحكم وهدر المال العام وسرقته، فضُرِبوا بأعقاب بنادق دولتهم (لا دولة العدوّ) بقسوة وشراسة. واستمرّ الوضع على حاله المأساويّ، ولا أحد راض وسعيد إلا الساسة، محبو التربّع على عروش العظمة، والسُّكارى الدائمون بالجاه والمال والأحلام الوردية. وكأنهم، في جوّ النفايات الخانق، وجوّ الشعب الفقير المعتِم، قد فقدوا ذاكرتهم، وفقدوا حاسّة الشمّ والسمع والبصر والتذوّق والذوق السليم، ولكنهم قد احتفظوا بحاسّة النطق والثرثرة، وبروح العظمة والكذب والخداع والكيديّة، وبحاسّتهم الخاصة، الفريدة، الرهيبة، لعشق المال وشمّه وعدّه وتكديسه.

               لا تنسَ أبدا، أيها الشعب المكلوم، المخدوع، الحزين، مشاكلك-مصائبك الكثيرة، الدائمة، ومَنْ خلَقَها. لا تتعبْ من عدّها وتكرارها لنفسك في العلن، كي لا تنسى، ولكي تسعى، دون ملل وإحباط، لإيجاد الحلول لها. إن النسيان يعني غضّ النظر عن مسبّبي هذه المشاكل، وعدم محاسبتهم، والعفو عنهم، ويعني، وهنا الطامة الكبرى، تماديهم بخلق المزيد من المشاكل لكَ وحدكَ. 

               لا تنسَ، إذًا، أيها الشعب الفقير، الصامت، المقهور، صاحب الذاكرة القصيرة:
               
               -مشكلة النظام الطائفي. إنها أمّ المشاكل كلها. لأن السياسيين يحافظون على هذا النظام ويحمونه ولا يريدون البحث بأي نظام آخر، كالنظام العلمانيّ، لأن النظام الطائفي يناسب أطماعهم بتقاسم مغانم الدولة-البقرة الحلوب، وبالغنى السريع، وبديمومة عروش عظمتهم.
               -ومشكلة انعدام الوحدة الوطنية التي لا تهمّ أبدا زعماء المال والعظمة وفلاسفة "فرِّقْ تَسُدْ"، 
               -ومشكلة النقص في التربية المدنية الوطنية الواحدة، في المدارس والجامعات، وتوحيد الكتب المدرسية، قدر الإمكان، خاصة كتاب التاريخ،
               -ومشكلة فساد معظم وسائل الإعلام وترويجهم لأخبار كاذبة، مضلّلة لك، وتعليقات غير موضوعية، مغرضة، خدمة لآلهة الكذب والمال في الخارج،               
               -ومشكلة "تسييس" واستغلال سياسييك للقضاء، وشلّ قدرته على الحكم بالعدل والإنصاف، وحمايتك من تجاوزات كاسري القوانين والأنظمة،
               -ومشكلة تفريغ خزينة الدولة، خزينتك، من مالك أنت، مال الضرائب المفروضة عليك، مال تعبك وعرقك ودمك،
               -ومشكلة الديون المتفاقمة وسياسة الإستدانة الخاطئة، المتواصلة، والمُحبَّبة للسياسيين، 
               -ومشكلة زيادة الضرائب عليك لسدّ عجز الدين العام وحدك، ولملء فراغ الخزينة، ولملء جيوب ساستك، 
               -ومشكلة البطالة، والفقر، وغلاء المعيشة، والضمانات الصحّية لكل الأعمار،
               -ومشكلة المياه والكهرباء والتلوث، وتشويه طبيعة لبنان الخلابة بالمقالع والمرامل والحفريات العشوائية المحمية من رجال دولتك، 
               -ومشكلة إزدحام السير الخانق كل يوم، وكسر قوانين السير، وضحايا حوادث السير، وغياب دولتك عن الطرقات لحمايتك،
               -ومشكلة الجريمة، والإنتحار، والسرقات، والهجرة، 
               -ومشكلة التلوّث الأخلاقي والبيئي والغذائي،
               -ومشكلة سرقة واحتكار الأملاك العامة على طول الشاطىء اللبناني، والبناء العشوائي، ولا من يجرؤ على المساءلة،
               -ومشكلة إجراء معاملاتك في دوائر حكومتك ودفعك ل"ضريبة" الرشوة الإجبارية، وشعورك أنك الخادم لا المخدوم، 
               -ومشكلة الخطر الدائم للعدوّ الصهيوني العنصري، ولحركات الإرهاب والتكفير التي خلقها، على وجودك بالذات، أنت المنقسم على ذاتك دائما واللاهث، أبدا، وعبثا، وراء زعمائك،
               -ومشكلة منع تسليح جيشك تسليحا كاملا لمجابهة إرهاب الكيان العنصري على حدود وطنك وإرهاب مرتزقته في ربوعنا، من قبل دول قوية بجيوشها و/أو بمالها، خالقة وحليفة وحامية هذا الكيان، ومشكلة محاولات هذه الدول الدائمة للتدخل في كل شاردة وواردة من شؤون وطنك لبنان (من خلال ساستك وبموافقتهم وتعاونهم)، ولتحجيم المقاومة التي خرقت كل الحواجز وتسلّحت وقويت بالسرّ ودون استئذان أحد، حتى أصبحت قوة مرهوبة من أعداء لبنان يحسبون لها ألف حساب،     
               -ومشكلة انعدام ثقتك التام بالساسة، حتى لو صدقوا.  

               إن زعماءك، أيها الشعب الطيّب (رغم كل المتناقضات في أطباعك)، يريدونك أن تنسى كل هذه المشكلات، وهم يلهونك، كي تنسى، بمشاكل أخرى، كأزمات الحكم المتكرّرة، مثلا، وحفلات الهجاء الصاخبة فيما بينهم حين يفتعلون الخلافات حول الأحجام والأوزان الشعبية وتناتش حصص الحكم، وخلق أعداء وهميّين لك في الداخل من أبناء وزعماء سائر الطوائف، أو في الخارج. 

               إن كل المشاكل ليست بنت ساعتها، كما يحاولون إيهامك، بل هي مشاكل خَطَّط لها سلفا، ووقّتها، بدقّة مدروسة، بعض الساسة المعروفي النوايا والأهداف، ومن ذوي "الحيثيات الشعبية الوازنة"، الخبراء بفنون الخداع والإبتزاز والصفقات، والإنبطاع على أعتاب حكام الخارج، لجلب المال من منابعه الصافية، والذين يُصَفّون البعوضة ويحلبون الجمل، ببرودة أعصاب نادرة، وببراءة مدهشة.

               حسنا، أيها الشعب الذكيّ، ذي العنفوان القوميّ والعِرقيّ والعائليّ والمذهبيّ الكبير، والمخدوع. 

               لديك، دائما، فرصة ذهبية، (وأنت دائما تفوّتها) في صندوق الإقتراع، لردّ اعتبارك، ولتذكير نفسك وتذكير الساسة الذين خدعوك وغدروا بك، بكل المشاكل التي حاكوها لك بأنامل أيديهم السحرية، طيلة سنين حكمهم الطويلة، لأنك أفسحتَ المجال لهم، وأنت تغطّ في نوم عميق، بأن يستغبوك ويخدعوك. 

               أجل، لديك، دائما، فرصة ذهبية، في صندوق الإقتراع، لِتُذكِّر نفسك ولتذكّرهم بأنك مصدر السلطات، وبأنك تملك حقّ استرجاع سلطتك من سارقيها، وهم السارقون، وبأنهم خانوك واستعدوك، واستكبروا وزاغوا، وضلّوا السبيل، وتمادوا في غيّهم، وأنّ الأوان قد آنَ لكي تحاسبهم، أنت الشعب مصدر سلطاتهم، على أفعالهم الشنيعة، وتضع حدّا نهائيا لشرورهم المستفحلة، ولفسادهم المستشري، ولمهزلة كذبهم وخداعهم وغرورهم.

               راقب الذين يريدون، اليوم، وبإصرار شديد (إثر صحوة ضمير مفاجئة، نزلت كالصاعقة على رأسك المثقل بالهموم والنسيان، من غيوم دكناء قد أبْرَقَتْ كثيرا من قبل دون نزول أي مطر)، محاربةَ الفساد في الحكم ومحاسبةَ الفاسدين، سارقي أموالك، واحكم عليهم من خلال ما يحققون وينجزون في حملتهم ضدّ الفساد والفاسدين، لا من خلال نواياهم وكلماتهم ووعودهم. وإن كان عندك شكوك حول إمكانية عمل أي شيء ضدّ الفاسدين (المُتَلَطّين بحصانتهم وبحماية رؤساء وأبناء طوائفهم وقد بدأت روح التحدي تلوح في الأفق وتذرّ بقرنها، وبدأ الحديث عن "خطوط حمراء" الويل لمن يجرؤ على تجاوزها)، فلا تلُمْ نفسك أبدا، لأنك قد لُدِغْتَ من جحر السّاسة آلاف المرات منذ الإستقلال حتى اليوم، وبِتّ لا تصدّقهم حتى لو صَدَقوا.

               ثمّ، حذار أن تعيد، أيها الشعب المخدوع، بإسم أصنام الدين والطائفة والعائلة والعِرق والتبعيّة "التاريخية" حتى العبادة لصنم الزعيم ممثِّل كلِّ هذه الأصنام ورمزِها المقدّس الذي لا يُمَسّ، أجل، حذار أن تعيد انتخاب من كان سبب تعاستك وفقدان كرامتك وحريتك وازدهارك.

               فهل تفعل؟

               ذكّرهم اليوم، لا بصوت خافت، خائف، ولا بكلام لطيف مهذّب لم يعد ينفع، ولا بالشتائم التي لا تنفع أيضا، وهذا ليس من شيمك أيها الشعب الأبيّ، بل، ذكّرهم، بالثورة البيضاء العارمة، حين يحين الوقت، والوقت يحينُ كلّ لحظة، بالتظاهر المسالم دون توقف ودون هوادة، بتظاهر حتى العصيان ورفض دفع الضرائب، يجمع كل أبنائك المظلومين، ذكّرهم بأنك موجود وأنك تملك كرامة، وأنك ترفض فسادهم وخداعهم، وأنك لن تسمح لهم، بعد اليوم، بسحقك سحقا بطيئا، ناعما وعنيفا في الوقت عينه، وهم يبتسمون.

               فهل تفعل؟

               لوِّح، حين يحين الوقت، والوقت قد حان، بقبضاتك القوية المتماسكة في الهواء، أسمعهم هدير صراخ حنجرتك: لقد انتهى عهد الخداع! وأسمعهم هدير وقع أقدامك في الشارع، وأنشدْ أناشيد الوطن المنسيّة، بنبرة قوية صادقة، وذكّرهم بوجوب احترام تاريخك النضاليّ المأساويّ الطويل، واحترام شهدائك الأبرار، وبوجوب تقديس ذكراهم، وعدم احتقار ونسيان تضحياتهم في سبيل بقاء وديمومة الوطن، وطن الشعب الواحد، لا أوطان الساسة والزعماء.

               فهل تفعل؟ 

               عطّل، حين يحين الوقت، حياتهم السياسية كما عطّلوا هم حياتك، وكما عطّلوا عمل مؤسّسات دولتك، ونهبوا خزينتك، وسرقوا تعبك، واحتقروا عرق جبينك، وزادوا الضرائب على كاهلك المرهَق، ومدّدوا ولايتهم، ورفعوا أجورهم، وداسوا على كرامتك، دون أن يرفّ لهم جفن أو يندى لهم جبين، ولا حسيب ولا رقيب، ولا من يندمون، ولا من يتوبون، ولا من يحزنون.

               فهل تفعل؟

               ذكّرهم بأنك أنت، الشعب، أنت وحدك المَلِكُ، وصاحب المُلك، وبأنك أنت وحدك مصدر السلطات، وبأن صوتك أنت وحدك هو من صوت الله، واجعلهم ينزلون عن عروش كبريائهم، ويتواضعون.

               فهل تفعل؟

               أيها الشعب اللبناني الأبيّ، الثائر، حان الوقت لتقف وقفة عظيمة واحدة لتمزّق أقنعة الساسة الفاسدين المخادعين، المنافقين، المتكبرين، وتنفيها إلى مزابل نفايات التاريخ، وتحرقها حتى تصير رمادا، واحرقهم حتى في ذاكرتك ليصيروا هباءًا منثورا، تنفضه ذاكرتك نفضا عنيفا عنها، وتنبذه نبذا أبديّا، فتتطهّر وتتحرّر حتى من ذكراهم، وترتاح. 

               فهل تفعل؟

               أجل، أيها الشعب الأبيّ الثائر، أعلنْ، حين يحين الوقت، وها هو قد حان، عصيانك على سجّانيك وجلاديك، مزّق وارمِ واحرُق الأقنعة ولابسيها، ومسرح مهازل الزعماء التافهين. إفعل ذلك بقوة الحقّ والخير، وبقوة الإرادة الصلبة الصالحة وحبّ الحياة، وبقوة التضامن والوحدة والمحبة بين جميع أبنائك، وبقوة الإيمان بنفسك وبكرامتك، وبقيمة وطنك الواحد لبنان، وطن الحضارة الإنسانية العريقة، وطن القداسة والروح والرسالة السامية.

               فهل تفعل؟

               هل تفعل كل ذلك يا شعب لبنان التعيس، وأنت تدّعي السعادة، المقهور والمهزوم وأنت تدعي الغلبة والإنتصار؟ 

               هل تبدأ قريبا جدا، بتفجير كل غضبك وثورتك، بوعي وصمتٍ وهدوءٍ، بابتسامة وفرح ومحبّة، في صندوق الإقتراع، وبحسب قانون إنتخابي ينال رضاك وقبولك أولا وأخيرا، لا يكون فخّا ينصبه الزعماء لك، يكبّل حريتك في الإختيار، إذْ يفرض عليك تعقيدات لوائح بكامل مرشحيها وتحالفاتها المالية والطائفية العجيبة الغريبة والمؤقتة، مع خدعة وبدعة "صوت تفضيليّ" واحد، و"حاصل إنتخابي" هجين، كما حصل في الإنتخابات الأخيرة؟

               أجل، لعلها تكون بداية ثورة بيضاء رائعة، مباركة من السماء، تفاجىء الساسة الفاسدين، الماكرين، وتجعلهم يصرخون من 
الوجع، وتوقظ الساسة المتردّدين، الخائفين، من نومهم، وتقوّي ركبهم الضعيفة، فينضموا إلى ثورتك ضدّ الظلم.  

               إن أنتَ فعلتَها، أيها الشعب المظلوم، تستحقّ، حينئذ، لقب "شعب لبنان العظيم". إنها فرصتك الوحيدة، والأخيرة، يا شعب لبنان المعذّب، قبلَ أن تلفظَ، إنْ لم تفعلْ، أنفاسَكَ الأخيرَة، وانت نائم في بيتك تحلم بكوابيس مرعبة، أو تصرخ وتلهث وتهذي، عبثا، في الشوارع.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه