الكاتب: ميلود لقاح

"أنا ميت، لديّ ثعابين في بطني" ... إليكم القصة التي هزّت فرنسا.

في آب/أغسطس من عام 1951 توجّهت الأنظار صوب مدينة بون سانت إيسبري Pont Saint-Esprit. ففي أيام قليلة تم ضبط مئات الرجال والنساء بأعراض غريبة وأصبح العشرات فجأة مجانين، وقد وُصفت الليلتان الرابعة والعشرون والخامسة والعشرون من ذلك الشهر بنهاية العالم: عامل يستيقظ فجأة ويعدو ليلقيَ بنفسه في نهر الرون  le Rhône ليغرق، ويصرخ في وجه مَن سارعوا إلى إنقاذه (أنا ميت، لديّ ثعابين في بطني).

في الليلة نفسها امرأة في الستين من عمرها تمزّق ملاءات السرير وتُلقي بنفسها على الجدران فتتكسّر بعض أضلاعها. ثم رجل آخر في المستشفى يتوسّل إلى الأطباء أن يستعيدوا قلبه الذي هرب منه، ويصيح (قلبي يهرب بين قدميّ).

أدرج المؤرّخ الأميركي ستيفن كابلان Steven Kaplan في كتاب من ألف صفحة بعنوان "الخبز الملعون le pain maudit" شهادات نشرت في الصحف حينها، منها أن تلك الفترة كانت مُرعبة للسكان والمُصابين على السواء؛ لقد كان الوباء غريباً ومُتعدّد الأعراض.

ففي أيام قليلة غمر المراكزَ الطبيةَ حشد استثنائي من سكان المدينة يعانون من اضطرابات الجهاز الهضمي الشائعة: الغثيان وآلام البطن، وانخفاض في ضغط الدم، وبرودة الأطراف.

وبعد بضعة أيام ازداد حال المرضى سوءاً؛ فقد أصبحوا يعانون من الدوار والتعرُّق المفرط والرائحة الكريهة ومضاعفات في الأوعية الدموية؛ لكن ظهور علامات الجنون هي التي كانت تزرع الذُعر أكثر، فالبعض أصبح عدوانياً جدّاً والبعض يحاول الانتحار.

في مواجهة هذه الحالات التي تكاثرت في المدينة بشكلٍ رهيب، رجَّح الأطباء فكرة التسمّم الغذائي، لتنطلق بعدها مهمة رجال الأمن الذين افترضوا أن هناك "جانياً" اهتدوا إليه بسرعة: إنه روش بريان  Roch Briand، خبّاز في بونت سانت اسبري. فقد لاحظوا أن أغلب المُصابين اقتنوا الخبز من مخبزته، كما لاحظوا أيضاً أن الحيوانات التي استهلكت ذلك الخبز ظهرت عليها أعراض غريبة هي الأخرى. يقول ستيفن إل. كابلان (يقفز القط إلى سقف الغرفة، يسقط ثم يموت).

أثناء تحقيق الطب الشرعي، نهاية آب/أغسطس، تبين من نتائج تحليل عيّنات الخبز الأولى أن الخبز ملوّث وبه فطر مجهري يمكن أن يسمّم العديد من الحبوب. لكن التحليلات التي أجراها خبراء من بلدان أخرى، لم تجد أثراً لذلك الفطر، ما أثار موجة شك في التشخيص السابق وفي اتهام الخبّاز روش بريان الذي فاجأ الجميع حين أخبرهم بإصابة زوجته بالوباء الغامِض!  

بعد ذلك ظهر تفسير آخر، رجّح أن يكون السبب وراء هذه الحالات الجنونية هو الاستخبارات الأميركية، التي قامت بتجارب سرّية أدّت بسكان قرية فرنسية في الجنوب إلى حالات جنون وهلوَسة ومحاولات انتحار.

ففي عام 2010 نشر الصحافي الأميركي هانك البرلي H. P. Albarelli كتاباً بعنوان "خطأ فادِح، أسرار المخابرات حول تجارب الحرب الباردة"جاء فيه إن الحادث الذي وقع في  بونت سانت اسبري عام 1951 كان ناتجاً من تجارب سرّية قامت بها وكالة المخابرات الأميركية حيث تم رشّ مُخدّر إل سي دي LSD فوق البلدة لاختباره كسلاح حرب، ومن المعروف أن هذا المُخدّر يسبّب حالات هلوَسة شديدة حيث يتم استخدامه كمركّب أساسي في حبوب الهلوِسة التي تسبّب اضطرابات في الرؤيا والتفكير.

لم يكن هانك ألْبَرلِّي أول من أشار إلى احتمال تورّط المخابرات الأميركية في الحادث، لكن ما أورده في كتابه عزّز الشكوك التي كانت سائدة في فرنسا لعقود. بالرغم من ذلك كله بقي عدد كثير من الباحثين يشكّكون في هذه النظرية، مثل ستيفن كابلان الذي أكّد أن  الحديث عن تنظيم هذه العملية الأميركية المُفترَضة "غريب" ومُعقّد وقال إن "وضع هذا المخدّر الخطير والسّام في الخبز أمر يصعب تصديقه" وأضاف أن "الرشّ بالرذاذ كان مستحيلاً تقنياً في تلك الفترة. واختيار بونت سانت اسبري وهي قرية دمّر القصف الأميركي للجيش الألماني نصفها خلال الحرب العالمية الثانية لا معنى له".

وخلص الباحثون بعد ذلك كله إلى أن حادث بلدة بونت سانت اسبري سيظلّ لغزاً غامضاً في ظلّ عدم وجود أدلّة دامِغة تؤكّد حقيقة ما حدث. وسيظلّ التساؤل قائماً: هل هذه الحادثة الرهيبة من فعل الطبيعة أم من تدخّل البشر؟