تطوّر التعبير الشعبي عنّ الغضب بالشارع الأردني على مر العقود الماضية بنوع من التَدَرُجّ، يتصاعد بشكل ملحوظ بمرور الوقت مع فشل الدولة بمحاربة الفسّاد الإداري والمّالي المستشري بالبلاد، و تقاعسها عن الإصلاح والتغيير. الأمر الذي عاظم الفجوة بين قصر الحُكّم والمواطن بسبب تقهقر الوضع الاقتصادي، وقمع الحريات وسوء الأداء العام للدولة.

 

قصر الحكم الذي تم "برنامج التحوّل الإقتصادي" (قانون التخاصية) بعهده، والذي فقد على أثره السيادة على الإقتصاد و الهامش الضيق الذي كان يمتلكه لإتخاذ القرار من مطبخه السياسي المحلي، أتت تقييمات لجان المنحة الخليجية سلبية تجاه تجديدها بعد فشل الدولة بتصريف المنحة، بإهدارها خمسة مليارات، لم يلحظ المجتمع المحلي أثراً لها.

 

وبعد أنّ حاصرت الأردن نفسها بإغلاق الحدود مع سوريا الرئة الحقيقة للإقتصاد الأردني، أتى تهديد المُلحّق التجاري للنظام الأمريكي للتُّجار و الصنّاعييّن الأردنيين بوقف التجارة مع سوريا، مهدداً بقانون سُمي"بالقيّصر" ليفرض على الأردن أنّ تُحاصر نفسها بنفسها مرة أخرى ويزيد الضغط على الإقتصاد الأردني الذي يعاني من هروب رأس المال المحلي بسبب الفساد والترهل الإداري والتقصير بالإستثمارات الرأسية التي تُحفز رأس المال المحلى على البقاء و النمو.  

 

وتزامناً مع إملاءات البنك الدولي الضريبية التي أسقطت رئيس الوزراء "هاني المُلقي" والتي قام رئيس الوزراء الحالي "عمر الرزاز" بإقرارها، أضاع قصر الحكم فرصة ذهبية لتغيير سياسته الخارجية التي لطالما تهرطقت بأسم الاقتصاد، وذلك بمنحة خليجية خجولة قُدمت باجتماع مكة والتي أتت كرِبَاط للسياسة الخارجية الأردنية لمنع قصر الحكم التقدم شمالاً وشرقاً لتحسين موازين الجغرافيا السياسية لصالح المحور الشرقي الذي لا يريد الأردن وطناً بديلاً لأحد.  

 

فبعد هذه المنحة الخجولة التي كان ضررها أكثر من نفعها، التي أفقدت قصر الحكم بالحد الأدنى الحصول على خيارات أكثر لمجابهة المرحلة التي تعصف بالمنطقة. ظهرت صفقة القرن على الساحة السياسية بزخم كبير، الأمر الذي خلق بيئة ضاغطة مناسبة لفرض إملاءات وشروط على قصر الحكم. فصفقة كهذه لن تنجح بدون الأردن، وتخليّ الهاشميون عن المقدسات هو إنتحار سياسي والأصل بالمسألة هو تقويض الأردن لصالح مشروع الوطن البديل الذي يُعد محطة رئيسية لحل القضية الفلسطينية لحساب “كيان العدو” وهو الهدف الأسمى لصفقة القرن.

 

جُرّد قصر الحكم من أهم وأقوى سلاح إستراتيجي على مشروع "الوطن البديل". وهو "القنبلة الديموغرافية" التي كان الأردن يأمل بها الدفاع عن نفسه وذلك بتجريد الفلسطينيين الحاصلين على جوازات سفر دائمة برقم وطني من أرقامهم الوطنية وإعلانهم جميعاً لاجئين على أرضها لقطع الطريق أمام تنفيذ سياسة الأمر الواقع بعد التركيع الاقتصادي بواسطة مشروع قرار قانون سمّي "أتكا" الذي وضع "وكالة الغوث" في عجز مالي غير مسبوق وأخرج مكتب المساعدات والمؤسسات الأمريكية التابعة لها من غزة والضفة وقطع كافة المساعدات عن اللاجئين الفلسطينيين.  

 

مع تعاقب هذه السياسات المحلية القصيرة النظر، التي كان أخطرها انخراط الأردن إستراتيجياً بالمشروع الصهيو-خليجي ضد سوريا الذي ضاعف الضغط على قصر الحُكم  ونقله من مربع حل الأزمات المحلية التي كانت تكلف الدولة عادة القليل من القهوة والكثير من العطوات وبتشييخ من يستطيع حل الأزمات لحساب الدولة عشائرياً إلى مربع الصراع الدولي وتموضعه بلا حلفاء ولا أصدقاء والكثير من الغاضبين.

 

فبعد أن كان الشّارع يتهيب من نقد مجلس النواب أصبح أكثر جرأه بالتعبير، فأصبح ينتقد النواب بالاسم، ثم الوزراء، فالوزراء بالاسم ثم الديوان الملكي فالملكة رانيا العبدالله بالاسم، أمّا الآن و بأكثر من محفل وعلى طول جغرافيا البلاد يُوجه النقد الشعّبي مباشرةً للملك عبدالله الثاني بصفته المسؤول الأول و الأخير عن أداء الدولة وبشكل يُظهر تآكل حاد وخطير لهيبة الدولة.

 

هيبة الدولة التي تأكد تأكلها بسبب "تغريدة" الملك" الأخيرة رداً على بعض التعيينات في وزارة العدّل وقيام المواطنون بمراسلة الحكومة اليابانية عبر طرق مختلفة لحثها على رفض طلب الاستمزاج المقدم من قبل الدولة لترشيح السيدة "لينا عناب" كسفيرة لديها، يشي أيضاً أن السياسية التي كانت تعتمدها الدولة لتخفيف الإحتقان الشعبي لم تعد تجدي نفعاً.

 

فهذا التبرّم الشعّبي المتصاعد السقوف والهتافات في الإحتجاجات التي أصبحت تتحدث فقط عن الملك وأملاكه و أمواله وسفراته الكثيرة كما تحّولت المطالب الشعبية من اقتصادية رأسمالية إلى سياسية بالمطالبة بتغيير النهج العام لقصر الحكم وليس فقط إصلاحات إدارية أو مالية، يقابله قصر الحكم بعجز حقيقي مع الداخل والخارج بسبب انعدام الخيارات لفشل الدولة بقراءة الموقف الإقليمي والدولي بشكل سليم وإدارته بالموقف الصحيح.

فقصر الحكم الأن بموقع لا يستطيع فيه أن يعود للوراء ليخلص سياسته للعروبة و الجيران ولا المضي قدماً بالإستنفاع اللحظي الزائل. فقد اَثر الانصياع للمصالح الضيقة المبنية على شخصنة الدولة وليس شعبيتها. فقد زالت المنفعة اللحظية الأن، ولايوجد مكان لعَمّان على فراش المتغيرات الدولية المستقبلية.

 

ليدخل المنعطف الأخطر في تاريخه، قابعاً بين مطرقة صفقة القرن ومحاولات نزع السيادة الهاشمية على المقدسات متوجساً من فقدان الشرعية التي يستند عليها وسندان الحراك الداخلي الذي يتصاعد بثبات دون تراجع. ليكون بذلك بدون خيارات أو حلول إلا على حساب القضية الفلسطينية أو حساب قصر الحكم، فهذا الوضع المزري الذي نحن فيه ليس مستغرباً، بل هو نتيجة حتمية لكل منّ تحالف مع النظام الأمريكي بكل تأكيد.

 

الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي «النهضة نيوز»، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.