إنّ مفهوم "الحقيقة" ليس، بحدّ ذاته، أمرا مستعصيا على العقل في محاولته لتحديده. الحقيقة هي، ببساطة، عكس الكذب، أو الوهم، أو الباطل. ما يجعلها تصطدم ببعض الصعوبات في تحديدها، هو تنوّع معانيها ومعاني أضدادها، بالنسبة لمواضيع شتى (علم الأخلاق والدين والإجتماع والنفس) تتعلّق بالعَلاقات الإنسانية، وبالنسبة لأمزجة وأعمار الناس والمفكّرين ومستوى حضارة وثقافة أزمنتهم وأمكنتهم المختلفة، عبر التاريخ. إن العقل البشري الناضج يحاول، دائما، عَقْلَ الأمور وجمعها، واكتشاف الروابط والعَلاقات فيما بينها، وتبسيطها، من أجل القدرة على فهمها. إن مسألة توحيد مفهوم الحقيقة، قد شغلت العقل من زمان بعيد. غير أن مفهومها ظلّ عدّة مفاهيم، من الناحية النظرية والتطبيقية، بسبب التدخل الدائم لغرائز الإنسان القوية وتأثيرها الشديد على أطباعه وقرارته وسلوكه، خاصة في أولى مراحل حياته حين يكون عقله غير مكتمل بعد، ويكون، بالتالي، مفهومه للحقيقة بكل معانيها الإنسانية الصالحة، ناقصا.    

               إذا كانت "الحقيقة" نسبيّة، وهي بالفعل كذلك، كما يتّضح لمراقب الأحداث والتاريخ، وتفكير وأخلاق الناس والمجتمعات، أي أنّ كلّ إنسان يحدّدها ويفهمها على طريقته الخاصة، وبحسب زمانه وبيئته ومزاجه الشخصيّ وحواسّه وعاطفته وقدرته العقلية، فهي تتحوّل، حينئذ، إلى مجموعة "حقائق" متضاربة، متصارعة، وتصبح، ك"حقيقة" بالمطلق، أي ك"يقين"، غير موجودة، كونها مرتبطة بخبرة كل إنسان، ومصلحته الشخصية الأنانية، وقدرته على خلق استثناءات للقاعدة، ومجال عمله (سياسة، مثلا، أو تجارة أو محاماة...)، وكونها ثابتة في اقتناعه الشخصيّ وسلوكه، بقطع النظر عن مدى معرفته أو جهله أو تجاهله لمبادىء المنطق والأخلاق والفضائل المعروفة، التي لا تتبدّل في جوهرها مع تبدّل الظروف والمصالح المالية، كالمحبة، والصدق، والوفاء، والتضحية، والإخلاص، والقناعة. 

               في علم التربية والأخلاق، مثلا، العقل الراجح هو أساس الثبات في مبدأ وهدف التربية الحقيقيَّيْن(تفهّم، محبّة، حزم، بناء شخصية الإنسان على الفضائل)، وهو ضرورة ملحّة لحسن ممارستها وإنجاحها، رغم الإختلاف والتنوّع في أسلوب التعاطي والأداء بين  مُرَبٍّ وآخر. 

               وثمة مفهوم للحقيقة يبقى هاربا، متفلّتا من أي تحديد، في نظر الإنسان الذي يتشوّق إلى معرفة هذه الحقيقة (معرفة سرّ وجوده ووجود الكون والخلود)، ولا يوقف محاولاته الشيّقة والشاقة للتفتيش والتعبير عنها، تطلّبا للكمال وتوقا إلى المطلق، ويبقى محتارا بشأنها، ومدهوشا ومسحورا بسرّها، في ميادين الشعر والفلسفة والتصوّف والدين والماورائيات، وفنون الموسيقى والرسم والنحت. 

               في مجال التطوّر العلميّ الذي وصلت إليه البشرية حتى الآن، من خلال الإختبارات والتجارب، والإكتشافات، والإستنتاجات المنطقية، ثمّة حقائق علمية ثابتة يقرّها العقل لا المزاج، ومُتَّفَق عليها بين العلماء، في علم الفلك، مثلا، وعلم الكيمياء والفيزياء والهندسة والرياضيات والأحياء والذرّة والطاقة، والطبّ.

               إن النسبيّة في مفهوم "الحقيقة" تقوى جدا، ويسوء معنى مفهومها، حين ننتقل إلى عالم السياسة، حيث يُحَمَّلُ معانيَ مناقضة لمفهوم الحقيقة ولمفهوم السياسة الأصلي في حقيقة جوهرها، كالكذب، مثلا، والكيدية والغدر والمُراءاة والباطنية والإزدواجية والطمع. في السياسة تصبح "الحقيقة" وجهة نظر لها منطقها الخاص، غير قابلة للنقاش، وممارستها تصبح ممارسة الرذائل على أنواعها، بكل برودة أعصاب، ودون أي حرج. هناك، في جوّ السياسة، نجدُ أنفسنا، من جهة، أمام واقع مُشْبَع بالكلام البليغ، الراقي، عن التعلق بالمبادىء الأخلاقية والعقائد السياسة والفكرية من أجل خدمة الإنسان وحماية حقوقه، ومُشْبَع، من جهة أخرى، بالتناقضات والخلافات، والأمزجة والمصالح، والتعصّب، والتناحر، والخداع والباطنية. إنّ "الحقيقة"، في نظر من يظنّ من الساسة أنه يملكها، تصبح هي "الحقيقة" الوحيدة، وما عداها باطل. وهي، في نظر الآخر، باطلة، وصاحبها على ضلال. في جوّ هذه الأدغال الفوضويّ، الضبابيّ، المحموم، المتكبّر، حيث ترتفع الأصوات وقبضات الأيدي تحدّيا وتخويفا، وحيث الغلبة للأقوى والأكثر دهاءًا، لا أحد يعترف بأنه ربما هو على خطأ، فيحاول إعادة النظر ب"الحقيقة" التي يتعصّب لها بعناد، ولا أحد يتنازل عن عرش كبريائه للإعتراف بوجود الآخر، وللتحاور معه واحترامه وتقبّل رأيه، والوصول إلى تفاهم ما يرضي المصالح (مصالح الشعب أي الوطن، لا الزعماء) والعقل والضمير.

               ثمّة قول معروف يردِّده المتعاطون في الشأن السياسيّ، وهو أنه، في السياسة، لا عداوات دائمة ولا صداقات دائمة، بل مصالح دائمة. أين "الحقيقة" الثابتة المبنيّة على العقل السليم والمنطق العلميّ ومبادىء الأخلاق الثابتة، من كل ذلك؟ إنها ضائعة ومُمَزَّقة أشلاءًا في التقلبات بين الصداقات والعداوات الكاذبة، ومُسَخّرَة لخدمة أمزجة ومصالح الساسة الأنانيّة، المتلوِّنة، المتقلبة، وطريقة رؤيتهم للأشياء وطريقة سلوكهم، على حساب الشعب المخدوع والمُسْتَغَلّ.

               غير أن "الحقيقة" في عالم السياسة، بالنسبة لحاملها والمبشِّر بها بكلامه الصادق وبسلوكه السياسيّ القويم، هي رؤيته الشخصية الواضحة (ومن واجبه أن يمتلك ثقافة ورؤية) لواقع التاريخ بماضيه وحاضره ومستقبله، ومحاولته تجنّب أخطاء الماضي في الحاضر، وعدم توريثها للأجيال الطالعة، وبناء حاضر أفضل ومستقبل أفضل للذين أوكلوا إليه أمرهم كي يسوس شؤونهم بحكمة ودراية.

              إنّ نسبية الحقيقة تظهر في كتابة التاريخ وقراءته، وهما أمران لا يَحظَيان بتأييد وموافقة جميع الناس، أو بالأحرى النُّخَب المتعاطيَة والمهتمّة بهذا الشأن، حتى في الوطن الواحد. كتب التاريخ عندنا (كما عند شعوب أخرى)، مثلا، قد تبيَّنَ أنها تتضمّن حقائق منقوصة ومغالطات فاضحة عن تاريخنا، فيما يتعلق بأشخاص أو أحداث. وتبيَّن أيضا أننا ندرس تاريخنا المشترك بشكل سطحيّ في عدّة كتب تحتوي على عدة "حقائق" (في حقبات تاريخية معينة)، هي، في نظر بعض الباحثين الموضوعيّين المدقّقين، تزوير مقصود للواقع، أو جهلٌ له، وهي، لذلك، مجموعة حقائق ناقصة أو باطلة، مما يؤثر سلبا على التربية الوطنية والوحدة الوطنية.

               أمّا الإعلامُ عندنا في لبنان (وهو "مُسَيَّسٌ" كسائر الإعلام في العالم)، فإنّ نسبيّة الصّدق في قول ونشر الحقيقة من أجل توعية الناس، في أخباره وتعليقاته اليومية، نسبيّة عالية جدا. أي، بتعبير آخر، نسبة صدقه وموضوعيته منخفضة جدا. كلّ طائفة لها إعلامها ولا تصدّق غيره. قليلون هم الذين تحرّروا من سطوة الطائفية، والتبعية لها ولإعلامها. في الحقيقة، ثمّة صراع دائم، خفيّ، حينا، وظاهر، حينا آخر، بين مراكز الإعلام نفسها، سببه ليس التسابق والتنافس على الشهرة من خلال قول الحقيقة، في خدمة وتنوير الشعب وساسته، بل على نيل إعجاب ورضى مراكز التمويل الداخلية والخارجية للإستمرار والشهرة، ولو على حساب الحقيقة وخير الشعب، وما يُسمّى، بقدسيّة زائفة، "الوطن".

               إنّ مهمّة الإعلام الأساسية وواجبه ورسالته في توعية وتوجيه الشعب والساسة توجيهًا صحيحًا، أن يعكس، بصدق كامل وبنيّة صافية، التاريخ الحاضر للشعب على حقيقته، والتحذير من إعادة أخطاء الماضي، وتوريث أجيال المستقبل الأخطاء عينها.  

               فلنطرحْ، هنا والآن، هذا السؤال: إلى أي حدّ يعكسُ الإعلامُ حقيقة واقع الأحداث ومحرّكي الأحداث من ساسة وأصحاب مال وأعمال، بشكل أمين، موضوعيّ، دون تحوير أو مبالغات أو تشويه لغايات مشبوهة؟ وإلى أي حدّ يحاول الإعلام أن يوجّه المجتمع التوجيه الصحيح بصدق أخباره وتعليقاته؟

               ثمّة دائما شكّ بحسن نوايا الإعلام من قبل الذين لا يوافقون هذا الإعلام أو ذاك على آرائه ومواقفه. إنه أمرٌ معلوم جيّدًا من جميع الناس، ومن الإعلاميّين أنفسهم، أن الإعلام مُتهَّم دائما، بأنه مرتبط بجهات سياسية داخلية و/أو خارجية تموِّله، ليدعم مصالحها وأفكارها ومواقفها. هذا أمر صار مألوفا عندنا، ولا يبدو أنه يُحَيِّرُ أو يحرج أحدا. في الحقيقة، الإعلام الحرّ في الديمقراطية، معرّض لأن يصير إعلاما موجَّها، لا يحترم "الحقيقة" الكاملة (تماما كإعلام الأنظمة الكلّيّة، الديكتاتوريّة، المستبدّة، التي تمنع وتخنق الفكر الحرّ، الصادق، الناقد والمعاكس لحكمها)، حين يرتبط بمصادر سياسية ومالية، ويتجنّد في سبيل خدمة مصالحها على حساب قول "الحقيقة"، وعلى حساب الشعب وواجب توعيته توعية صحيحة على مجرى الأحداث وعلى "شرعة حقوق الإنسان"، وعلى حقّه وواجبه في مراقبة ممثليه في الحكم ومحاسبتهم.

               ها نحن نعود، مجدّدا، إلى الساسة، ساسة لبنان، لنكمل تسؤالاتنا حول أدائهم: أين هم من المفهوم الخيِّر، الصالح، الثابت، ل"الحقيقة"؟ 

               هل يقولون دائما للشعب حقيقة ما يجري في العلن ووراء الكواليس؟ هل يخبرون الشعب لماذا يبتعدون عنه ويتنكّرون له وينسونه بالمرّة، بعد أن يوصلهم إلى المجلس النيابي ليخدموه ويحموه ويحققوا ازدهاره؟ 

               هل يخبرون الشعب بكل ما يفعلونه من أجل تجميع الثروات الخيالية وبناء القصور الأسطورية، ورشوة الناخبين وشراء الذّمم والضمائر، وكسر القوانين (الإستيلاء على أملاك بحريّة وبرّية عامة، كسّارات، محافر، مطامر، محارق، معامل، تبييض أموال، عقد صفقات وقبض عمولات حول إستثماراتا ومشاريع وهمية للشعب...)، وامتلاك ثروات الوطن، وبيع الوطن بأرضه وشعبه وكرامته لآلهة المال في دول الخارج، وتنفيذ سياسة هذا الخارج التي تهدف إلى تفريق وإضعاف الشعب اللبناني وإضعاف مقاومته (لكل ذلك تسمية واحدة: الخيانة العظمى للوطن)، متستّرين ومُتحَصِّنين ب"حصانة" أعطاهم إياها الشعب ذاته الذي أوصلهم إلى عروش أمجادهم ونفخ أوزانهم وأحجامهم وصدورهم وبطونهم وجيوبهم، وبقضاء "مُسَيَّس" ، غصبا عنه، بمعظمه،  يخدم مصالحهم، ويستر عوراتهم وعيوبهم، ولا يجرؤ على محاكمتهم وإعلان الثورة عليهم (مع أن معظم الشعب اللبناني يتمنّى ذلك)، وهم أصحاب الفضل بتوظيفه بحسب الحصص الطائفية لزعماء الطوائف؟

               هل يخبرون الشعب بأن تحالفاتهم في داخل الوطن وخارجه، مع قوى نفوذ وهيمنة ومال، هي غير مبنيّة على مبادىء روحية، وقيم أخلاقية، ومثل عليا، تروم كلها مصلحة الشعب، وهو مصدر كل سلطاتهم، إنما هي من أجل مصلحتهم الشخصية فقط، وأنهم لا يستطيعون، مثلا، أن ينتخبوا رئيسا للجمهورية أو أن يؤلفوا حكومة أعضاؤها منسجمون ويعملون كفريق عمل واحد، أو أن يسلّحوا الجيش، أو أن يستخرجوا النفط والغاز المكتشَف في بحر لبنان، أو أن يتحاوروا حول أي موضوع، بصدق وحرية ومحبة ليصلوا إلى نتيجة إيجابية تخدم مصلحة الشعب اللبناني وحسب، بسبب تضارب مصالحهم المالية والسياسية الخاصة في الداخل، وبسبب ارتباطاتهم الوثيقة، الدائمة، المعيبة، بصراع المصالح لدول الخارج، وبوجوب مداراته وانتظار تعليماته وأوامره، و"مكرماته"، و"مساعداته"، و"مكافآته"، وودائعه"، و"هباته"؟

               هل يعترفون بالحقيقة، أمام الله، وأمام الشعب اللبناني بعد أن فشلوا فشلا ذريعا في أداء المهمّة الموكَلَة اليهم منه:

               "أيها الشعب العزيز، نحن فشلنا في حماية مصالحك وخدمتك كما وعدناك قبل الإنتخابات، فقد كذبنا عليك كثيرا ولم نفِ بوعودنا لك، وخدمنا مصالحنا الخاصة وخدعناك وسرقناك ولم نسعّ إلى توحيدك كما ندّعي في تصاريحنا الكاذبة، وارتكبنا جريمة الخيانة العظمى، بحقك، مع دول الخارج، من أجل المال، وخلقنا لأنفسنا نعيما سعيدا من الثروة والحياة الكريمة، وخلقنا لك جحيما تعيسا من الفراغات الطويلة في الحكم، ومن البطالة والقلق والقهر والعذاب والفقر والجوع والأمراض والذلّ، وأرهقناك بالضرائب وحملناك وحدك مسؤولية وهمّ إيفاء الديون المتفاقمة سنة بعد سنة، التي نحن سبب استدانتها من أجل خدمتك، وسبب اختفائها في جيوبنا وخزناتنا السرية في أقبية قصورنا، وفي حساباتنا السرية في مصارف لبنان والغرب. لم نَعُدْ نحتمل عذاب ضميرنا. إننا نعتذر منك. سامحنا. نحن لا نستحقّ ثقتك بعد اليوم. وقد قرّرنا أن نخضع لحكم القضاء العادل، وألا نضغط عليه بعد اليوم ونسيّسه، كما تعوّدنا أن نفعل دائما، وأن نعيد إليك كل مالك المسروق، وأن نتنحّى جانبا، لنترك مسؤولية خدمتك وبناء مستقبلك وإسعادك لمن هم أشرف منا، وأصدق منا، وأقدر منا على حملها. ولعلّ فرصة التوبة إلى الله، والندم على جميع أفعالنا الشنيعة،  تتاح لنا في غرف السجن الإنفرادي، المعتمة". 

               أما حكومات ودول العالم، التي يعشق ساستنا (المصابون بعقدة النقص تجاه المال وأصحابه)، التعامل "الدُّونِيّ" معها، فكيف تتعامل، هي، مع بعضها البعض؟

               نسمع ونرى كل يوم: 

               كيف أن دولة مستكبرة، مستقوية بمالها وسلاحها ورجالها، تتعدّى، دون أي سبب (إلا سبب إخضاعها لسلطتها وسرقة مواردها الطبيعية)، على دولة أخرى وتدمّرها، متهمة إياها بالإرهاب، وبعدم احترام حقوق الإنسان، وبامتلاك أسلحة فتاكة، وبتشكيل خطر على أمنها القوميّ ومصالحها الحيوية القومية، ثم تنتقل إلى دولة أخرى وتفعل الشيء عينه بها، للغاية عينها، مستعملة الحجج عينها.

               وكيف أن دولة قوية تجمع من حولها دولا أخرى حليفة لها وقوية، لتعاقب دولة أخرى قوية ومستقلة، تحترم نفسها، معاقبة إقتصادية، وتسدّ عليها المنافذ، بحجة أنها دولة تشكِّل خطرا كبيرا جدا على أمن وسلامة الدول من حولها، لا بل على العالم بأسره، كونها تجرّأت وتقدّمت في مجال العلم والتكنولوجيا، وامتلكت طاقة نوَوِيَّة لأهداف سلمية، غير مسموح بها إلا للدولة القوية وحلفائها، خاصة الكيان الصهيوني العنصري في فلسطين.

               وكيف يسرق شعبٌ أرض شعب آخر، ويشرِّد معظمه في كل أقطار الأرض، ويسمّيه بالشعب الإرهابي إذا تجرّأ وفكر وطالب بحقه بالكلام وقول الحقيقة وفضح السارق المعتدي، أو حاول أن يستردّ أرضه وكرامته بالمقاومة وقوة الكلمة والحقيقة والسلاح.

               وكيف تعمل مخابرات دول مُعيّنة وتخطط في الخفاء، وبخبث ودهاء، في مجال بثّ الإشاعات الكاذبة، واغتيال شخصيات لا تأتمر بأوامر دولها، وإطاحة حكومات ورؤساء، وخلق فتن وحروب وأمراض وفقر ومجاعات وتعاسة لتدمير الشعوب، وتُنْكِرُ وتَستَنكِرُ حكومات هذه المخابرات كل هذه الأعمال الشريرة، وتتّهم دولا أخرى بها، أو تبرّرها، إن تنازلت عن كبريائها، تبريرات حبيثة، مخادعة، سخيفة، ضعيفة، أنانية، لها علاقة بالأمن القومي والمصالح القومية، أو حتى، وهنا ذروة الوقاحة، كالمعتاد، بالدفاع عن حقوق الإنسان.

               أين "الحقيقة" الضائعة؟ 

               أين العدل والصّدق والخير والجمال والحق والمحبة والرحمة، وكلهم أشعة من نور شمس "الحقيقة"، في تعدّي الأقوياء الدائم، أفرادا وجماعات وقادة وشعوبا، على الضعفاء، منذ فجر التاريخ حتى اليوم؟ 

               أين الحقيقة في استغلال الساسة الدائم للشعوب، عبر التاريخ؟ 

               أين الحقيقة في تأجيج نيران الثورات والحروب، دون توقف، من قبل قلة قليلة من البشر تسمّي نفسها ب"المتنوِّرين"، وهي تملك عبقرية شريرة، ومالا كثيرا، ومصارف كبيرة، ومناجم الذهب والماس، والبورصات العالمية، ومعامل سلاح وشركات نفط وغاز، وتتسلّط تسلّطا شديدا على حكومات ورؤساء الدول والجيوش بمغريات المال، وتسخّرهم في سبيل خدمة مصالحها وأهدافها، وتعشق سفك الدماء بطبعها المتوارَث من أهل التلمود، وتعشق احتكار ثروات الأرض، واحتقار الشعوب، وإفقارها وإفساد أخلاقها بترويج المخدرات والإباحية والموسيقى والأغاني الشيطانية، والتقليل من عددها من خلال إشعال الحروب على الدوام، وتسميم الأجواء والمأكولات والمشروبات والأدوية، وخلق الأمراض، واستعباد ما يتبقّى من هذه الشعوب؟ 

               أين الحقيقة في خلق حربَيْن عالميَّتَيْن (وفي الإستعداد والتهويل علنا في خلق حرب عالمية ثالثة، قريبا)، وفي تزوير حقائق ووقائع التاريخ، وتشويه سمعة شعوب بكاملها، وتشويه سمعة زعماء هذه الشعوب، من قبل تلك القلة عينها، لتحطيم كل من يخالفها الرأي ويقاومها، لإعلاء شأنها وحدها، ولتربية الأجيال الطالعة على معلومات خاطئة، كاذبة، والإبقاء على جهلها؟

               أجل! أين "الحقيقة" في كل هذا الغيض الغامر من فيض باطل، شرير، مروِّع، لا ينضب مَعينه، ولا يهدأ هدير بحره الصاخب ولا يستكين؟

               أما العلاقات الشخصية بين إنسان وإنسان، في البيت، في المدرسة، في الجامعة، في مكان العمل، وفي كل مكان وزمان، أين "الحقيقة" فيها وإلى أية درجة هي موجّهة بروح "الحقيقة"؟

               هذا أمر يصعب تحديده بدقّة. هنا، في الحقيقة، تبدأ مغامرة الإنسان الكبرى في التفتيش عن "الحقيقة"، وهنا تبدأ قصة "الحقيقة" والصراع الواعي واللاواعي، المعقَّد، بينها وبين الكذب والباطل، في البيئة التربويّة الأساسية التي يتربّى فيها كل إنسان، ثم في المجتمع. يبدو أن التربية الجيّدة، كما يشتهيها كل إنسان صادق، مخلص، محبّ للخير، غير متوفّرة بالنسبة ذاتها لجميع الناس. وثمة أمر مُهِمّ، جدير بالذكر هنا، وهو أن تغيير طبع الإنسان (نحو الأفضل) بنفسه أو بواسطة مربّين (هم أنفسهم أحيانا ما زالوا يحتاجون إلى مزيد من التربية)، شيء صعب جدا وغير مُستحَبّ.

               ما نشهده ونسمعه من حولنا، وفي العالم كله، من فوضى أخلاقية وفكرية وروحية عارمة، مخيفة، ومن إستفحال الأشرار وخلقهم لحروب مدمّرة متفاقمة ضدّ الشعوب، ومن استخفاف بحياة الإنسان وبحقوقه، هو انعكاس لفقدان التربية النفسية والأخلاقية والروحية والفكرية الصحيحة، في العائلة والمدرسة والمجتمع المدني والديني. لن ندخل، هنا والآن، في تفاصيل مواضيع، تتعدّى مجال مقالنا. 

               إن ما يعرفه جيدا كلّ إنسان واع، حساس، صادق، في لبنان، هو أن مشاعر ومواقف الحذر والشكّ والتحدّي والتذاكي والتعالي والباطنية، تشوب، بالإجمال، علاقات الناس اليومية في مجتمعنا اللبناني. إنه مجتمع صرنا نفتقد وجود الحقيقة فيه، أنّى توجّهنا، يتسابق فيه الناس والساسة والزعماء، بحماس وقساوة بالغَيْن وبأيّ ثمن، على تناتش لقمة العيش، كل إنسان على قدره، وبحسب مركزه وموقعه وشهيته، تبعا لأقوال وأمثلة  شعبيّة معروفة، قد أعطاها الإستعمال المتكرّر صفة المبدأ والحقيقة: "كل واحد يدبّر راسو"، و"الشاطر ما يموت". إنه مجتمع يمجّد، بمعظمه، وباستثناء قلة قليلة من نخب الفكر والروح، المال والقوة والعنف: "معك قرش بتسوى قرش". "إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب"، و"الغاية تبرّر الواسطة". ويمجّد الكذب: "الكذب ملح الرجال". ويمجّد تحدّي القوانين وقواعد الأخلاق ومخالفتها وكسرها، وهو واثق بتخليص نفسه بواسطة حُماته في الدولة نفسها: "الحبس للرجال"، و"الويل لمن لا واسطة عنده في الدولة". ويمجّد الرشوة وشراء الضمائر: "أطعمِ الفمَ تستحِ العينُ"، بحسب قصّة القاضي "الظريف" القديمة، المتداوَلَة شعبيا، حين أصدر حكما لصالح الظالم الذي أهداه خروفا ضخما، له قرنان كبيران وصوفٌ كثيف، وقال لصاحب الحقّ المظلوم الذي جاءه معاتبا بعد إصدار الحكم ضدّه، وكان قد أهداه، من قبل، بطّة صغيرة: "يا إبني، الحقّ نطّاح".

               في المجتمع هذا، يُنظر إلى من يقول الحقيقة ويحبّ الحق ويمارس فضيلة الصدق والتواضع والرحمة والمحبة، سياسيا كان أم من عامة الشعب، بأنه ضعيف، بريء، ساذج، لا بل غبيّ. وفي عالم السياسة، يُقال عن السياسيّ الذي يبرع بفنون الكلام المنمّق، المعسول، غير الصادق، وبفنون اللياقات المصطنعة، والباطنية الخبيثة، والتقلّب المستمرّ في المزاج والتفكير والمواقف، والإنقلاب السريع على الحلفاء، أجل، يُقال عنه بأنه "ذكيّ"، و"داهية"، وأنه صاحب "مخّ سياسي". والسياسة تتحوَّل، مع سياسيّ من هذا النوع، من "فن الممكن" إلى "فن المستحيل"، و"فن الكذب"، وأحيانا، بحسب الظروف، إلى "فنّ المديح والتزلّف" لحلفاء مؤقتين من آلهة مال وسلطة، أو إلى "فنّ الهجاء" لأخصام سياسيّين أو دوليّين أيضا مؤقتين. وهكذا فإن كلمة "سياسيّ" التي تعني اليوم البهلوان والراقص الماهر على الحبال، وممارس ألعاب الخفة والسحر، وبائع الأوهام، والمتلاعب بحياة الناس وبرزقهم وبمصيرهم، والمالك لروح الرصانة المصطنعة مع روح الدعابة والفكاهة المُصطنعة هي أيضا، للتستير على ما يفعل، ولإيهام الناس بأنه إنسان مُهِمّ ومُهتَم ومهموم بهمومهم، تكون قد فَقَدَتَ، أي كلمة "سياسيّ"، معناها الأصليّ الحقيقيّ، ألا وهو ال"سائس"، أي القائد القدير والمخلص والصادق للناس، الذي يملك حسن التدبير ويسوس شؤونهم بحكمة ويخدمهم. في أيامنا هذه، كلمة "سياسيّ" تعني، في الحقيقة، وبكل بساطة، محتال، كذاب، مخادع، نصّاب، فاسد، وكما يقول الشعب: "لَعِّيب كشتبان". 

               في النهاية، هل هي حقًّا موجودة، وأين، تلك "الحقيقة" الخيّرة، الصالحة، ونحن لا نراها ولا نسمعها ولا نستشعر بها من حولنا، في عالم أشبه بالأدغال المتوحّشة حيث القويّ يأكل الضعيف، عالم مليء بالضجيج والصخب والكبرياء والتمييز العنصري وسوء التفاهم والنزاعات والتعدّي والحروب والكذب والغشّ والخداع والغدر والظلم والألم والجوع والفقر والمرض والموت والخوف والقلق؟

               إن بذور "الحقيقة" (أي العقل السليم والصدق والإخلاص والوداعة والتواضع وروح الخير)، هي، في الحقيقة، موجودة في أعماق قلوب الناس، كل الناس. هي تولَدُ معهم، مع بذور الشرّ بكل أنواعه من باطل وكذب ورذيلة وكبرياء وروح الأذى للآخرين. هنا يكمن سرّ الطبيعة المجهول، المحيّر، المُحْزِن، وسُنَّة الحياة القاسية، الغريبة، وهو أنّ بذور الشرّ في قلب الإنسان أسرع نموّا وأقوى من بذور الخير، وقليلون جدا هم الذين يكتشفون، وحدهم أو من خلال التربية الجيدة، بذور الخير، ويثابرون على إنمائها وإحيائها في نفوسهم مع نبذ بذار الشرّ، وعلى زرعها في نفوس الآخرين، بالقول الصادق البنّاء، والعمل الخيّر، المحبّ، المثمر. 

               إذًا، حين نمرّ بلحظات صدق شُجاعة ومُشرِقة مع الذات، نَجِدُ أن الحقيقة المُنَوِّرَة لوجودنا وسلوكنا موجودة فعلا في أعماقنا، غير أنه علينا، دون توقف، وبفعل إرادة قويّة وحدس مرهف وعقل سليم، أن نحاول اكتشافها بأنفسنا، والتعرّفَ إليها، والإقترابَ منها لا الإبتعادَ عنها، والإعترافَ بها لا إنكارها أو تجاهلها، وإحياءَها لا خنقها أو طمسها. وعلينا أن نعمل بوحي من نورها. ثم علينا أن ننشرَ، بالكلمة الطيبة والمثال الصالح، نورها بين الناس، بصدق ودون حياء أو خوف أو تعب، حتى لو رفضها الناس ونفروا منا. إذا استطاع كل إنسان أن يحقق ذلك، بحسب ما أوتِيَ من موهبة روحية وقوة إرادة ووعي وشجاعة، لَتَحَسَّنتْ كثيرا حياة البشرية كلها، شعوبا وساسة، وتحصّنت ضدّ أي شرّ، ولوَجَدَ كلُّ شعب، وطبّق، دون صعوبة، وقدرَ الإمكان وبشكل أكمل، نظامَ الحكم الملائم له، ولَنَعِمَ بالأمان والسلام والإزدهار كما لم يَنْعَمْ بهم من قبل، ولقلّتْ، بنسبة كبيرة جدا، الأطماع والأحقاد والتعدّيات والمشاكل والحروب والمآسي.

               ولكن، ثمّة "حقيقة" إنسانية وجوديّة بسيطة، غير أنها تفوتنا أحيانا، أو لا نريد ولا نجرؤ أن نُقِرَّ بوجودها، وهي أنّ الطبيعة البشرية مفطورة على النقص، وأمّارة بالسوء، و"الحقيقة" المنشودة تحتاج إلى وقت طويل من التربية والخبرة والتأمل والألم، لاكتشافها وانتشالها من عمق أوحال الغرائز المتوحشة، ووعيها، والعمل بموجب ما تقتضيه وتوصي به. وكما أشرنا منذ قليل، الناس، بطبعهم، يستصعبون تغيير أنفسهم، وينفرون من المحاولة ومِمّنْ يدعوهم إليها، ويفضّلون أن يكتفوا بما هم عليه، تهرّبا من جهد الجهاد الفكري والروحي المُضنيّ، طلبا للكمال. لذلك، فإن استجابة الإنسان، عادة، لنداء صوت "الحقيقة" (أي الضمير) في داخله، هي إستجابة ضعيفة، مُتَرَدِّدة، قصيرةُ النَّفَسِ والأمَد، وهي تختلف نسبتُها بين إنسان وإنسان، ممّا يفرض علينا أن نقبل ونرضى، ولو مرغَمين، بشركائنا في الحياة والوطن، من أناس وساسة يكرَهون الحقيقة ويعملون عكسها، أيدرون ماذا يفعلون أم لا يدرون، وأن نصبر عليهم الصبر الجميل، أي بمحبة، وألّا نقطع الأمل أبدا من محاولة إشراكهم دائما بما نعرف عن "الحقيقة"، دون كِرْه وإكْرَاه. 

               من واجبنا، قبل كل شيء، أن نحثّ أنفسنا على معرفة "الحقيقة"، ونتطلب من أنفسنا أولا، لا من الآخرين، التفتيش عنها في داخلنا، ومن ثمّ نشرها بين الناس، بأقوالنا الحسنة، الطيبة، الصادقة، وأفعالنا الصالحة، لعلّنا، ساسة وشعبا، بمثالنا الصالح الحيّ، المُشِعّ، نكون قدوة للآخرين، ولعلنا نساهم في تغيير الواقع السيّء إلى واقع أفضل. 

               ومن واجبنا، في نهاية المطاف، أن نحزم أمرنا من أجل ان نتابع، مع جميع شركاء الوطن، بقوة ودون قرف ويأس، لا بل بفرح ومحبّة، هذه المسيرة الطويلة، الصعبة، التي تختصر تاريخ البشرية المُعَذَّبَة في صراعها مع ذاتها، من أجل معرفة "حقيقة" ذاتها الإنسانية والإلهية السامية، حتى ولو أمسَينا وَحدَنا على درب هذه المسيرة العسيرة، الموحشة. إنها مغامرة رائعة، مغامرة التفتيش عن الحقيقة الضائعة، ومعرفة الذات المبعثرة وتوحيدها، وممارسة فضيلة الصدق في الكلام والعمل، وخلق ملكوت الروح، في أدغال عالم متوحّش، لا يؤمن إلا بالمال والقوة والعنف والسيطرة. إنّ معرفة الذات بكل طاقات الخير التي تكتنزها، هي بداية الطريق من أجل بناء حياة أفضل لجميع أبناء الوطن، وللبشرية جمعاء، وهي الطريقة الفُضلى لمقاومة الجهل والكسل والضعف، ولقهر قوى الشرّ والظلمة المستفحلة.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه