لو طلب أحدهم مني أن أعرف عن موقعي الآن سأقول أنني في المنزل، السقف فوقي والطاولة أمامي. ورائي الجدار وعلى يميني كتاب أخضر. لاحظوا أنني لن أقول أنني تحت السقف ولا خلف الطاولة ولا أنني أمام الجدار أو على يسار الكتاب الأخضر. ما الفرق يا ترى؟ نحن بصراحة نعرّف الأشياء إنطلاقاً من مكاننا باعتبار أننا المركز. ألسنا كذلك؟

"الشرق" مخزن أساطير التاريخ، عالم الغموض والسحر والغرائب، رجال أغبياء شهوانيون بعمامات ونساء سمينات ببراقع و صدور عارية يبعن في السوق. بعير يرقد في صحراء حوله أغنام. و تخلف وفوضى وقبلية. موسيقى المزمار و تجار بدائيون يبيعون القماش. هكذا يرانا "الغرب" في أفلامه و رسوماته و قصصه.

في الانجليزية، يسمون الرقص الشرقي belly dance أي رقص البطن، مع أن المرأة ترقص بخصرها، سوى أن هناك تخيل لا يمكن نزعه عن عقول الأوروبيين أن الشرقية سمينة وترقص ببطنها السمين. قرأت أيضاً عبارة مرة في مذكرات لرحالة أوربي في مصر يقول “ i saw tow dirty Arabs swimming” سيمر جمهور قرائه عن العبارة مرور الكرام لعلمهم المسبق أن العربي وسخ للضرورة. أما نحن سنتسائل ببراءة، كيف يبدو من في الماء وسخاً؟

في هوليوود و لغاية اليوم يصور العربي في الأفلام على أنه رجل بدائي بعمامة، وخائن وساذج للضرورة. يملك الكثير من المال ويحب النساء و الخمر. غبي ومنساق. يعمل في تجارة السلاح و إرهابي يعشق الدم. في دراسة أعدها المخرج الأمريكي من أصل لبناني جاك شاهين تناول ١٠٠٠ فيلم تطرقت للعرب والمسلمين في السينما الأمريكية ١٢ منها تحدثت عنهم بايجابية، بينما ركز الباقي على التخلف والارهاب و الشهوانية والغباء والعمالة.

في مشهد صاعق آخر ألف برتراند راسيل أعظم فلاسفة القرن الماضي كتاباً عن تاريخ الفلسفة عنونه ب "حكمة الغرب" حاصراً تاريخ الفلسفة والتنوير في أوروبا أو في اليونان القديمة تحديداً، متناسياً بوقاحة حضارة العرب وما بين النهرين والهند والصين وغيرها.

ولأن هناك من رسخ هذا الفهم في رؤوسنا أولاً وفي مخيلة العالم، نسينا أن نسأل أنفسنا سؤالاً مهما ونحن نتداول مصطلح الشرق في أشعارنا و رواياتنا وحياتنا. نحن شرق من؟ الكرة الأرضية مستديرة كيف نكون شرقاً؟ ولماذا الشرق بالضرورة العالم العربي؟ ماذا عن البقية. هناك جواب واحد لكل هذا. الشرق متخيل، ومفهوم ثقافي لا علاقة له بالمكان أو الاتجاهات. نحن شرق لنؤكد أن أوروبا "غرب". والغرب هو المركز وهو من يستطيع تعريف الأشياء من منظوره ومكانته وقوته و سطوته كحال تعريفي لنفسي في الغرفة.

أستطيع الادعاء أن أعتى مذابح التاريخ وسرقاته انبثقت من هذا التعريف. في أوروبا مثلاً قالوا بأن الرجل الأبيض المتمدن يحمل عبء تخليص الأمم الأخرى من القبلية والبدائية و التخلف. وقد عبر الشاعر الانجليزي روديار كيبلينج عن ذلك صراحة في قصيدة " عبء الرجل الأبيض" وبهذا برروا كل استعمارهم وسرقاتهم و اباداتهم الجماعية لمدن وحواضر الشرق التي تفوقهم حضارتهم بالاف السنين.

صباح اليوم قام "أبيض" آخر بمجزرة جبانة في نيوزلاندا، قاتل اليوم مطلع ومعبأ بفظاعة. خط على بندقيته بسبق الاصرار والترصد كل ما تعلمه من كراهية الشرق بمكوناته. يحمل هذا الانجليزي الحاقد إرث مئات السنين من الكذب والسطو و التعبئة و التنميط للشرق. وبكل وقاحة يستطيع هذا الحيوان الحديث عن تدفق الشرقيين لنيوزلندا التي احتلها أجداده وأبادوا سكانها الأصليين. تماماً كما يفعل مثله الأعلى دونالد ترامب الذي أباد أجداده الهنود الحمر ويمتعض من مجيء الآخرين الى بلاده.

حدث اليوم ليس هامشيا ولا دخيلاً على تاريخ أوروبا الملطخ بالدماء. هو فقط استمرار لارث طويل من العلاقة المتقابلة بين (الشرق) و (الغرب) و استمرار لعقدة الرجل الابيض البغيض.

يلخص كل هذا مثل جدتي الذي يقول " القوي عايب" و حكمة نابليون المستعمر الوقح بأن التاريخ هو مجموعة الأكاذيب المتفق عليها.

الكاتب: محمد حموده \ فلسطين المحتله

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه