قد ينجح الشعب الجزائري في تغيير النظام،حتى لا نقول اسقاطه بالكامل- فلهذه الأخيرة معنى مغاير - كما قد ينجح في  إبعاد كثيرٍ من رؤوسه التي كانت سببا في الأزمة السياسية الحاصلة والتخلص منها دفعة واحدة أو عبر مراحل،والتي فرضت منطقها أيضا على مصير  الملايين من الجزائريين المتعلم منهم والمثقف والبسيط لسنوات طويلة،حتى فضَّل الكثير منهم،ترك الجمل بما حمل،والابتعاد إلى ضفة أخرى،محاوَلة منهم للشعور بالذات بعيدا عن التضييق حتى في ما هو حق من الحقوق،دون الحديث عن الامتيازات .

ان مسألة تغيير النظام،و إزاحة الشخصيات التي طالما خرجت للعلن مخاطبة غيرها،قد لا يكون من وجهة نظري هو النجاح المبهر،الذي سيوهم الشعب الجزائري نفسه به،وليست هي الدولة العميقة التي يطالب بها أو يود أن يستفيق ذات يوم على ضوء عدالتها وحكمها الراشد،بقدر ما هي الكِذبة العميقة جدا  التي سيتفاجأ بعدم رحيلها أصلا،بالرغم من قناعته بأنه قطع مشوارا طويلا عريضا في محاربتها،من أجل أن لا تخرج مجددا للوجود .

إن من أخطر أنواع الفساد،والذي من شأنه أن يَدُكَّ أركان مؤسسات الدولة،ومن ثم الدولة نفسها،هو الفساد المؤسساتي المتجذر،بحيث يصعب حتى اكتشافه ومعالجته،وان تم هذا فبعد ماذا؟ .
وحقيقة الأمر المفزعة أننا توهمنا جميعا،بأننا تمكنا من الداء وسيطرنا عليه،بمظاهرات ضخمة،كان لكتاب قينيس للأرقام القياسية شرف تسجيلها كأكبر مظاهرات شعبية في التاريخ،ولكننا واقع الأمر أهملنا الفساد الحقيقي،المتربع على  عرش كل القطاعات،ولكم أن تتأكدوا من هذا بعد قيام (الجمهورية الجزائرية الثانية) التي ينادي بها الكثير،دون الخوض في خلفيات هذا المصطلح،وما أو من يمثله فليس المقام مقامه.

بعد مرور زمن يسير،سيتيقن المقبلون على مسابقات التوظيف،في أي قطاع كان،أن المسابقة لم تخلو من ( المعريفة،وبني عميس).
بعد مرور  زمن يسير،سيتيقن القريبون و المحيطون،بأي مسؤول إداري كان،كيف تطبق قوانين الصفقات،ولمن تُمنح هذه الأخيرة،وعلى أي أساس؟كما سيتيقن المواطن من أن حجم البيروقراطية لم ينخفض بل زاد و تعاظم .
بعد مرور زمن يسير،سيتيقن الشباب العاطل عن العمل أنه بقي عاطلا،بينما أخذ منصبه فلان وعلان،بحجج ذاك يراها هينة،و عند هذا عظيمة.
بعد زمن يسير سيتيقن الشعب الذي تظاهر من أجل التغيير،أن قدرته الشرائية لم تتحسن،وأنه لازال يحلم ببعض الأشياء التي هي من حقه أساسا،وأن من تغيّر هي الوجوه والأسماء والألقاب فقط،بينما الميكانيزم بقي كما هو،وليس له في الأمر حيلة،لأن الفساد متجذّر ويُمارَس بطريقة آلية،نكاد نجزم على استحالة اجتثاثه،لأنه لم يعد مقتصرا على القمة فقط،ففي القاعدة أيضا فساد كبير،والله المستعان .
______________________
Tarekmidia1@gmail.com

المقال يعبّر عن وجهة نظر و رأي كاتبه