مُقدِّمة: محاولة تحديد لمفهوم الوعي 

               إنه أمرٌ واضح ومعلوم أن الإنسان، بعكس سائر الكائنات، كائنٌ عاقلٌ وناطقٌ، وهو، أيضا، كائنٌ تاريخيٌّ، أي له ماضٍ يتضمّن مراحل تطوّره المتتالية على هذه الأرض، في عالم الزمن المتحرّك، وله ذاكرةٌ تغوصُ، قدر ما تستطيع، في أعماق هذا الماضي، إلى مسافة معيّنة في عتمات الزمن، وتُدَوِّنُ وتؤرِّخُ وتحفظ اكتشافاته النفسية والروحية والحضارية والعلمية، وله قدرةٌ وإرادةٌ على وعيِ وفهمِ هذا الماضي بتراكم أحداثه وإنجازاته الإنسانية، والإعتبار به، من أجل دوام النموّ والإرتقاء الحضاريَّيْن، مع قدرته، بالإستناد إلى حدسه وعقله وخياله وإرادته، على استشراف المستقبل، في مجرى الزمن الآتي. لذلك، إستحقّ الإنسانُ تسمية الفيلسوف الألماني "مارتن هايدغير" له، ب"كائن الأبعاد".

               إنّ كلمة "وعي"، إذًا، تعني الإنسانَ وحدَه دون سائر الكائنات، كونه يتميّز منها بامتلاكه لعقل "يعقل"، بلغة الكلمات والأفكار، أمورَ الواقع المبعثرة، أي يجمعها ويوحّدها ويربطها بعضها ببعض، ويكتشف ويستنبط المعنى الموجود في حناياها. إنه عقل يملك طاقات هائلة بحاجة إلى تنمية: يفكِّرُ، ويفهَمُ، ويستخلص، ويستنتج، ويستقرىء، ويتلقّى المعلومات والتعليمات ويبثّها، وينطق، ويريد، ويأمر، ويختار، ويتصور، ويتخيّل، ويخترع. إنه عقل، بعكس الغريزة الحيوانية المحدودة، قابل للنموّ والتطوّر والكمال. إنه من معجزات الخَلْقِ العظيمة.

صعوبة تحقيق الوعي

               إنّ أيّ إنسان يتطلّب الوعي الوجوديَّ بكل أبعاده، يختبر صعوبة تحقيق ذلك. يولدُ الإنسان وإمكانية نموّ العقل تولد معه، لا الوعي بحدّ ذاته. إنماء العقل وبناؤه أمر صعبٌ، متعبٌ، ليس بالسهل، وليس بمتناول جميع الناس بالدرجة نفسها، كونهم لا يمتلكون، بحكم قانون وراثة طبيعيّ، حتميّ، القدراتِ الجسدية والنفسية والعقلية والروحية عينَها، وكون الوعي يتطلب مجهودا يوميا جبارا لبنائه. ولو أمضى الإنسان حياته كلها من أجل تحقيق ذلك، فإنه لا يصل إلى مبتغاه، إلى المُطْلَق.

               الوعي هو عكس الطيش والضياع، وعكس الجهل والغباء. الوعي هو معرفة معنى حقيقة الأمور معرفة حدسيّة، عقلية، منطقية، موضوعية، صحيحة، صائبة، قدر الإمكان، وتكوين رؤية واضحة لهذه المعرفة. نعني بكلمة "الأمور" هنا واقع الإنسان الجسدي والنفسي والأخلاقي والروحي والإجتماعي والسياسي والتاريخي، وواقع الكون المادّي (من حيوان ونبات وجماد ومياه ونار وفضاء وكواكب وشموس ونجوم) المرئيّ وغير المرئيّ، وواقع الزمان والمكان والبداية والنهاية، وواقع ما بعد هذا الكون أي الأمور الإلهية أو الماورائية. إن الإحاطة بكل أبعاد ومعاني هذه المعرفة إحاطة كاملة أمر مستحيل لعقل الإنسان.

الوعي السياسي الشعبي: معرفة وسلوك

               ما يهمّنا، هنا والآن، هو إلقاء بعض الأضواء على واقع الوعي السياسيّ للشعب (وللإعلام أيضا) وما يعنيه، وما يتطلبّه ويفرضه، إنْ توفّرَ، من واجبات وسلوك على المواطن في مجتمعنا اللبناني. يهمّنا أن نُشَدِّدَ على أهمّية معنى الوعي كمعرفة وعلم، وكعمل وسلوك.
               إن الوعي السياسيّ (الإنساني، النفسي، الأخلاقي، التاريخي) في الشعب، هو مدى معرفته لنفسه ولتاريخه الوطنيّ، ولتفكير ونوايا ونفسية وأخلاق الساسة على حقيقتهم، ومدى تقديره واحترامه لشخصيتهم، ومدى قدرته واستعداده للحكم الصائب على أدائهم في مجال قيامهم بواجب خدمته وازدهاره وحمايته، ومكافأتهم بإعادة انتخابهم، فقط، إن هم أخلصوا له وحقّقوا ما وعدوه به قبل الإنتخابات النيابية.
 
               والوعي هو، أيضا، معرفة الشعب لحقوقه وواجباته، ولقيمة ومعنى وجوده وقوة تأثيره على ساسته، وعلى الأحداث، وعلى بناء مستقبله، كمصدر وحيد لسلطات حكامه في نظام ديمقراطي، وكونه يملك صوتا هو من صوت الله، كما قيل عنه وله، وكما يحبّ الساسة (العتاق والجدد) غير المخلصين له والذين يستغلونه دائما، أن يوهِموه، ليدغدغوا وينفخوا كبرياءه، ويخدّروا إحساسه وعقله وإرادته، في الوقت الذي يبنون فيه ثرواتهم وعظمتهم وديمومتهم وسعادتهم، على أشلائه وتعاسته.

               غير أن المعرفة هذه الضرورية بحدّ ذاتها، لا تكفي وحدها، ولا تنفع. ينبغي على المواطن الواعي أن يستفيد من وعيه لحقوقه وواجباته، ويأخذ الموقف المناسب الذي يدعوه إليه وعيُهُ، أي، عليه بتطبيق المعرفة والوعي من أجل الخير العام. كيف؟ من واجب ومن حقّ المواطن الواعي أن يعرف كيف يقيّم، باستمرار، وبوضوح وشجاعة، سلوك وأداء ممثليه في الحكم، لا أن يستحيَ منهم ومن أتباعهم، ويخافهم، ويغضّ النظر عنهم (مهما كانت الأسباب والموانع)، فيجبِر نفسه على التزام الصمت، ويَجبُن ويتهرّب من مواجهة الحقيقة، وعليه أن يجرؤ (كما أشرنا منذ قليل) على رفض انتخابهم مرة أخرى، في حال كان أداؤهم سيئا، وفي حال كان أمرُ تقويم سلوكهم الأعوَج، وإصلاح أخلاقهم غير الحسنة، مستحيلا.

               إنّ مفهوم الأداء السيّء للسياسيين، في نظر الشعب الواعي، المتحرّر من أغلال العائلة والمذهب والطائفة والدين والمال، يكمن في استلشاقهم الدائم بالشعب، واحتقارهم الباطنيّ والعلني (بثمارهم الفاسدة) له، ورفضهم الإصغاء لصوت واجب خدمته وصوت أنينه، مُفَضِّلين الإصغاء إلى رنين الفلوس، وهم دائما طوع أوامر آلهة المال داخل الوطن وخارجه. باختصار، إنّ أداء السياسيّين السيّء هو في انكبابهم الوقِح على تحقيق طموحاتهم الشخصية وشهواتهم المبيّتة، الجامحة، المريضة، وبطرق غير شريفة، وبسرعة البرق، وبين ليلة وضحاها، في مجال بناء الثروات الهائلة، وبناء القصور الأسطورية، وتأمين حاضر زاهر ومستقبل زاهر، وسعادة أرضية دائمة، فقط لهم ولعائلاتهم وأحفادهم. وتبلغ بهم ذروة الوقاحة حين يحاضرون بفضيلة العفّة ويتبادلون التهم برذيلة الفساد.
 
               إن الوعيَ السياسيَّ النظريَّ يملكه الشعب اللبناني، بشكل فطريّ، عفويّ، وبنِسَب مُتَفاوِتَة. فهو شعب لا تنقصه روح الملاحظة والإنتقاد والفكاهة والتهكم والسخرية. وأيضا، الإعلام اللبنانيّ، الذي يفكر عن الشعب وبإسمه ومن أجله، والذي هو جزءٌ من الشعب وانعكاسٌ له بكل طوائفه وفئاته وأمزجته وميوله، إنما هو إعلام ذكيّ، ذات وعيٍ سياسيٍّ مُلفِتٍ، لا شك، وذات دور رياديّ وقياديّ في التبشير بالحقيقة، وفي تنوير وتوجيه الرأي العام، كما هو مُتَوَقَّعٌ منه. هو إعلام واع، صحيح، ولكنه إعلام غير حرّ إلى حدّ كبير. في الحقيقة، إنه لا يخفى على أحد أنّ له مصالحه الخاصة، وارتباطاته، من أجل الإستمرار، بمراكز قوى مالية وسياسية، داخلية وخارجية، غير خافية على أحد، مِمّا يحدّ من حريته في قول الحقيقة دائما، ووضعها في خدمة الشعب لتثقيفه وتنويره، ويحدّ من انتمائه الكامل إلى الشعب للدفاع عن حقوقه، ومراقبة أداء الساسة في الحكم وتصويب مسارهم إن جنحوا عن طريق الحقّ، ولعب دور المفكّر باسم الشعب، وحامل همومه، والقائد لمسيرته.

               ما ينقص الشعب، بكل فئاته ونخبه وإعلامه، هو اكتساب وممارسة الوعي السياسيّ والأخلاقيّ النظريّ بشكل دائم لا موسميّ، أي التجرّؤ على فضح ومحاسبة من ينتخبهم، إن هم أخطأوا وتمادوا في أخطائهم، ولم يرعووا، وأيضا محاولة تصحيح مساراتهم. من الأسباب الرئيسية لفقدان هذه الجرأة المعنوية هو ذلك الإلتزام الثابت لدى الزعماء والإعلاميّين، بوجوب إرضاء مراكز التمويل قبل كل شيء، ومن ثمّ ذلك الإلتزام، الثابت أيضا، الذي يربط اللبنانيين ربطا عاطفيا قويا، لا ينفكّ، بما يُسَمّى بالمرجعيات العائلية والطائفية والدينية والسياسية والمالية "التاريخية"، فيجد الشعب نفسه، بأكثريته الساحقة، وفي غياب دولة مؤسسات وقانون ونظام جامعة وراعية لأبناء الوطن الواحد، مُجبَرا على أن يؤمّن مصلحته في كَنَفِ مرجعياته الخاصة، وأن يحترمَها حتى التقديس والعبادة، ويستر عوراتها، ويحميَها، كي لا تبدو ضعيفة في نظر المرجعيات الأخرى في الوطن، وكي يحافظ على مصدر رزقه وأمانه. إن واقع الصراع والتنافس الدائمَيْن على الوجود والقوة بين المرجعيّات المكوّنة لهذا الوطن والمرتبطة بمعظمها بالخارج، ينعكس، بشكل حتميّ، على فئات الشعب التابعة لها.

               الوعي السياسي هو أيضا وعيٌ تاريخيٌّ، يحدّد للإنسان مكانه في الزمان والمكان والمجتمع. كلنا ندرس تاريخنا، ونكوِّن وعيا معيّنا ونسبيا له، وهو، في معظمه، سلسلة أحداث ومآس متسارعة، مؤلمة. إنّ فَهْمَ سير التاريخ القاسي الذي لا يرحم، والمبنيّ على مبدأ "مهما تزرع تحصد"، شيء مفقود في لبنان. إنّ أَخْذَ العبرة من أمثولات التاريخ كي لا يعيد نفسه بصراع متناقضاته وعنفه ومآسيه، شيء مفقود أيضا في لبنان. لماذا لا يعي اللبنانيون هذه الحقائق البسيطة ليتجنبوا النتائج الوخيمة؟ لماذا يحبّ اللبنانيون، بوعي أو بلا وعي، أن يتحمّلوا هذه النتائج مِمّن سبقوهم وكأنها عقاب لا مفرّ منه؟ ولماذا هم أيضا، بدورهم، يحمّلون الأجيال القادمة هذا العقاب؟ لسنا ندري. ما ندريه هو أن اللبنانيين، اليوم، منقسمون، كزعمائهم، ولأسباب تافهة جدا، على ذواتهم، تماما كما كانت حال آبائهم وأجدادهم في الماضي القريب والبعيد، وأنهم تحاربوا عدة مرات، تماما كما تحاربَ آباؤهم وأجدادهم. لذلك، يتجرّأ الغرباء دائما على التدخل في شؤون الشعب اللبناني، المنقسم على ذاته بسبب زعمائه المتكبرين، وقصيري النظر، وغير الصادقين، والمرتبطين دائما ب"الخارج" وبأوامره وماله، لا بالشعب وبواجب الترويح عن همومه وتلبية حاجاته وخدمته وصيانة حقوقه وكرامته وبناء وحدته. إن الزعماء المتكبرين قد أثبتوا ما فيه الكفاية، حتى الساعة، وبشكل لا يقبل الشكَّ والنِّقاشَ والجَدَل، أنه لا يهمّهم إلا أنفسَهم، ومصالحَهم الشخصية (التي تعني المال والقوة)، وأنه لا يهمّهم، كما تقضي روح الواجب، معرفة التاريخ، وأخذ العبر منه، ومحاولة تغيير مجراه، لخير الشعب اللبناني. وقد أثبتوا أنهم لا يفقهون ولا يعون ولا يحترمون معنى التاريخ ومعنى وقيمة الحياة البشرية، ومسؤولية قيادة الشعب والوطن. وأما الشعب المسجون في قفص تعاسته وتعصّبه القسريّ، المريض، لزعمائه، ورغم وعيه لعيوبهم وانتقاده لها، أحيانا، فإنه لا يكفّ عن اللحاق بهم، وتأييدهم بعناد وإصرار غريبَيْن، دون أن يفكر، ولو للحظات، بمحاسبتهم، مهما أخطأوا وزاغوا وجنحوا عن الصراط المستقيم.

               لو أن الشعب اللبناني، بكل فئاته ونُخَبِهِ، يتجرّأ أن يستعمل وعيه السياسيّ السليم، ووعيه الأخلاقي، ووعيه التاريخي، كما ينبغي، لأمكنه، حينئذ، أن يتخلّصَ من كل ما وَرِثَهُ من مشاكل وهموم ومآسٍ ممّن سبقوه، ولأمكنه أن يتخلّص من كل الذين يديرون شؤونه، اليوم، بطريقة سيئة، مؤذية له، ولكان جنّبَ نفسَه وأحفادَه الإرثَ التعيسَ السَيِّءَ عينَه.

مفهوم الوعي عند السياسيين

               نحن تكلمنا عن الشعب ومدى وعيه السياسيّ والأخلاقي والتاريخي. ماذا عن وعي السياسيين؟ 

               لقد ذَكَرْنا بعضًا من صفاتهم ونوعية وعيهم ومواهبهم، في سياق الكلام عن وعي الشعب. ولكننا نودّ، هنا، أن نضيفَ ما يلي:
 
               إذا كنّا نَحسَبُ السياسيّين من نخبة طوائف الشعب اللبناني الواعية، فمسؤوليتهم، كنخبة، في إدارة شؤون الشعب الذي انتخبهم، كبيرة جدا، لا بل أكبر من مسؤولية الشعب بكثير. معظم سياسيينا يتكلّمون عدّة لغات، ويتصرّفون بثقة عظيمة جدا بالنفس، وكأنهم يعرفون كل شيء، ويَقدِرون على كل شيء، ويمتلكون كلّ الوعي وكل القدرة على إيجاد الحلول لكل المشاكل. هم مثقفون وواعون وأذكياء، خبراء وملمّون بعلم النفس والسياسة والدين والإقتصاد والإجتماع والتاريخ والأخلاق وسائر العلوم، ويحاضرون فيها بكلّ طلاقة لسان. ولكن ما هي النتيجة؟ النتيجة، المحيّرة جدا، هي أننا نراهم غارقين في مستنقعات نفايات آسنة حيث تفوح روائح المشاريع-الصفقات وروح الكبرياء والأنانية والعظمة وعبادة الذات، يفذلكون كل شيء بحسب أمزجتهم وكبريائهم ومصالحهم، حتى الدستور والقوانين والصلاحيات، ويبرِّرون كل ما يفعلونه على أنه من أجل "مصلحة الشعب العليا". لا يتفقون على شيء، إلا على زيادة رواتبهم (بسبب غلاء المعيشة) وتقليل رواتب الشعب مع زيادة الضرائب عليه وتركه وحده فريسة لغلاء المعيشة، وتمديد سنين حكمهم (وتطويل عمرهم) مع تقصير عمر الشعب، وكل ذلك بإسم الشعب ومن أجل الشعب. ونرى، إزاء ذلك، أنّ المواطن اللبناني يزيد فقرا وقهرا وتوتّرا وقرفا وحزنا ويأسا، وأن الشعب اللبناني بأسره (طبعا، باستثناء رجال السياسة السعداء دائما وحلفائهم بالروح والفكر والدم والمال والأخلاق والمصير الواحد السعيد، من رؤساء طوائف ورجال مصارف ومال وتجارة وأعمال وإعلام) يزيد، كل يوم، ضياعا وتململا وتشرذما وانقساما وتعاسة. 

               ما معنى ذلك يا ترى؟ معنى ذلك، بكل بساطة وصدق، أنّ ثمار الساسة، مدّعي الوعي السياسي والإقتصادي والقانوني والعلمي والتاريخي والأخلاقي والفلسفي والأدبي، ومدّعي الفهم والذكاء والفضيلة والثقافة والرؤيا المستقبلية، والمفتخرين بحمل شهادات عليا من أرقى وأعظم الجامعات في "الداخل" وفي "الخارج"، ليست إلا ثمارا فاسدة. وبكل بساطة، ودون أية فذلكات، من ثمارهم يُعْرَفون.

               إنّ الوعيَ السياسيّ الحقيقيّ يفترضُ بالساسة (ومعهم إعلاميوهم وسائر حلفائهم) أن يكون عندهم، كونهم في مراكز قيادة، شيءٌ من الوضوح والشفافية في الرؤية والتفكير والتعبير، وشيءٌ من الصدق مع الذات ومع الآخرين. عليهم أن يحترموا أصول لغتهم ومفرداتها وتعابيرها، وأن يتفقوا، أولا، على معنى التعبير المُتداوَل بكثرة وبخفّة على ألسنتهم، وهو "المصلحة الوطنية العليا"، وأن يكفّوا عن لفظه وترداده كما يلفظون كل القوالب التعبيرية الجامدة بسهولة بالغة، وبلا صدق وبلا روح، وقد أفرغوا كل التعابير السياسية والإقتصادية والأخلاقية والأدبية من معانيها الحقيقية الجميلة. غير أنهم لا يريدون أن يعوا أغلاطهم ليصحّحوها، وأن يتعظوا بعِبَرِ التاريخ. هم، في الحقيقة، لا يملكون أي مفهوم واضح، أو أي وعي ناضج لمعنى التاريخ. يجيدون فقط الترداد الببغائي، السطحيّ،  لتعابير ك"مزبلة التاريخ"، مثلا، حين يقرّرون، في حفلات هجاء موسمية، رمي أحد أخصامهم فيها، أو القول الآخر "التاريخ لا يرحم"، أو "التاريخ يعيد نفسه"، وغيرها من التعابير السهلة، القابلة للإستهلاك السريع، العابر. وهم، فوق ذلك كله، يطمحون إلى دخول كتب التاريخ وذاكرته ومقابره من "الباب العريض"، أسوة ب"عظماء" التاريخ (ومعظم هؤلاء كانوا مصابين بجنون العظمة ومجرمي حرب). هم لا يهمّهم صنع التاريخ الجيّد من جديد (إلا بالكلام) بقدر اهتمامهم الفعليّ بصنع ثرواتهم وقلاع وجيوش الحماية وعروش العظمة
 
               إن الساسة، إلى جانب جهلهم لمفهوم التاريخ، أو فهمهم السيّء والخاطىء له، لا يريدون أن يساهموا بمساعدة الشعب على بناء وعي سليم لواقعه الإنساني والسياسي والتاريخي والأخلاقي، خوفا على سلطتهم من الزوال مع كل أمجادهم، إن حظيَ الشعب بأي نصيب من الوعي الذاتي لحقوقه وواجباته، ولحقيقة واقع السياسة والساسة، الظاهرة منها والخفيّة. وهم، بمعظمهم، مهما تشدّقوا بمبادىء السيادة والإستقلال والحرية والنزاهة والأخلاق الحميدة، يدينون بولائهم المُبَطَّن لمعابد آلهة المال والقوة والقرار في "الخارج". لا يهمّهم أن يحموا وينقذوا الشعب من جهله وفقره وتشرذمه، ليسهل عليهم أمر قيادته. ولا يهمهم حمايته من من خطر زحف تيار العولمة المخيف، الحامل معه سموم العنف والحقد والمخدِّرات والموسيقى الشيطانية والإنحلال الأخلاقي واللهو والتسلية والسكر والمجون والجنون، في دسم تكنولوجيا طاغية، تموّلها نُخب عالمية شريرة، تلمودية المنشأ والهوى، ثريّة وعنصرية وبلا رحمة، هدفها السيطرة على مقدّرات الشعوب وعقولها، وتحوير التكنولوجيا عن هدفها الأساسيّ الحضاريّ، البنّاء، الشريف، وتحويلها إلى وسائل لإفساد أخلاق الشعوب وإضعافها من أجل استعبادها. أجل، إن معظم ساستنا لا يهمّهم كل ذلك، ولا يريدون أن يعوه، ما داموا هم وعيالهم وقصورهم وخزنات أموالهم وذهبهم، وجيوشهم الخاصة وأسوار حمايتهم، بخير، وبمأمن من شرّ العوز والفقر والقلق والمرض والذلّ والتشرّد والموت. بكلّ بساطة، ما يهمّهم دائما وقبل كل شيء، هو رضى آلهة المال والسلطة المعروفة من هي، وأين تسكن، وماذا تريد، من أجل ديمومة ضخّ وتخزين الثروات والجاه والعظمة، من منابعها، على حساب الشعب المخدوع، المشلول الإرادة، العاجز عن التفكير، وعن الإعتراض على سوء أداء ساسته، وعن مقاومة فسادهم ومحاولة إصلاحهم.

               إن الساسة، ومعهم أبواق إعلامهم وحلفائهم، يجيدون التكلّم عن الأحداث السيئة بعد حدوثها، ويكثرون، ببلاغة عظيمة، من ذكر الأسباب وطرح الحلول، ويفوتهم دائما، كونهم لا يسهرون على مصلحة الوطن وأمنه، وكونهم لا يقرأون جيدا علامات الأزمنة والواقع، ولقلّة وعيهم لمسارّات التاريخ الحتميّة، أن يتحسّبوا للأحداث قبل حدوثها، ويجنِّبوا الشعب حمل تبعاتها، كما يتوجّب على كل قياديّ يدّعي الوعي والذكاء وبعدَ النظر والأخلاق والإخلاص، أن يفعل. ليت الساسة المبتلين بالمعاصي، الرافضين لخدمة الشعب وتوحيده، وتوعيته، وللكفّ عن سرقة ماله وأمنه وسعادته، وعن خيانته، والرافضين للإعتذار منه، أجل، ليتهم يفحصون ضميرهم، ويعلنون توبتهم، ويصلحون أنفسهم، أمام الله والشعب، او ليتهم يمتلكون الشجاعة الكافية ليعلنوا فشلهم، وليختبئوا ويستتروا في بيوتهم بعيدا عن أنظار الشعب.

محاكمة الساسة الفاسدين أمام القضاء
 
               لا نريد أن نرى الساسة ينتحرون كما يفعل بعض ساسة العالم حين يفشلون في خدمة شعوبهم، وحين يُضبطون بالجرم المشهود في حال أساؤا الأمانة واستغلوا مراكزهم وسلطتهم من أجل المال. ولا نتمنّى أن نراهم وراء قضبان السجن، خاصة في هذه الأيام ونحن نرى، لأول مرة في تاريخ لبنان منذ الإستقلال حتى اليوم، أن بعض الساسة في الحكم قد أثاروا، بجدّية بالغة، موضوع الفساد وهدر مال الشعب وسرقته، ووجوب رفع الحصانة عن الساسة الذين تحوم حولهم تُهَمُ الفساد، ووجوب مثولهم أمام القضاء. وأما القضاء، فيبدو أن ثمّة نية لتحريره من سطوة الساسة، وإعادة الهيبة المفقودة له. وقد تمّ إنشاء لجنة سياسية في المجلس النيابي (تمثل زعماء السياسة) لتطمين الشعب بأنه سيتم درس "ملفات" الفساد ومحاكمة الفاسدين وزجّهم في السجن، وإسترداد مال الشعب المهدور والمسروق، في جنات نعيم الدولة.
               رغم كل ذلك، فإن الشعب الواعي لا يثق بساسته. إن الصورة المرتسمة والراسخة في ذهن المواطنين للدولة، منذ ستينات القرن الماضي حتى اليوم، هي صورة  "أكلة الجبنة"، و"مغارة علي بابا والأربعين حرامي" المسحورة والساحرة، وصورة "مزرعة الأبقار الحلوب"، حيث لا وجود إلا لملائكة السياسة، وأيضا، لشبح دائم الإقامة، يشعر الجميع بوجوده، غير أنه لا يُرى ولا يُلْمَسُ، إسمه "فساد". هذه الصورة لا يبدو أنها ستتغيّر بين لحظة وأخرى، بسبب الحماس الذي يبديه بعض الساسة (مهما كانوا صادقين) في إعلانهم الحرب ضدّ الفساد.

                إن الشعب الواعي يعرف ويؤمن بأن ثمّة، في لبنان، نخبة، ولو قليلة، من الأشخاص الواعين والشرفاء والصادقين والأحرار (في عالم القضاء والفكر والروح وحتى السياسة والمال)، ولكنْ لا حظّ لهم بالبروز والنجاح في مجتمع ماديّ، وراثيّ، طائفيّ، لا يُعيرُ أشياء الفكر والروح والأخلاق والكفاءة أي اهتمام، يعيشون في الخفية والصمت، وهم مجهولون، أو بالأحرى مُهمَلون من الشعب ومن بعض نخبه الفكرية والتربوية، المبعثَرَة في الجامعات والإعلام، ومن نخبه الحاكمة المفروضة عليه فرضًا في غفلة من الزمن قد طال أمدُها. إن هذه النّخبة الجيّدة المجهولة، المُهمَلَة، هي، بانتظار من يتواضع ويبحث عنها ويكتشفها، المؤهَّلة الحقيقية لكي تتحمّل المسؤولية، مسؤولية قيادة الشعب بشكل أفضل وأصدق وأفعل، مع النخبة الجيدة، الضئيلة جدا في الحكم، والعاجزة، وحدَها، عن محاربة ومقاومة ووقف الفساد وتكبيل أيدي الفاسدين، دون دعم من الشعب الواعي لها.

               ولكنّ الشعب الواعي يعرف، أيضا، أن الساسة الفاسدين سرعان ما يَحْتَمون، بكل ثقة، برؤساء وأبناء طوائفهم، مهما صَدَقَ وعلا صراخ الدعاة إلى الإصلاح ومحاسبة ومحاكمة الفاسدين، واسترداد مال الشعب المسروق. والشعب الواعي يعرف أيضا أنّ إمكانية إختيار "كبش محرقة" أو أكثر، كضحيّة، لحماية الفاسدين "الكبار" في كل طائفة، أمر وارد ومحتمل. ويعرف، أيضا، أن إمكانية الإتفاق بين زعماء الطوائف على نسيان موضوع الفساد في الماضي على أساس "عفا الله عمّا مضى"، والإكتفاء بالبدء بمنع حصول الفساد من الآن فصاعدا، أمرٌ واردٌ ومُحتَمَلٌ. مهما يكن من أمر، إن غدًا لناظره قريب. والشعب الواعي، في كل الأحوال، لا يعيش على الأوهام، ولا ينتظر نزول المعجزات عليه، لا من ساسته ولا من السماء.

أملُ الشعب بفَرَجٍ شبه مستحيل

               ثمة أمل بتغيير رأينا بمعظم الساسة الحاكمين، (ورأيُنا هو أنهم لا يملكون أية ذرّة من الوعي السياسي والتاريخي والأخلاقي)، في حالة واحدة فقط لا غير:

               نحنُ، أبناءَ الشعب الواعين، لا نريدهم أن يحلّوا كل المشاكل، اليوم، دفعة واحدة وبسحر ساحر، من القضاء على الفساد والهدر في الدولة ومحاسبة الفاسدين واسترجاع مال الشعب المسروق، إلى غلاء المعيشة، إلى خلق فرص عمل للشباب وضمان الشيخوخة، إلى مكافحة تفشي النفايات والأمراض وتلوّث الغذاء والماء والدواء، إلى تشويه بيئة لبنان، إلى دعم المقاومة واحترام شهدائها وجرحاها، والكفّ عن التشكيك بها من قبل فريق من الساسة المرتَهَنين لخارج قد أثبتت التجارب أنه لا يضمر الخير للشعب اللبناني، إلى تسليح الجيش (دون كذب ومواربة وتردّد كالمعتاد، تسليحا جيدا كاملا من مال فقراء الشعب اللبناني وأثريائه على حدّ سواء، لا من مدّ يدِ الإستعطاء والذلّ للخارج)، إلى القضاء على الإرهابيين وعلى الجريمة، إلى حلّ مسألة الدَّيْن العام المتفاقمة، والكفّ عن اتباع سياسة الإستدانة الكارثية وسياسة فرض الضرائب الظالمة على الشعب الفقير، إلى استنباط نظام حكم عادل جديد، يعيد تكوين السلطة، إلى آخر سلسلة المطالب الكثيرة، الملحّة.

               أجل، نحن، أبناءَ الشعب اللبناني الواعين لحقوقنا وواجباتنا، نطلب من الساسة، اليوم، أن يحققوا إنجازا واحدا عظيما جدا، إذا تسنى لهم أن ينجزوه، يتسنى للشعب اللبناني، حينئذ، أن ينعم بحياة سعيدة، لأن هذا الإنجاز العظيم يتيح لكل مشاكل لبنان أن تجد الحلول لها وبأسرع وقت، ألا وهو أن يجلسوا، وحدهم (والشعب اللبناني، فقط، حاضر معهم، دون أي حضور لأشباح الخارح الشريرة)، معا (في وحدة القلوب والعقول)، بكل تواضع وعفوية وبساطة ونقاوة قلب، حول طاولة غير فخمة، وبثياب غير فخمة، ويبدأوا بالحوار والتفاهم على كل أولويّات الشعب اللبناني التي لا يجهلونها أبدا، لا على أولوياتهم هم، وأولويات الخارج، التي يعرفها الشعب اللبناني جيدا.

               ونطلب منهم الكفّ عن افتعال الخلافات السخيفة والفذلكات التافهة، العقيمة، حول تفسيراتهم المزاجية للقوانين والدستور والصلاحيات، وحول كل المفردات السياسية والإقتصادية والأخلاقية. ونطلب منهم الكفّ عن التفنُّن في ممارسة أساليب التذاكي والكيدية والنكاية مع بعضهم البعض، والتسبّب بخلق أجواء تُوَتِّرُ الشعبَ وتقلقه، ولا تساهم بتوحيده بل بتفرقته. ونطلب منهم أن ينسوا التباهي والإفتخار والتبجّح بأحجامهم وأوزانهم الشعبية الوهمية (كما فعلوا بعد انتخابات غير عادلة، وقبل تأليف الحكومة) التي لا تطعم الشعب خبزا، ولا تخلق له عملا، ولا تحفظ له كرامة، وأن يتفقوا في حكومة "إلى العمل" على البدء جدّيا بالعمل، معا، على توحيد طوائف الشعب اللبناني لا خلق التفرقة بين أبنائها، والعمل، معا (كحكومة عمل واحدة، منسجمة، لا كعدّة حكومات مستقلّة، متنافرة)، بصمت، وبتواضع، ودون حفلات تهريج وهجاء وتحدّيات متبادلة كلما تعكّر مزاج أحدهم ونَفَخَتْهُ، فجأة، روحُ المصلحة الشخصية (مال وقوة) وروح العظمة، ودون الإستئثار بالسلطة والقرار. فلتكن حكومة كل الشعب اللبناني، لا بعضه، حكومة تحكم بقوة العدل والنظام والقانون، ولا تتأثر بسياسة الوصاية والإملاءات والتهديدات والإغراءات والخداع المستمرّة، الوقحة، لدول الخارج، خاصة هذه الأيام، حول مسألة عودة النازحين و/أو التوطين، والمساعدات المالية المشروطة، الخبيثة، وتسليح الجيش، والمقاومة، واستخراج الغاز والنفط، والسياسة الخارجية.

               هذه هي مشيئة الشعب اللبناني بأسره، ذلك الشعب العاضّ على جرحه النازف على الدوام، والصابر على الضّيم، والذي يدّعي ساسته حبّه والإستماتة في سبيل خدمته. فهل لدى الساسة الشجاعة المعنوية الكافية، والوعي الكافي لاحترام وتنفيذ مشيئة الشعب؟ إن فعلوا، فلعلّهم، ساعتئذ، يبدأون بالتفكير جدِّيا بالكفّ عن حبّ أنفسهم حبًّا مريضًا، وعن ارتكاب الحماقة عينها، والخطيئة عينها، إلى الأبد، أي خلق الخلافات فيما بينهم، ونقلها إلى أبناء الشعب، والإلتفات الدائم، المهووس بالمال وعبادة أصنامه، إلى إيماءات وإيحاءات وهمسات "الخارج" الخبيثة، وادّعاء عكس ذلك. 

               فليصغِ، اليوم، الساسة (ومعهم الإعلاميون وكل النخب "المُسَيَّسَة" من كل الأنواع والمستويات)، ولو مرّة واحدة، إلى صوت الضمير الحيّ، وإلى صوت الشعب، وإلى صوت الله. لا، لن نغيّر رأينا فيهم، نحن أبناء الشعب الواعين، إلا إذا فعلوا ذلك، أي حققوا معجزة احترام بعضهم البعض ومعجزة التواضع والتفاهم من أجل وحدة الشعب اللبناني وكرامته وازدهاره وسعادته. ونحن، أبناء الشعب الذين لُدِغنا من جحر الساسة آلاف المرات، بتنا واثقين جدا بأنهم لن يفعلوا، لا في المدى القريب، ولا في المدى البعيد.

الثورة الآتية

               إننا، ولكي لا يقتلنا القرف واليأس، نحاول أن  نتخيّل ونرى ونسمع، وراء غيوم الباطل الدكناء في الأفق البعيد، ووراء جعجعات طواحين الإصلاح ومحاربة الفساد ولا طحين حتى الآن، بزوغ فجر ثورة شعبية عارمة.
 
               إنّ ما نراه هو ثورة وعي سياسيّ وتاريخيّ وأخلاقيّ وروحيّ، من أجل التخلّصِ من كل الساسة المتكبرين، الفاسدين، الذين يرفضون، بعناد، أن يعوا ويفيقوا من سكرة أنانياتهم ونشوة عبادة الأصنام، أصنام ذواتهم وعظمتهم وآلهة المال، وأن يصغوا، ولو مرة واحدة في تاريخ الشعب التعيس وفي تاريخهم السعيد، إلى صوت الشعب وصوته فقط، وأن يُقلِعوا عن عادتهم السيئة (نهمس، هنا، في آذانهم، كي لا يسمعنا أحد: إسمها "الخيانة العظمى")، تلك العادة المُذِلَّة للشعب وحده، في دقّ أبواب حكومات الخارج، والتَزَلُّفِ والتزَلُّمِ لها، والزحف على بطونهم لاستجداء "هدايا" و"مكرمات" و"مكافآت" و"هبات" و"مساعدات"، و"قروض"، فقط من أجل ازدهارهم الشخصيّ الدائم، والظاهر ظهورا وقحا، فاقعا، فاضحا، للعيان (قصور، قلاع، أملاك، يخوت، طائرات، سيارات مصفحة، استثمارات، جيوش خاصة...)، لا كما يدّعون، من اجل شعب الوطن الذي يتبجّحون بأوزانهم وأحجامهم الممنوحة لهم من أصوات أقل من نصف هذا الشعب في صندوق الإقتراع، وهو لا يزداد إلّا ذبولا يوما بعد يوم، بسبب الفقر والمرض والقرف.

               إنّ ما نراه هو ثورة الوعي ضدّ من يرفضون، بعناد، أن يتنحّوا جانبا، وأن يتخلّوا عن مراكزهم لمن هم أفضل منهم، وتظلّ دائما تتفتّق عبقريتهم عن اختراع أسباب غريبة عجيبة للبقاء حيث هم، ولتمديد حكمهم وزيادة رواتبهم، وعن ابتكار قانون إنتخابي معقّد،هجين، مفصًّل على قياسهم وحدهم، يقيّد حرية الناخب ويحدّ من قدرته على الإختيار، وكأنها لعبة ذكية، خبيثة، قد جَمَعَتْ الساسة القدامى وحديثي النعمة ضدّ الشعب، لتنفير وتيئيس أبنائه الأحرار الواعين، من أجل المحافظة على عروش عظمتهم الطائفية، وعبادة أتباعهم لهم. وقد أفرز هذا القانون مجلسا نيابيا طائفيا وحكومة طائفية بإمتياز، وتسويات خبيثة وتحالفات هجينة مؤقتة، وتيارات سياسية متناقضة، متنافرة، لا انسجام بينها، ووحدة مصالح هشّة بين زعماء الطوائف، لا وحدة وطنية حقيقية بين أبناء الطوائف الذين ما زال يسكنهم القرف من الماضي والحاضر، والقلق المتزايد على المصير، والخوف من المجهول، ووسواس الهجرة أو الموت الفجائي، المبكر.
 
               إنّ ما نراه هو ثورة الوعي ضدّ من يرفضون، بعناد، أن يعوا ويغيّروا ما بأنفسهم من روح عظمة وكبرياء وجهل وغرور وأنانية وطمع وكيديّة ونكاية وفساد، وأن يحترموا الشعب، وأن يتذكروا ويعوا ويقتنعوا بأنه مؤلَّف من مجموعة بشر، كلّ فرد فيها هو، بحدّ ذاته، قيمة إنسانية فكرية وأخلاقية وروحية، لا سلعة تجارية للبيع والشراء والمقايضة، وأن يخدموه بتواضع ومحبة كما يستحقّ وكما ينتظر منهم أن يفعلوا، وكما يفرض عليهم الواجب، وأن يَصْدُقوا مع أنفسهم ومع الشعب.

               أجل، إننا، ولكي لا يقتلنا القرف واليأس، نحاول أن نتخيّل ونرى ونسمع، وراء غيوم الباطل الدكناء في الأفق البعيد، ووراء جعجعات طواحين الإصلاح ومحاربة الفساد ولا طحين حتى الآن، بزوغ فجر ثورة شعبية عارمة.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه