مقدِّمة: تحديد لمعنى الرسالة

               إن الرسالة هي، بوجه عام، دعوة خاصة تنبع من أعماق قلب الإنسان (أو ضميره)، تدعوه، بإلحاح، أن يلعب دورا مفيدا ومهمّا في المجتمع الإنسانيّ. إنها، بحسب هذا التحديد، تشمل كل حقول الحياة الإنسانية: التربية، الدين، الفكر، السياسة، العلوم، الطبّ، الفنّ، البناء، إلخ... إن أيَّ عمل يمارسه الإنسان (ولو لم يكن مجّانا) بروح الضمير الحيّ والخير والمحبة من أجل خدمة الإنسانية، يُعتَبَرُ رسالة. وأيُّ عملٍ يمارَسُ بغير هذه الروحية سوف يؤدّي، حتما، إلى أذى الإنسانية، ويُعتبَرُ شرا ورذيلة في نظر العقل السليم ومبادىء الأخلاق السليمة. بهذا المعنى، الحدّاد، مثلا، والمزارع والنجّار والبنّاء والمهندس والطبيب والمعلم والجندي والسياسي، يمكنهم أن يكونوا، دون أية مبالغة، حاملي رسالة، حين يمارسون عملهم بروح الواجب والإتقان والمحبة، دون أيّ إستغلال أو غشّ أو أذى للناس.

               الرسالة الحقيقية، غير الناقصة، هي وحدة لا تتجزّأ بين التفكير والقول والعمل، لتحقّق ذاتها وتصل إلى كمالها. إن للرسالة غاية واحدة، ألا وهي إحترام وخدمة الإنسان، نواة المجتمع الإنساني، ككيان جسديّ وروحيّ، في سبيل إحياء هذا الكيان والمحافظة عليه وحمايته وهدايته وإسعاده. الرسالة، بتعبير آخر، هي الخروج من شرنقة الذات الأنانية، لملاقاة الآخرين ومشاركتهم همومهم وتقديم العون لهم. إنها افتاح ومحبة وتضحية.

رسالة الشعب اللبناني

               إن الكلام عن رسالة شعب (الشعب اللبناني) بكامله، يبدو مُسْتَهْجنا جدا، خاصة في عالم يمارس قادته المصابون بجنون العظمة، الأقوياء بالمال والرجال والسلاح والأطماع المريضة، مهنةَ التجارة بحياة شعوبهم كسلعة تُشرى وتُباع أو تُرمى في سلّة المهملات، ومهنة شنّ الحروب العسكرية والإقتصادية على الدول المقاومة لطموحاتهم الهادفة إلى السيطرة على الكرة الأرضية، من أجل إضعافها وإخضاعها وشلّ إرادتها وقدرتها في تقرير مصيرها، وسرقة ما تحويه أرض هذه الدول من نفط وغاز وذهب ومعادن وآثار ومتاحف، كما شاهدنا منذ بداية مسلسل الرعب والإرهاب والمآسي، حامل عنوان "الربيع العربي"، وما زلنا نشاهد، حتى اللحظة الحاضرة، تكملة المسلسل هذا، في اليمن والعراق وسوريا.

               يَذكرُ، أحيانا، بعض المسؤولين اللبنانيّين (من رجال دين ودنيا وسياسة وإعلام)، ودون حماس وإيمان، أنّ للبنان رسالة عليه أن يؤدّيها (في عالم متوحِّش). هل هذا صحيح؟ هل لبنان مدعوٌّ ومؤهَّلٌ ليكون وطن رسالة؟ ما هي هذه الرسالة؟ هل جميع اللبنانيين على علم بها؟ هل هم موافقون عليها؟ لماذا لا نسمع بها إلا فيما ندر، وسرعان ما ينطفىء ذكرها؟ 
           
               إن اختيار شعب لبنان (من بعض نخبه السياسية والروحية في القرن الماضي) ليكون له رسالة خاصة وسط نيران الأحقاد والحروب المشتعلة دائما، لا تعني أنه الشعب المختار، وحده، من الله (كما يدّعي قادة الشعب اليهودي، بحسب مفهومهم الخاص والخاطىء لتوراتهم، وكما أقنعوا شعبهم، بأن الله قد اختار هذا الشعب المتفوّق بعِرقه وبذكائه ليسود على سائر الشعوب). إن رسالة الشعب اللبناني ليست للسيطرة على الشعوب واحتقارها. إن رسالته المؤهَّل لها وغير المكتملة بعد، هي رسالة سلام ومحبّة لكل الشعوب.

               الرسالة، بمفهومها التقليدي، المتعارف عليه، تتعلّق بأفراد أو بجمعيات (لا بوطن بكامله) نذروا أنفسهم لخدمة المجتمع بفقرائه ومرضاه وأيتامه وعجزته. إن الشعب اللبناني، بفضل التنوّع الغنيّ في تراثه الحضاري والروحي والفكري والفنّي، مؤهّل أن يكون له، إن أراد وجاهد، رسالة خاصة في عالم مضطرب، غارق في عبادة المادة والقوة، وهي، كما أشرنا منذ قليل، رسالة محبة وسلام، مهما بَدَتْ هذه الرسالة عقيمة، عبثية، صعبة، أو حتى مستحيلة التحقيق، وزعماء الشعب اللبناني منقسمون دائما على أنفسهم، مختلفون على تقاسم "جبنة" الحكم الطائفي، ويجرّون معهم، في خلافاتهم، أتباعَهم من كل طائفة. ألا يبدو الأمر محيّرا، إذًا، أمر الحديث عن رسالة المحبة والسلام للشعب اللبناني، في وطن زعماؤه وشعبه في حال انقسام وتنافر دائمَيْن، لا في حال سلام ومحبة؟

               إن رسالة لبنان، كما يشتهيها المثاليون الحالمون بغد أفضل، هي أن يكون مثالا يُحتَذى في "العيش" المشترك، أو بالأحرى، في الحياة المشتركة وحياة المحبّة بين جميع أبناء طوائفه. إن هذه الحياة المشتركة موجودة بالفعل في عدة مجتمعات حول العالم، بشكل دائم، وبنسبة أكبر بكثير ممّا هي موجودة في لبنان. إنها مجتمعات يجمعها حبّ الوطن والقانون والنظام، واحترام الآخر، والمصلحة المشتركة. فلماذا لا تكون هذه البلدان هي أيضا نموذجا يُحتذى؟ ولماذا لا يَحتذي لبنان نفسه هذا النموذج؟ لماذا التشديد والتركيز على لبنان بالذات، كي يكون وطن الرسالة، لا وطنا كسائر الأوطان، أوطان حققت مستوًى راقيا من العيش بسلام بحماية النظام والقانون، دون أن تحدّد نفسها كأوطان رسالة؟

لبنان مشروع رسالة

               لبنان، في الواقع، ليس وطن الرسالة بعد، ولن يكون، في وقت قريب. لبنان ينبغي أن يصبح وطن الرسالة. هو مؤهَّل لأن يلعب هذا الدور. هو بالأحرى مشروع رسالة قيد الدرس والتنفيذ البطيئَيْن.

               لقد اختار بعض السياسيّين للبنان هذا الدور في القرن الماضي، كما اختاره له البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، كوطن أقليات معذّبة ومضطَّهَدة في هذا الشرق، منذ مئات السنين، جرّاء غزوات واحتلالات متلاحقة لأكثريات اثنيّة مستقوية، مهيمِنة، وكوطن صغير جدا بمساحة أرضه وعدد سكانه، وكوطن ضعيف جدا لكثرة طوائفه ولولاءاتها المختلفة لدول الخارج المتصارعة، وتناحرها الدائم فيما بينها، واستحالة وحدتها، وكوطن لا يستطيع أن يقاوم أطماع الدول الكبرى، ولا أن يتحمل الفتن والحروب الأهلية التي زرعتها هذه الدول، ووقع في فخها مرارا. فكرة الوطن-الرسالة، الوطن-القيمة الإنسانية (الفكرية والروحية والأخلاقية) فكرة رائعة لتخليص لبنان (إن أمكن) من شرور الغزو العسكريّ والسياسيّ والماليّ له، ومن شرور الفتن التي كادت، أكثر من مرة، أن تزيله من الوجود، ولإعطائه طابَعًا مُوَحَّدًا، مسالما، محايدا، لا يُقحَمُ بالقوة والتهديد أو بالوعد والوعيد، ولا يُقحِمُ نفسه، في صراعات الآخرين الدامية على أرضه وخارجها (كما حصل منذ الإستقلال حتى اليوم)، دون أن يعزل نفسه عن العالم، وعن محيطه العربيّ الطبيعيّ، بنوع خاص.

               هكذا، حين يُترَك لبنان وشأنه (هل يُترَك؟)، يتمكن شعبه من لعب دوره ورسالته كشعب موحَّد بكل طوائفه، محايد، معتدل، مسالم، صديق للجميع، ومحبّ للجميع، ومتفاعل تفاعلا حضاريا وثقافيا واقتصاديا مع الجميع، لا يخيف أحدا ولا يخاف من أحد. كان بعض زعماء لبنان، بعد الإستقلال، يسمّونه، في رؤيتهم الخاصة المستقبلية له، ب"سويسرا الشرق"، ويحاولون أن يحققوا هذا الحلم، ولكن مع إبقاء لبنان وطنا "ضعيفا" بجيشه، لا يهدّد أمن أحد خاصة الدولة العنصرية المشاغبة إسرائيل التي زرعها الغرب والشرق بالقوة بعد الحرب العالمية الثانية، في فلسطين، سنة 1948. بقي هذا الحلم مجرّد حلم حتى اليوم. ما حصل هو أن أرض لبنان أصبحت مسرحا دائما لحروب الآخرين من كيان العدوّ العنصري "إسرائيل"، وحكومات غربية وعربية عدوانية توسعيّة، تنفّذ مشروع القوة التلمودية الخفية في خلق "شرق أوسط جديد" و"نظام عالميّ جديد" و"حكومة عالمية واحدة" (الأمم المتحدة نسخة أوّلية عنها)، وفي سحق كل مقاومة لمشروعها. وقد تحوَّلَ الشعب اللبنانيّ، بسبب ضعف وطمع وكبرياء وغباوة وخلافات زعمائه الدائمة فيما بينهم على تقاسم "خيرات" الحكم، واحتقارهم لبعضهم البعض بالكلام النابي، المهين، وبإتخاذ مواقف التحدّي المتبادل، أجل، تحوّل الشعب اللبناني إلى وقود جاهزة، دائمة، سريعة الإشتعال، لحروب زعمائه وحروب الآخرين.

               إن حياة "الشراكة" تعني أكثر من مجرد واقع باردٍ من "تعايش" أو "تجاور" أنانيات بين أبناء الوطن الواحد، واقع مبنيّ على خليط من المصلحة الفردية والطائفية لا من المصلحة الوطنية الصِّرف، وعلى تنازع للبقاء، قاسٍ، عنيفٍ، معظمَ الأحيان. إنها حياة، في لبنان، نريدها أن تعني، بالإضافة إلى معنى التعايش والتنافس الأنانيّ الطبيعي جدا على خيرات أرض الوطن، شراكةً إنسانية روحية أخلاقية، ومحبة وتسامحا وسلاما في التعامل اليوميّ العاديّ والسياسيّ، بين أبناء الوطن الواحد. لبنان، بكل طوائفه، يصبح عائلة واحدة. طوائف لبنان تصبح عائلات لبنان الروحية. الشراكة المُحِبّة هي شراكة المصلحة والعقل والعاطفة، في آن معا، بين أبناء العائلة الواحدة. هي شراكة بين أشخاص، وكل شخص هو "قيمة" روحية وأخلاقية بحدّ ذاته، لا مجرّد رقم مُضافٍ إلى أرقام.

أسباب فشل مشروع لبنان الرسالة

               ولكنّ هذه الفكرة الجميلة الرائعة التي تشبه الحلم، فكرة لبنان-الرسالة، لم يتفق عليها يوما كل رؤساء وزعماء طوائف لبنان، وكل أحزابه الطائفية، ولم يحاولوا أن ينشروها بين أفراد الشعب اللبنانيّ. إن لدى زعماء الطوائف أهدافا أخرى أهمّ من التبشير برسالة لبنان، وهي الحفاظ على زعامتهم لهم ولذرّيتهم من بعدهم، إلى أبد الآبدين، وزيادة ثرواتهم وأملاكهم وأمجادهم وقوتهم العدديّة والعسكرية. لدى الأحزاب العلمانية مشاريع أخرى، قومية وعلمانية، بعيدة الرؤيا، عقلانية، ولكنها صعبة التحقيق في عالم تتحكم فيه بعقول الناس وقلوبهم عصبيّات الديانات والمذاهب والطوائف والعائلات والقبائل. لذلك لم تنجح فكرة لبنان-الرسالة في لبنان. قليلون حاولوا، عبثا، تسويقها. وظلّ زعماء الطوائف يلعبون لعبتهم السياسية، كالمعتاد، مع الخارج، يأخذون ماله ويعطونه ما يريد في الداخل، من خلال اللعب على أوتار التناقضات الطائفية والسياسية والحضارية والثقافية بين اللبنانيين، وإبقاء الوضع متوترا وقابلا للإنفجار. لم يجاهد زعماء الطوائف هؤلاء أبدا في سبيل توحيد الشعب اللبناني، أولا، وثمّ في سبيل طرح موضوع لبنان-الرسالة في مقرّ "الأمم المتحدة"، مثلا (رغم تحيّزها للدول الكبرى وخضوعها لإملاءاتها)، ومحاولة إفهام وإقناع دول الغرب والشرق القوية المستبدة، بدور لبنان الإنساني والروحيّ، وطلب قبولها برسالته، ودعمها له لتحقيق هذه الرسالة، والكفّ عن زرع بذور الفتنة والفرقة والخلافات والشرّ بين عائلاته الروحية، والكفّ عن شلّ مؤسّساته الدستورية والعسكرية وحياته الإقتصادية وازدهاره، وعن إلهائه عن تحقيق ذاته الوطنية السامية، وعن منعه من العيش بأمان وسلام وكرامة. كلّ جهدهم كان وما زال ينصبّ في مجال طلب رضى ومال ودعم مشاريع ومخطّطات حكومات الخارج الخبيثة على حساب الوطن، ولو تسبّبوا في إضعاف وإتعاس وإذلال وإفقار الشعب اللبناني.

               إذًا، ثمّة أسباب "وجيهة" لعدم نجاح فكرة لبنان-الرسالة. إنها مؤامرة مستمرّة على الشعب اللبنانيّ بين "أحصنة طروادة" أي وجهاء وزعماء الداخل، وأسيادهم في الخارج، لا مجرّد تقصير مؤقت، وغير مقصود، في الأداء السياسيّ، من قبل زعماء الطوائف، الذين لا يريدون للبنان أن يلعب دوره الحضاري الإنسانيّ المُمَيَّز. لبنان-الرسالة (أو لبنان العلماني) هو ضدّ مصالحهم الشخصية، وضدّ مبادئهم السياسية الفاسدة، المبنية على التبادل السياسيّ-التجاريّ بعقلية الربح والخسارة والتسوية والمقايضة، وارتكاب كل ما يُسَمّى بالرذائل، في عمليات "خيانة عظمى" دائمة، لمبادىء الأخلاق والروح، وللبنان، وطن الرسالة.

تحديد لمفهوم الفضيلة والرذيلة

               نودُّ أن نوضّح، هنا، معنى ومفهوم الرذيلة والفضيلة في لبنان. إن معنى ومفهوم المفردتَين قد التبسا على الكثيرين بشكل دائم. ثمّة من يمارسون الرذائل من رجال السياسة، وكأنها فضائل يُفتَخَرُ بها. وهم، في الوقت عينه، يتكلمون بثقة تامة، وببلاغة فائقة، عن الفضائل الحقيقية، ولكن دون أن يمارسوها. في لبنان، أصبح عدد الذين يمارسون الفضائل قليلا جدا، وهم مُتَّهَمون بالغباء، لأنهم لا يعملون من أجل تأمين مصلحتهم الخاصة، في هذا العالم الذي لا يعرف ولا يفهم إلا لغة الأنانية. أصحاب الفضائل وممارسوها بأمانة يُعتَبَرون أغبياء بنظر أبناء الدهر ال"أذكياء" من أبناء الشعب، والإعلاميين، ورجال الأعمال والمال والسياسة، الذين يعرفون جيدا "من أين تُؤكَلُ الكتفَ"، وهم لا يشبعون أكلا واجترارا ولهطا وزلعا وبلعا وسمنة.

               ماذا نعني بالرذائل، وماذا نعني بالفضائل، وأين موقع ومصير لبنان، وطن الرسالة، منهما؟

               إنهما كلمتان قد اصتبغتا، جَرّاءَ إستعمالهما على لسان بعض رجال الدين الأتقياء، الصادقين، القلائل، بصبغة دينية صرفة. وأصبحت رسالتهم محصورة بعملهم واهتمامهم وتأثيرهم، فقط، في مجال تهيئة الإنسان ومساعدته في حياته على الأرض ليستحق مكافأة النعيم في العالم الآخر، وكأنْ لا علاقة لمفردات السياسة ولأخلاق السياسيّين بهم، رغم أن لرجال الدين رسالة إرشادية تربوية أخلاقية إجتماعية (لا سياسية)، لمساعدة أبناء الطوائف ووزعماءها في ممارسة رسالة العمل، معا، من أجل الخير العام للمجتمع الواحد.

مفهوم الرذيلة

                 الرذيلة، بالنسبة لعلم مبادىء الأخلاق الصحيحة والقويمة والسليمة، وبالنسبة لأصحاب الأخلاق السامية الذين يمارسون، بصدق، هذه المبادىء، هي كل الصفات السيّئة البشعة الشريرة التي يَرذُلُها، أي يمجّها، ويرفضها، ويلفظها علم الأخلاق هذا. عبادة المال مثلا، هي رذيلة، وأيضا، الكبرياء والأنانية وحبّ المجد والعظمة، وقساوة القلب، والشراهة، والطمع، والكذب، والخداع، وشهادة الزور، والسرقة، والتجديف، والخيانة. أيّ نوع من أنواع الإستغلال والأذى والقتل للجسد والروح، يُحسَبُ من الرذائل.

               إنّ معظم زعماء الطوائف في لبنان وحلفائهم وأقربائهم بالروح وعبادة المال، القدامى والجُدُد، يمارِسون كل هذه الرذائل وهم في وعيهم الكامل، وعن سابق تصميم وتصوّر. يبدو وكأن الأمر لا يهمّهم ولا يعنيهم. هم يخدعون أنفسهم قبل خداعهم للشعب. ولكنهم سعداء، أقوياء، مرتاحو الضمير، لا يشعرون بأيّ حَرَجٍ وأي ذنب، ولا أحد يجرؤ على فضحهم ومحاسبتهم، لا الشعب العابد لزعمائه، ولا الإعلام المسيَّس بمعظمه، ولا القضاء المُسيَّس، ولا الحكومة، ولا مجلس النواب. وهل يحاسبون أنفسهم وبعضهم البعض؟ في لبنان شائع جدا هذا القول الطريف على لسان الناس والإعلام: "حاميها حراميها". وكأنّ الدعوة الموجهة إلى كل مؤمن، وهي "الأمرُ بالمعروف والنّهيُ عن المُنْكَر"، قد تحوّلت، في العقلية السائدة في مجتمعنا، ومن خلال الممارسات اليومية لمعظم أبناء الشعب والساسة على حدّ سواء، إلى تقليد مقبول وواقع قوي، مستحكم، تحت عنوان "الأمر بالمُنْكَر والنّهي عن المعروف".

               كما في لبنان، كذلك في العالم أجمع. إن حكام الشعوب بواسطة المال والسلطة السياسية والعسكرية، يمارسون الرذائل عينَها دون أي خوف من أحد. في ظنّهم أنهم يفعلون عين الصواب. وحالة العالم التعيسة، المأساوية، المُبكِية، اليوم، هي نتيجة لهذه الممارسات الخاطئة، المؤذية، الشريرة، وهذا شيء طبيعيّ جدا بالنسبة لمحبّي المال والسلطة والسيطرة والعظمة والحروب والتدمير وإراقة الدماء، ولا يزعجهم أبدا. وقد أمسى هؤلاء "الآلهة" يشكِّلون حزبا كبيرا متسلّطا في كلّ الكرة الأرضية، يزداد عديده، وتزداد ثرواته وسطوته وشروره، يوما بعد يوم. إن طريق الرذيلة يؤدّي، لا محالة، إلى الهلاك الشخصيّ، وهلاك الشعوب، ولكن السير فيه مرغوب من كثيرين، خاصة القادة، وهو مُسكِر لكبريائهم، ومرذول فقط من القلائل الذين يفضّلون السير على طريق الفضائل المتواضع، المسالم، الصامت، الصعب، المقفر، الموحش.

مفهوم الفضيلة

               الفضيلة تجمع كل الصفات الحسنة التي تركها معظم أهل الدنيا والسياسة والمال، وكأنها لا تعنيهم، للمتواضعين والمساكين بالروح والودعاء وفاعلي السلامة وأنقياء القلوب والرحماء والمضطهدين من أجل البِرّ، ولكل من ترك أمجاد العالم الباطلة وأراد أن يُجهِدَ نفسه، في سبيل تحقيق القداسة والكمال وخدمة الآخرين. الفضيلة تعني: حبّ الله لا المال، وحبّ الفقير واليتيم والمريض والمُسِنّ ومساعدتهم، وحبّ المظلوم ونصرته، وحبّ الحق، والسلام، ومعاملة الأخرين بروح الرحمة والخدمة والفرح، والصدق في القول والعمل، والأمانة، والشجاعة، والإخلاص، والوفاء، والإعتدال، والقناعة، والتواضع. 

               إنها مجموعة فضائل غير مستحبة أبدا لمن يمارس الرذائل في لبنان، وفي أي مكان آخر. إنها فضائل تستحقّ عناء الجهاد الروحي لتحقيقها. هي لا تضرّ ولا تؤذي أحدا. إن ممارستها تعني خلق نعيم للآخرين، لا خلق جحيم لهم كما تفعل ممارسة الرذائل. هي الدرب المؤدي إلى الكمال الروحي الذي لا يسير فيه حتى النهاية إلا الأتقياء والأنقياء والأقوياء. إن السير في هذا الطريق، لا بدّ أن يؤتي، في نهاية المطاف، ثمارا جيدة، وفيرة، حين يحين أوان القطاف، هي ثمار الإزدهار والفرح والمحبة والسلام في هذه الدنيا، وثمار السعادة الأبدية في الآخرة.

تعايش الفضيلة والرذيلة في لبنان

               في خِضَمّ الجوّ الفاسد الموبوء المتزايد الذي يعيشه الشعب اللبنانيّ، منذ زمن بعيد، حيث لا مناعة أخلاقية وروحية تحمي أبناءه من كل أنواع الشرور المُستَورَدَة من دول العولمة وأتباعها، يسهل جدا على الرذائل أن تنموَ وتتفشى وتعشِّش في قلوب الناس، ممّا يفرح كثيرا قلوب زعماء الطوائف، وقلوب أسيادهم شياطين الخارج الكثر. كما أنه يصعب على الفضيلة أن تزهر في هذا الجوّ، إلا في نفوس بعض الأتقياء الصادقين، القلائل، المجهولين، الذين يعيشون في الظلّ والسكينة، ولكنهم يعرفون كل شيء، ويُصَلّون، في الخفية، من أجل هداية الجميع، شعبا وحكاما، في مجتمع الشر والرذيلةّ. 

               إنه، بالفعل، لَواقع سيّء، مخيف، محزن، واقع تفشّي الرذائل في لبنان. لا يمرّ يوم واحد دون أن نسمع أخبارا عن إطلاق رصاص، وجريمة قتل، وانتحار، وضبط أوكار دعارة، وعن حوادث سير وجرحى وقتلى، وسرقات، وتعدّ جنسيّ، وتهريب وتعاطي مخدِّرات، وصفقات وعمولات أبطالها ساسةٌ وحلفاؤهم رجال الأعمال والمال والمصارف، وتلكؤ وعجز القضاء عن ملاحقة أية قضية تطال "الكبار" (قضية هدر وسرقة مال الشعب، مثلا، وقضية الكهرباء والنفايات، والإنترنت غير الشرعيّ، وقضايا-فضائح عن شبكات دعارة في أماكن معروفة من العاصمة وخارجها). ثمّ سرعان ما تبدأ لفلفة القضايا ودفنها إلى يوم القيامة، نتيجة تدخل آلهة المال والنفوذ والقوة والسياسة والبطر والرذيلة، في الداخل والخارج.

موقف النُّخَب 

               أمام هذا الواقع المخزي، ماذا تفعل النُّخَبُ المسؤولة عن توعية وتربية المواطنين؟

               يقف رجال الدين الصالحون حيارى وعاجزين عن إصلاح الأمور. معظم الناس لا يريدون ولا يعرفون أن يصغوا إلى صوت العقل والضمير. كل ما يستطيع رجال الدين فعله هو الوعظ والإرشاد وإعطاء المثل الصالح في ممارسة الفضائل. وهم، على كل حال، نادرا ما يذكرون رسالة لبنان المقدّسة. وإن فعلوا ومرّوا على ذكرها، فمرور الكرام، ودون اقتناع وحماس كبيرَيْن، ودون تكرار المحاولة لإقناع الناس بها.

               الإعلام، بمعظمه، يتحدّث عن كلّ شيء مثير وغريب للفت نظر الناس وتحقيق سَبَق صحفيّ، ويسبّح بإسم الذين يُسبِغون عليه آلاءهم ونعمهم ومكرماتهم لتسخيره في خدمة سياساتهم. الإعلام الغارق في بحور المال والتبعِيّة، يتجاهل كلّيًا ذكر لبنان كوطن الرسالة، ووجوب ممارسة الفضائل لبنائه، وتوعية الشعب على احترام القوانين، وعلى توجيهه التوجيه السياسيّ والأخلاقيّ الصحيح، باستمرار، وعلى نقل شكاواه إلى ساسته في الحكم. 

               في العائلة والمدارس والجامعات، لا أحد من الأهل أو الأساتذة أو التلامذة يعرف أو يذكر تعبير "وطن الرسالة". معروف أن الكثير من العائلات اللبنانية توكل، ومنذ زمن بعيد، أمرَ تربية أبنائها، للعاملات الأجنبيات من سيريلانكا وإثيوبيا والفلبّين. ومعلوم أيضا أن مناهج الدراسة تعلّم كل شيء إلا حبّ الوطن والنظام والقانون والفضيلة. ما يُسِمّى ب"التربية المدنية" لا يُدَرَّسُ كما ينبغي، ولا تأثير له على نفوس الطلاب، ويبقى عنوانا بلا مضمون. غاية التعليم الوحيدة هي، بكل بساطة، بالنسبة لمعظم المعلمين، تأمين راتب شهري ثابت وحياة كريمة، وبالنسبة لمعظم الطلاب، تحصيل شهادات عليا، بأسرع وقت ممكن، وبأقل مجهود ممكن، لتأمين عمل دائم وراتب شهريّ في لبنان، إذا تمكنوا من ذلك في جوّ البطالة السائد و"الواسطة" السياسية، أو في بلاد الغربة، حيث يتوجّه معظم الشباب بسبب توفّر فُرَص عمل ملائمة لاختصاصاتهم وتوفّر رواتب وضمانات مُحتَرَمة، مُغرِية.

               الدولة تبذل كل ما في وسعها، أحيانا، لضبط وسجن مهرّبي المخدِّرات وتجار الدعارة، مثلا، وخلايا الإرهاب، ومرتكبي الجرائم والسرقات، ومخالفي النظام والقانون، ولكن الرذيلة تعود فتفرخ من جديد في المجتمع وفي السجن، وبسرعة فائقة. ولكنها لا تساهم أبدا، في الإعلام، بتوعية المواطنين على حقوقهم وواجباتهم، ولا تحكمهم وتدير شؤونهم بالعدل والإنصاف، دائما. لسنا نبالغ حين نقول بأن معظم "المشتغلين" في حقل السياسة، لا مشكلة أبدا عندهم لو رأوا الوطن كله، بناسه وأرضه (إلا عيالهم وقصورهم وخزناتهم وكنوزهم وأرزاقهم الواسعة)، يشتعل ويتلاشى، ما داموا، هم وحدهم، محصَّنين سياسيا ومعنويا وماليا ودينيا وشعبيا وخارجيا.

ضرورة توحيد النخب لنفسها

               إن النُّخَب الواعية، المستقلة، في لبنان، دون أي استثناء، هي، في الحقيقة، مبعثرة، غير موحَّدة، وتجد نفسها عاجزة عن مداواة الواقع. إنها تتفرّج وتتأسّفُ وتَعِظُ وتحاضر وترشدُ، وتعرض نفسها كبديل جيّد للطبقة الفاسدة، الحاكمة، وإذا قرّرت أن تجتمع لتوحّد جهودها في سبيل إنقاذ الشعب اللبناني من مشاكله، يختلف أعضاؤها على من يرأس هذه النخب، وتعود إلى تشرذمها السابق واستقلاليتها العقيمة، وتنتهي، بعد محاولاتها المتكرّرة، الفاشلة، في التوعية وفي تسويق نفسها، منهمكة، في الظلّ، بتحصيل معيشتها ككل الناس. قليلون جدا هم الذين يتابعون نضالهم ضدّ الفساد والرذيلة والظلم والتعصّب، بعد فشلهم في إقناع الشعب بانتخابهم في مواجهةٍ عبثيةٍ لزعمائه التقليديين والجدد الأقوياء، المرتبطين بمراكز المال والسياسة المحليّة و/أو الإقليمية و/أو العالمية.

               الحقيقة المحزنة هي أن الذين يريدون ويحاولون محاربة الرذيلة، لا يعلنون ثورة لا تتوقّف عليها، ولا يتابعون جهودهم حتى النهاية. إنهم يكتفون بكلمة، أو مقالة، أو موعظة، أو محاضرة، أو صرخة، أو بتسجيل موقف. قبل كل شيء، ثمة ضرورة ماسة للبدء بمحاربة الرذيلة من عمر الطفولة، في البيت، ومتابعتها في المدرسة والجامعة وأماكن العمل، وإكمالها حتى عمر الشباب والنضوج. ينبغي توعية وتربية الأهل أولا، والمعلمين والمربين. هذا عمل جبار لا ينبغي أن ينتهي. إنه عمل جماعيّ تتوحد فيه وتتعاون نخب الإعلاميين والمُرَبّين والأساتذة ورجال الدين، بتشجيع ودعم معنويّ وماديّ قويّ من الدولة، الدولة الفاضلة، دولة القانون والمؤسسات والفضائل، وتحت حمايتها، لإنجازه. إنه عمل يتطلّب إرادة قوية وتواضعا وصدقا وصبرا ووعيا ونضوجا ومحبة وقيادة حكيمة.

               معلوم أن بناء الفضائل في روح الإنسان وسلوكه، عبر مراحل حياته، عمل صعب جدا. أما الرذائل فهي لا تحتاج إلى أيّ مجهود لبنائها. هي تنبت بسرعة رهيبة دون عناية، تماما كالشوك والعلّيق، وتخنق بلحظة واحدة الفضائل التي لم يكتمل بناؤها بعد، كما يخنق الشوك الأزهار الطريئة العود. إذًا، عملية بناء الفضائل عملية متعبة، سرعان ما يملّ منها ضعيفو الإيمان والإرادة. إنهم مُعَرَّضون لأن يملّوا حتى من فضائلهم وهم في طور بنائها وممارستها، من خلال احتكاكهم اليوميّ مع الحياة المليئة بقساوة قلوب الناس وأنانيتهم وكبريائهم وقلة صدقهم وأمانتهم وتناتشهم الشرس للقمة العيش، فَيٌصْدَمون وفيستسلمون ويتوقفون عن الجهاد الروحي والأخلاقي الذي بدأوه. 

               إنّ النُّخَبَ الروحية والتربوية والإعلامية والسياسية هي المسؤولة، إلى درجة كبيرة، عن تفشي الفساد والرذيلة في لبنان، وعن خطر انقراض الفضيلة. بعض هذه النُّخب يملّون بسرعة من لعب دور نور العالم وملح الأرض حتى النهاية، ويضعفون أمام عظمة ورهبة هذا الدور، وأمام طغيان تيار المال والفساد والرذائل، ولو لم يَنجرفوا هم أنفسهم كالآخرين في هذا التيار. إنهم يملّون من لعب دور المثال الصالح الحيّ في تجسيد وعكس نور الفضائل السامية، لسائر أفراد الشعب، ولكل زعماء الطوائف المتكبرين، الفاسدين. إنهم يملّون من لعب دور الراعي الصالح من أجل قيادة خراف الوطن المشتتة إلى المراعي الخصيبة، مراعي الإزدهار والسلام والفرح والطمأنينة والمحبة والحرية. غير أن معظم الخراف تفضّل أن تصغي، بالوراثة (وهنا السرّ الغامض، الكبير، المجهول) إلى صوت رعاتها غير الصالحين، وأن تظلّ تتبعهم حتى إلى مسالخ الموت.

الثورة على الذات لاكتساب الفضيلة

               إن وطن الرسالة، وطن الفضائل، يلزمه ثورة دائمة على الذات، وبناء مستمرّ وثابت له بالقول والعمل. إن بنّائي الروح والأخلاق الأقوياء لا نراهم ولا نسمع بهم. هم غير موجودين في ضجيج الأسواق والمحلات العامة، وعلى مسارح التهريج والتفاهة والرذيلة وشاشات الإعلام المبهرة. إننا نرى فقط رجال الأعمال والساسة الأغنياء يصرفون مبالغ هائلة من المال لاستثمارات في بناء فنادق، ومطاعم، ونواد ليلية، وأوكار للرذيلة، وتجديد واستثمار أسواق عتيقة في المدن لا تطأها أقدام الفقراء، ومُجَمّعات سكنية فخمة، فارغة، لا سكنى للفقراء فيها. والذين يلعبون دور النُّخَب الصالحة يعجِزون عن البدء بعملية البناء، بناء الفضائل، ومتابعتها، إذْ إنّ تفشي الفساد والرذائل تفشّيا مخيفا في نفوس أغلبية زعماء الطوائف والساسة وحلفائهم من رجال أعمال ومال ومصارف وإعلام وأتباع، يجعل من مهمتهم مهمة شبه مستحيلة.

               وطن الرسالة لا يُبنى بالقوة. نعني، هنا، قوة الدولة التي تعاقب (بشكل إستنسابي وغير عادل) من يخالف القوانين من أبناء الشعب ويشكل خطرا على المجتمع وتودعه السجن. في السجن لا تؤدّب الدولة السجناء بتعليمهم مبادىء الأخلاق الحميدة، وأصول اللياقة والتهذيب واحترام الآخر والقوانين، ولا تعلمهم مِهَنا أو حِرَفا ليكتسبوا بواسطتها معيشتهم حين تنتهي مدة عقوبة السَّجن. في سجون لبنان، تزدهر الرذائل على أنواعها، لا الفضائل، ويخرج السجين، إن حالفه حظ "الواسطة" وخرج، أسوأ ممّا كان قبل دخول السجن، وأشدّ خطرا على المجتمع. سجون لبنان معاهد لتخريج خبراء في الإرهاب والسرقة وكل أنواع الرذائل. وجود الدولة ضروري، لا شكّ، من أجل حفظ الأمن والإستقرار وحماية المواطنين، ولكنّ الدولة نفسها تستطيع، إلى جانب فرضها احترام القانون، أن تفعل الكثير في مجال محاربة الفساد والرذيلة في المجتمع وفي السجون، حين تفرض على الشعب برامج تربوية رصينة لكل الأعمار، وبكل الوسائل المتاحة، في المدرسة والجامعة والإعلام المرئيّ والمسموع والمقروء، وحين يكون الحكام أنفسهم قدوة للشعب في ممارسة الفضائل، لا في ممارسة الرذائل بكبرياءٍ وتباهٍ، وبتفوّقٍ باهر، كما هي الحالّ، ثم تتطلّب من الشعب أن يكون فاضلا وكاملا، وحده، وإلا يَلقى عقابه. الذين يمارسون دائما الفضيلة في الحكم، كم هو عددهم يا تُرى؟ هل هم موجودون؟

نظرة تفاؤل بالمستقبل

               نريد أن ننهي محاولتنا هذه لفهم واقع لبنان بين الفضيلة والرذيلة، وإمكانية تحقيق فكرة وطن الرسالة في جوّ فكريّ وروحيّ وأخلاقيّ موبوء وطنيا وإقليميا وعالميا، بكلمة تفاؤل وأمل وفرح، مهما بدا ذلك غريبا.

               إن وطن الرسالة، لبنان، ينبغي على اللبنانيين، بكلّ طوائفهم، أن يحقّقوه. إنه سبيل الخلاص الوحيد لهم جميعا ممّن يتربّص بهم شرا من أعداء حقيقيين وأصدقاء غير صادقين، ويخلق لهم، باستمرار، جحيما وتعاسة، معتمدا على سياسة "فرّق تَسُد". إنه أيضا سبيل الخلاص الوحيد لهم من سجن أنفسهم حيث هم أسرى الجهل والتعصّب والغرور والكبرياء والأنانية وعبادة صنم الزعيم. إن وطن الرسالة-الفضيلة (كما الوطن العلماني) يوحّد كل اللبنانيين، ويذيب كل أنانياتهم العرقية والقومية والمذهبية والدينية والطائفية التي كانت، وسوف تظلّ، مصدرا دائما لخلافاتهم وتناحرهم وتباغضهم، في جوّ روحيّ واحد، تسوده المحبة. الوحدة هي الأساس. وحدة في احترام الآخر ومحبته، وفي محبة الوطن والولاء للوطن لا لحكومات الخارج. وحدة المصالح والهدف والمصير والمبادىء الصالحة والفضائل. في الوحدة قوّة. هذا مبدأ معروف، بحاجة إلى تطبيق. القوة المعنوية التي ينبغي على اللبنانيين أن يحققوها في نفوسهم هي القوة النابعة من وحدتهم، ومن معرفة الفضائل، وحبّها، وممارستها. هذه القوة المعنوية تعطي الوطن اللبنانيّ مناعة قوية ضدّ كل الشرور والإغراءات، وتفرض على كل الدول أن تحترم هذا الوطن الصغير، وهي كفيلة بأن تبني لبنان الرسالة، لا لبنان الأنانيّات المنتفخة، المتكبرة، المغرورة، الجاهلة، عابدة الذات والزعيم والقبيلة والقومية والسلالة والمذهب والمال والسلطة، وبأن تحمي هذه الرسالة في كل الأوقات. هذه القوة المعنوية الهائلة تُسهّل بناء دولة قوية تمارس الفضائل لا الرذائل، وبناء قضاء نزيه مستقل منيع، وبناء جيش قويّ بكل معنى الكلمة، يحمي الشعب الموحّد، والدولة الفاضلة، ورسالة لبنان السامية، ونكاد نقول "السماوية".

زمن النِّعَم

               هنا والآن، لا يمكننا إلا أن نتوقف قليلا لنذكر، بكل تواضع وفرح، إستفقاد السماء، في هذا الزمن الرديء، للبنانيين من كل الطوائف، استفقادا منقطع النظير وغير مسبوق، من خلال ظهورات قديسين لبنانيين وإجراء معجزات شفاء على يدهم (القديس شربل مخلوف، والقديسة رفقة الريّس، والقديس نعمة الله الحرديني، والقديس اسطفان نعمة، والقديس بشارة أبو مراد).

               ألسنا، يا ترى، في موقع ملائم وقويّ، في زمن النِّعَم هذا، لكي نستنتج، نتيجة هذا التدخّل السماويّ الرحيم المحبّ، أن للبنان، ربما، دورا مقدّسا، ورسالة سماوية على الأرض، تُهَيِّئُهُ السماء لهما بحسب توقيتها السرّيّ الحكيم، ليكون شاهدا حيًّا للحب والسلام على أرض تتكاثر فيها الشرور؟ 

               ألا يتوجَّب على اللبنانيين ألّا يتردّدوا لحظة واحدة في أن يتجاوبوا مع نداء السماء، وأن يساعدوا أنفسهم لتساعدهم السماء، فيقبَلوا بمشيئتها الصالحة ويتهيأوا بفرح، وبملء إرادتهم، للعب هذا الدور، ونشر هذه الرسالة، في عالم متكبّر، صاخب، مجنون، مبلبل الألسنة والرؤى، يحاول، في سكرة قوته وعظمته وبطره،  أن يستقلّ عن السماء، لا بل وأن يُنْكِرِ وجودَها؟

خاتمة: الخيار الحتميّ للبنان وطن الرسالة

               في نهاية المطاف، فلنسأل أنفسنا بإلحاح:

               هل يبدأ اللبنانيون، شعبا ونخبا وساسة، عملية الثورة على أنفسهم، وعملية بناء وطنهم لبنان، ورسالة وطنهم؟ متى؟

               ومن تراه يكون القائد العظيم المُلهَم والمُلهِم ليقود، حتى النهاية، هذه الثورة العظيمة، المباركة، على الذات الخانعة، المبعثرة، الضائعة، الغارقة في رمال صحاري الجفاف الروحيّ، ثورة الفضيلة على الرذيلة؟

               لعلّ الأشياء الشعرية الرائعة التي قيلَتْ، قديما، عن أرض لبنان، تتحقّق في الواقع:

               في المزامير (92: 12): "الصدّيق كالنخلة يزهو كالارز في لبنان ينمو".

               في إشعيا (29: 17): "أليس في مدة يسيرة جدا يتحوّل لبنان بستانا والبستان يُحسَب وعرا"؟

               وفي نشيد الأناشيد (4: 15): "ينبوع جنات بئر مياه حية وسيول من لبنان".

               أجل، لعلّ هذه الرؤيا الرائعة تتحقّق، وفي زمن قريب جدا، في لبنان، من أجل أن يفرح قلب شعب لبنان المُعذّب، المُتلهِّف إلى الخلاص، حين يتحوّل هذا الشعب، بنعمة من السماء وبجدّه الشخصيّ، صدّيقا كالأرز في لبنان ينمو، وبستانا للفضائل، يفوح أريج أزهاره المقدّس في كل الأرجاء، وينبوعا للفضائل تسيل مياهه الصافية الشافية في شرايين وعروق قلب العالم القاسي، فتطرّي تصلّب هذه الشرايين وهذه العروق، وحين يتحوّل إلى بئر مياه حيّة، محيِيَة، يقصده العالم المُتَعَطِّش إلى الراحة والسلام والمحبة، ليرتويَ من مياهه.بين بناء رسالة إنسانية سامية وممارسة الرذائل-على طوائف وزعماء لبنان أن يختاروا/إيلي أنطون شويري

مقدِّمة: تحديد لمعنى الرسالة

               إن الرسالة هي، بوجه عام، دعوة خاصة تنبع من أعماق قلب الإنسان (أو ضميره)، تدعوه، بإلحاح، أن يلعب دورا مفيدا ومهمّا في المجتمع الإنسانيّ. إنها، بحسب هذا التحديد، تشمل كل حقول الحياة الإنسانية: التربية، الدين، الفكر، السياسة، العلوم، الطبّ، الفنّ، البناء، إلخ... إن أيَّ عمل يمارسه الإنسان (ولو لم يكن مجّانا) بروح الضمير الحيّ والخير والمحبة من أجل خدمة الإنسانية، يُعتَبَرُ رسالة. وأيُّ عملٍ يمارَسُ بغير هذه الروحية سوف يؤدّي، حتما، إلى أذى الإنسانية، ويُعتبَرُ شرا ورذيلة في نظر العقل السليم ومبادىء الأخلاق السليمة. بهذا المعنى، الحدّاد، مثلا، والمزارع والنجّار والبنّاء والمهندس والطبيب والمعلم والجندي والسياسي، يمكنهم أن يكونوا، دون أية مبالغة، حاملي رسالة، حين يمارسون عملهم بروح الواجب والإتقان والمحبة، دون أيّ إستغلال أو غشّ أو أذى للناس.

               الرسالة الحقيقية، غير الناقصة، هي وحدة لا تتجزّأ بين التفكير والقول والعمل، لتحقّق ذاتها وتصل إلى كمالها. إن للرسالة غاية واحدة، ألا وهي إحترام وخدمة الإنسان، نواة المجتمع الإنساني، ككيان جسديّ وروحيّ، في سبيل إحياء هذا الكيان والمحافظة عليه وحمايته وهدايته وإسعاده. الرسالة، بتعبير آخر، هي الخروج من شرنقة الذات الأنانية، لملاقاة الآخرين ومشاركتهم همومهم وتقديم العون لهم. إنها افتاح ومحبة وتضحية.

رسالة الشعب اللبناني

               إن الكلام عن رسالة شعب (الشعب اللبناني) بكامله، يبدو مُسْتَهْجنا جدا، خاصة في عالم يمارس قادته المصابون بجنون العظمة، الأقوياء بالمال والرجال والسلاح والأطماع المريضة، مهنةَ التجارة بحياة شعوبهم كسلعة تُشرى وتُباع أو تُرمى في سلّة المهملات، ومهنة شنّ الحروب العسكرية والإقتصادية على الدول المقاومة لطموحاتهم الهادفة إلى السيطرة على الكرة الأرضية، من أجل إضعافها وإخضاعها وشلّ إرادتها وقدرتها في تقرير مصيرها، وسرقة ما تحويه أرض هذه الدول من نفط وغاز وذهب ومعادن وآثار ومتاحف، كما شاهدنا منذ بداية مسلسل الرعب والإرهاب والمآسي، حامل عنوان "الربيع العربي"، وما زلنا نشاهد، حتى اللحظة الحاضرة، تكملة المسلسل هذا، في اليمن والعراق وسوريا.

               يَذكرُ، أحيانا، بعض المسؤولين اللبنانيّين (من رجال دين ودنيا وسياسة وإعلام)، ودون حماس وإيمان، أنّ للبنان رسالة عليه أن يؤدّيها (في عالم متوحِّش). هل هذا صحيح؟ هل لبنان مدعوٌّ ومؤهَّلٌ ليكون وطن رسالة؟ ما هي هذه الرسالة؟ هل جميع اللبنانيين على علم بها؟ هل هم موافقون عليها؟ لماذا لا نسمع بها إلا فيما ندر، وسرعان ما ينطفىء ذكرها؟ 
           
               إن اختيار شعب لبنان (من بعض نخبه السياسية والروحية في القرن الماضي) ليكون له رسالة خاصة وسط نيران الأحقاد والحروب المشتعلة دائما، لا تعني أنه الشعب المختار، وحده، من الله (كما يدّعي قادة الشعب اليهودي، بحسب مفهومهم الخاص والخاطىء لتوراتهم، وكما أقنعوا شعبهم، بأن الله قد اختار هذا الشعب المتفوّق بعِرقه وبذكائه ليسود على سائر الشعوب). إن رسالة الشعب اللبناني ليست للسيطرة على الشعوب واحتقارها. إن رسالته المؤهَّل لها وغير المكتملة بعد، هي رسالة سلام ومحبّة لكل الشعوب.

               الرسالة، بمفهومها التقليدي، المتعارف عليه، تتعلّق بأفراد أو بجمعيات (لا بوطن بكامله) نذروا أنفسهم لخدمة المجتمع بفقرائه ومرضاه وأيتامه وعجزته. إن الشعب اللبناني، بفضل التنوّع الغنيّ في تراثه الحضاري والروحي والفكري والفنّي، مؤهّل أن يكون له، إن أراد وجاهد، رسالة خاصة في عالم مضطرب، غارق في عبادة المادة والقوة، وهي، كما أشرنا منذ قليل، رسالة محبة وسلام، مهما بَدَتْ هذه الرسالة عقيمة، عبثية، صعبة، أو حتى مستحيلة التحقيق، وزعماء الشعب اللبناني منقسمون دائما على أنفسهم، مختلفون على تقاسم "جبنة" الحكم الطائفي، ويجرّون معهم، في خلافاتهم، أتباعَهم من كل طائفة. ألا يبدو الأمر محيّرا، إذًا، أمر الحديث عن رسالة المحبة والسلام للشعب اللبناني، في وطن زعماؤه وشعبه في حال انقسام وتنافر دائمَيْن، لا في حال سلام ومحبة؟

               إن رسالة لبنان، كما يشتهيها المثاليون الحالمون بغد أفضل، هي أن يكون مثالا يُحتَذى في "العيش" المشترك، أو بالأحرى، في الحياة المشتركة وحياة المحبّة بين جميع أبناء طوائفه. إن هذه الحياة المشتركة موجودة بالفعل في عدة مجتمعات حول العالم، بشكل دائم، وبنسبة أكبر بكثير ممّا هي موجودة في لبنان. إنها مجتمعات يجمعها حبّ الوطن والقانون والنظام، واحترام الآخر، والمصلحة المشتركة. فلماذا لا تكون هذه البلدان هي أيضا نموذجا يُحتذى؟ ولماذا لا يَحتذي لبنان نفسه هذا النموذج؟ لماذا التشديد والتركيز على لبنان بالذات، كي يكون وطن الرسالة، لا وطنا كسائر الأوطان، أوطان حققت مستوًى راقيا من العيش بسلام بحماية النظام والقانون، دون أن تحدّد نفسها كأوطان رسالة؟

لبنان مشروع رسالة

               لبنان، في الواقع، ليس وطن الرسالة بعد، ولن يكون، في وقت قريب. لبنان ينبغي أن يصبح وطن الرسالة. هو مؤهَّل لأن يلعب هذا الدور. هو بالأحرى مشروع رسالة قيد الدرس والتنفيذ البطيئَيْن.

               لقد اختار بعض السياسيّين للبنان هذا الدور في القرن الماضي، كما اختاره له البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، كوطن أقليات معذّبة ومضطَّهَدة في هذا الشرق، منذ مئات السنين، جرّاء غزوات واحتلالات متلاحقة لأكثريات اثنيّة مستقوية، مهيمِنة، وكوطن صغير جدا بمساحة أرضه وعدد سكانه، وكوطن ضعيف جدا لكثرة طوائفه ولولاءاتها المختلفة لدول الخارج المتصارعة، وتناحرها الدائم فيما بينها، واستحالة وحدتها، وكوطن لا يستطيع أن يقاوم أطماع الدول الكبرى، ولا أن يتحمل الفتن والحروب الأهلية التي زرعتها هذه الدول، ووقع في فخها مرارا. فكرة الوطن-الرسالة، الوطن-القيمة الإنسانية (الفكرية والروحية والأخلاقية) فكرة رائعة لتخليص لبنان (إن أمكن) من شرور الغزو العسكريّ والسياسيّ والماليّ له، ومن شرور الفتن التي كادت، أكثر من مرة، أن تزيله من الوجود، ولإعطائه طابَعًا مُوَحَّدًا، مسالما، محايدا، لا يُقحَمُ بالقوة والتهديد أو بالوعد والوعيد، ولا يُقحِمُ نفسه، في صراعات الآخرين الدامية على أرضه وخارجها (كما حصل منذ الإستقلال حتى اليوم)، دون أن يعزل نفسه عن العالم، وعن محيطه العربيّ الطبيعيّ، بنوع خاص.

               هكذا، حين يُترَك لبنان وشأنه (هل يُترَك؟)، يتمكن شعبه من لعب دوره ورسالته كشعب موحَّد بكل طوائفه، محايد، معتدل، مسالم، صديق للجميع، ومحبّ للجميع، ومتفاعل تفاعلا حضاريا وثقافيا واقتصاديا مع الجميع، لا يخيف أحدا ولا يخاف من أحد. كان بعض زعماء لبنان، بعد الإستقلال، يسمّونه، في رؤيتهم الخاصة المستقبلية له، ب"سويسرا الشرق"، ويحاولون أن يحققوا هذا الحلم، ولكن مع إبقاء لبنان وطنا "ضعيفا" بجيشه، لا يهدّد أمن أحد خاصة الدولة العنصرية المشاغبة إسرائيل التي زرعها الغرب والشرق بالقوة بعد الحرب العالمية الثانية، في فلسطين، سنة 1948. بقي هذا الحلم مجرّد حلم حتى اليوم. ما حصل هو أن أرض لبنان أصبحت مسرحا دائما لحروب الآخرين من كيان العدوّ العنصري "إسرائيل"، وحكومات غربية وعربية عدوانية توسعيّة، تنفّذ مشروع القوة التلمودية الخفية في خلق "شرق أوسط جديد" و"نظام عالميّ جديد" و"حكومة عالمية واحدة" (الأمم المتحدة نسخة أوّلية عنها)، وفي سحق كل مقاومة لمشروعها. وقد تحوَّلَ الشعب اللبنانيّ، بسبب ضعف وطمع وكبرياء وغباوة وخلافات زعمائه الدائمة فيما بينهم على تقاسم "خيرات" الحكم، واحتقارهم لبعضهم البعض بالكلام النابي، المهين، وبإتخاذ مواقف التحدّي المتبادل، أجل، تحوّل الشعب اللبناني إلى وقود جاهزة، دائمة، سريعة الإشتعال، لحروب زعمائه وحروب الآخرين.

               إن حياة "الشراكة" تعني أكثر من مجرد واقع باردٍ من "تعايش" أو "تجاور" أنانيات بين أبناء الوطن الواحد، واقع مبنيّ على خليط من المصلحة الفردية والطائفية لا من المصلحة الوطنية الصِّرف، وعلى تنازع للبقاء، قاسٍ، عنيفٍ، معظمَ الأحيان. إنها حياة، في لبنان، نريدها أن تعني، بالإضافة إلى معنى التعايش والتنافس الأنانيّ الطبيعي جدا على خيرات أرض الوطن، شراكةً إنسانية روحية أخلاقية، ومحبة وتسامحا وسلاما في التعامل اليوميّ العاديّ والسياسيّ، بين أبناء الوطن الواحد. لبنان، بكل طوائفه، يصبح عائلة واحدة. طوائف لبنان تصبح عائلات لبنان الروحية. الشراكة المُحِبّة هي شراكة المصلحة والعقل والعاطفة، في آن معا، بين أبناء العائلة الواحدة. هي شراكة بين أشخاص، وكل شخص هو "قيمة" روحية وأخلاقية بحدّ ذاته، لا مجرّد رقم مُضافٍ إلى أرقام.

أسباب فشل مشروع لبنان الرسالة

               ولكنّ هذه الفكرة الجميلة الرائعة التي تشبه الحلم، فكرة لبنان-الرسالة، لم يتفق عليها يوما كل رؤساء وزعماء طوائف لبنان، وكل أحزابه الطائفية، ولم يحاولوا أن ينشروها بين أفراد الشعب اللبنانيّ. إن لدى زعماء الطوائف أهدافا أخرى أهمّ من التبشير برسالة لبنان، وهي الحفاظ على زعامتهم لهم ولذرّيتهم من بعدهم، إلى أبد الآبدين، وزيادة ثرواتهم وأملاكهم وأمجادهم وقوتهم العدديّة والعسكرية. لدى الأحزاب العلمانية مشاريع أخرى، قومية وعلمانية، بعيدة الرؤيا، عقلانية، ولكنها صعبة التحقيق في عالم تتحكم فيه بعقول الناس وقلوبهم عصبيّات الديانات والمذاهب والطوائف والعائلات والقبائل. لذلك لم تنجح فكرة لبنان-الرسالة في لبنان. قليلون حاولوا، عبثا، تسويقها. وظلّ زعماء الطوائف يلعبون لعبتهم السياسية، كالمعتاد، مع الخارج، يأخذون ماله ويعطونه ما يريد في الداخل، من خلال اللعب على أوتار التناقضات الطائفية والسياسية والحضارية والثقافية بين اللبنانيين، وإبقاء الوضع متوترا وقابلا للإنفجار. لم يجاهد زعماء الطوائف هؤلاء أبدا في سبيل توحيد الشعب اللبناني، أولا، وثمّ في سبيل طرح موضوع لبنان-الرسالة في مقرّ "الأمم المتحدة"، مثلا (رغم تحيّزها للدول الكبرى وخضوعها لإملاءاتها)، ومحاولة إفهام وإقناع دول الغرب والشرق القوية المستبدة، بدور لبنان الإنساني والروحيّ، وطلب قبولها برسالته، ودعمها له لتحقيق هذه الرسالة، والكفّ عن زرع بذور الفتنة والفرقة والخلافات والشرّ بين عائلاته الروحية، والكفّ عن شلّ مؤسّساته الدستورية والعسكرية وحياته الإقتصادية وازدهاره، وعن إلهائه عن تحقيق ذاته الوطنية السامية، وعن منعه من العيش بأمان وسلام وكرامة. كلّ جهدهم كان وما زال ينصبّ في مجال طلب رضى ومال ودعم مشاريع ومخطّطات حكومات الخارج الخبيثة على حساب الوطن، ولو تسبّبوا في إضعاف وإتعاس وإذلال وإفقار الشعب اللبناني.

               إذًا، ثمّة أسباب "وجيهة" لعدم نجاح فكرة لبنان-الرسالة. إنها مؤامرة مستمرّة على الشعب اللبنانيّ بين "أحصنة طروادة" أي وجهاء وزعماء الداخل، وأسيادهم في الخارج، لا مجرّد تقصير مؤقت، وغير مقصود، في الأداء السياسيّ، من قبل زعماء الطوائف، الذين لا يريدون للبنان أن يلعب دوره الحضاري الإنسانيّ المُمَيَّز. لبنان-الرسالة (أو لبنان العلماني) هو ضدّ مصالحهم الشخصية، وضدّ مبادئهم السياسية الفاسدة، المبنية على التبادل السياسيّ-التجاريّ بعقلية الربح والخسارة والتسوية والمقايضة، وارتكاب كل ما يُسَمّى بالرذائل، في عمليات "خيانة عظمى" دائمة، لمبادىء الأخلاق والروح، وللبنان، وطن الرسالة.

تحديد لمفهوم الفضيلة والرذيلة

               نودُّ أن نوضّح، هنا، معنى ومفهوم الرذيلة والفضيلة في لبنان. إن معنى ومفهوم المفردتَين قد التبسا على الكثيرين بشكل دائم. ثمّة من يمارسون الرذائل من رجال السياسة، وكأنها فضائل يُفتَخَرُ بها. وهم، في الوقت عينه، يتكلمون بثقة تامة، وببلاغة فائقة، عن الفضائل الحقيقية، ولكن دون أن يمارسوها. في لبنان، أصبح عدد الذين يمارسون الفضائل قليلا جدا، وهم مُتَّهَمون بالغباء، لأنهم لا يعملون من أجل تأمين مصلحتهم الخاصة، في هذا العالم الذي لا يعرف ولا يفهم إلا لغة الأنانية. أصحاب الفضائل وممارسوها بأمانة يُعتَبَرون أغبياء بنظر أبناء الدهر ال"أذكياء" من أبناء الشعب، والإعلاميين، ورجال الأعمال والمال والسياسة، الذين يعرفون جيدا "من أين تُؤكَلُ الكتفَ"، وهم لا يشبعون أكلا واجترارا ولهطا وزلعا وبلعا وسمنة.

               ماذا نعني بالرذائل، وماذا نعني بالفضائل، وأين موقع ومصير لبنان، وطن الرسالة، منهما؟

               إنهما كلمتان قد اصتبغتا، جَرّاءَ إستعمالهما على لسان بعض رجال الدين الأتقياء، الصادقين، القلائل، بصبغة دينية صرفة. وأصبحت رسالتهم محصورة بعملهم واهتمامهم وتأثيرهم، فقط، في مجال تهيئة الإنسان ومساعدته في حياته على الأرض ليستحق مكافأة النعيم في العالم الآخر، وكأنْ لا علاقة لمفردات السياسة ولأخلاق السياسيّين بهم، رغم أن لرجال الدين رسالة إرشادية تربوية أخلاقية إجتماعية (لا سياسية)، لمساعدة أبناء الطوائف ووزعماءها في ممارسة رسالة العمل، معا، من أجل الخير العام للمجتمع الواحد.

مفهوم الرذيلة

                 الرذيلة، بالنسبة لعلم مبادىء الأخلاق الصحيحة والقويمة والسليمة، وبالنسبة لأصحاب الأخلاق السامية الذين يمارسون، بصدق، هذه المبادىء، هي كل الصفات السيّئة البشعة الشريرة التي يَرذُلُها، أي يمجّها، ويرفضها، ويلفظها علم الأخلاق هذا. عبادة المال مثلا، هي رذيلة، وأيضا، الكبرياء والأنانية وحبّ المجد والعظمة، وقساوة القلب، والشراهة، والطمع، والكذب، والخداع، وشهادة الزور، والسرقة، والتجديف، والخيانة. أيّ نوع من أنواع الإستغلال والأذى والقتل للجسد والروح، يُحسَبُ من الرذائل.

               إنّ معظم زعماء الطوائف في لبنان وحلفائهم وأقربائهم بالروح وعبادة المال، القدامى والجُدُد، يمارِسون كل هذه الرذائل وهم في وعيهم الكامل، وعن سابق تصميم وتصوّر. يبدو وكأن الأمر لا يهمّهم ولا يعنيهم. هم يخدعون أنفسهم قبل خداعهم للشعب. ولكنهم سعداء، أقوياء، مرتاحو الضمير، لا يشعرون بأيّ حَرَجٍ وأي ذنب، ولا أحد يجرؤ على فضحهم ومحاسبتهم، لا الشعب العابد لزعمائه، ولا الإعلام المسيَّس بمعظمه، ولا القضاء المُسيَّس، ولا الحكومة، ولا مجلس النواب. وهل يحاسبون أنفسهم وبعضهم البعض؟ في لبنان شائع جدا هذا القول الطريف على لسان الناس والإعلام: "حاميها حراميها". وكأنّ الدعوة الموجهة إلى كل مؤمن، وهي "الأمرُ بالمعروف والنّهيُ عن المُنْكَر"، قد تحوّلت، في العقلية السائدة في مجتمعنا، ومن خلال الممارسات اليومية لمعظم أبناء الشعب والساسة على حدّ سواء، إلى تقليد مقبول وواقع قوي، مستحكم، تحت عنوان "الأمر بالمُنْكَر والنّهي عن المعروف".

               كما في لبنان، كذلك في العالم أجمع. إن حكام الشعوب بواسطة المال والسلطة السياسية والعسكرية، يمارسون الرذائل عينَها دون أي خوف من أحد. في ظنّهم أنهم يفعلون عين الصواب. وحالة العالم التعيسة، المأساوية، المُبكِية، اليوم، هي نتيجة لهذه الممارسات الخاطئة، المؤذية، الشريرة، وهذا شيء طبيعيّ جدا بالنسبة لمحبّي المال والسلطة والسيطرة والعظمة والحروب والتدمير وإراقة الدماء، ولا يزعجهم أبدا. وقد أمسى هؤلاء "الآلهة" يشكِّلون حزبا كبيرا متسلّطا في كلّ الكرة الأرضية، يزداد عديده، وتزداد ثرواته وسطوته وشروره، يوما بعد يوم. إن طريق الرذيلة يؤدّي، لا محالة، إلى الهلاك الشخصيّ، وهلاك الشعوب، ولكن السير فيه مرغوب من كثيرين، خاصة القادة، وهو مُسكِر لكبريائهم، ومرذول فقط من القلائل الذين يفضّلون السير على طريق الفضائل المتواضع، المسالم، الصامت، الصعب، المقفر، الموحش.

مفهوم الفضيلة

               الفضيلة تجمع كل الصفات الحسنة التي تركها معظم أهل الدنيا والسياسة والمال، وكأنها لا تعنيهم، للمتواضعين والمساكين بالروح والودعاء وفاعلي السلامة وأنقياء القلوب والرحماء والمضطهدين من أجل البِرّ، ولكل من ترك أمجاد العالم الباطلة وأراد أن يُجهِدَ نفسه، في سبيل تحقيق القداسة والكمال وخدمة الآخرين. الفضيلة تعني: حبّ الله لا المال، وحبّ الفقير واليتيم والمريض والمُسِنّ ومساعدتهم، وحبّ المظلوم ونصرته، وحبّ الحق، والسلام، ومعاملة الأخرين بروح الرحمة والخدمة والفرح، والصدق في القول والعمل، والأمانة، والشجاعة، والإخلاص، والوفاء، والإعتدال، والقناعة، والتواضع. 

               إنها مجموعة فضائل غير مستحبة أبدا لمن يمارس الرذائل في لبنان، وفي أي مكان آخر. إنها فضائل تستحقّ عناء الجهاد الروحي لتحقيقها. هي لا تضرّ ولا تؤذي أحدا. إن ممارستها تعني خلق نعيم للآخرين، لا خلق جحيم لهم كما تفعل ممارسة الرذائل. هي الدرب المؤدي إلى الكمال الروحي الذي لا يسير فيه حتى النهاية إلا الأتقياء والأنقياء والأقوياء. إن السير في هذا الطريق، لا بدّ أن يؤتي، في نهاية المطاف، ثمارا جيدة، وفيرة، حين يحين أوان القطاف، هي ثمار الإزدهار والفرح والمحبة والسلام في هذه الدنيا، وثمار السعادة الأبدية في الآخرة.

تعايش الفضيلة والرذيلة في لبنان

               في خِضَمّ الجوّ الفاسد الموبوء المتزايد الذي يعيشه الشعب اللبنانيّ، منذ زمن بعيد، حيث لا مناعة أخلاقية وروحية تحمي أبناءه من كل أنواع الشرور المُستَورَدَة من دول العولمة وأتباعها، يسهل جدا على الرذائل أن تنموَ وتتفشى وتعشِّش في قلوب الناس، ممّا يفرح كثيرا قلوب زعماء الطوائف، وقلوب أسيادهم شياطين الخارج الكثر. كما أنه يصعب على الفضيلة أن تزهر في هذا الجوّ، إلا في نفوس بعض الأتقياء الصادقين، القلائل، المجهولين، الذين يعيشون في الظلّ والسكينة، ولكنهم يعرفون كل شيء، ويُصَلّون، في الخفية، من أجل هداية الجميع، شعبا وحكاما، في مجتمع الشر والرذيلةّ. 

               إنه، بالفعل، لَواقع سيّء، مخيف، محزن، واقع تفشّي الرذائل في لبنان. لا يمرّ يوم واحد دون أن نسمع أخبارا عن إطلاق رصاص، وجريمة قتل، وانتحار، وضبط أوكار دعارة، وعن حوادث سير وجرحى وقتلى، وسرقات، وتعدّ جنسيّ، وتهريب وتعاطي مخدِّرات، وصفقات وعمولات أبطالها ساسةٌ وحلفاؤهم رجال الأعمال والمال والمصارف، وتلكؤ وعجز القضاء عن ملاحقة أية قضية تطال "الكبار" (قضية هدر وسرقة مال الشعب، مثلا، وقضية الكهرباء والنفايات، والإنترنت غير الشرعيّ، وقضايا-فضائح عن شبكات دعارة في أماكن معروفة من العاصمة وخارجها). ثمّ سرعان ما تبدأ لفلفة القضايا ودفنها إلى يوم القيامة، نتيجة تدخل آلهة المال والنفوذ والقوة والسياسة والبطر والرذيلة، في الداخل والخارج.

موقف النُّخَب 

               أمام هذا الواقع المخزي، ماذا تفعل النُّخَبُ المسؤولة عن توعية وتربية المواطنين؟

               يقف رجال الدين الصالحون حيارى وعاجزين عن إصلاح الأمور. معظم الناس لا يريدون ولا يعرفون أن يصغوا إلى صوت العقل والضمير. كل ما يستطيع رجال الدين فعله هو الوعظ والإرشاد وإعطاء المثل الصالح في ممارسة الفضائل. وهم، على كل حال، نادرا ما يذكرون رسالة لبنان المقدّسة. وإن فعلوا ومرّوا على ذكرها، فمرور الكرام، ودون اقتناع وحماس كبيرَيْن، ودون تكرار المحاولة لإقناع الناس بها.

               الإعلام، بمعظمه، يتحدّث عن كلّ شيء مثير وغريب للفت نظر الناس وتحقيق سَبَق صحفيّ، ويسبّح بإسم الذين يُسبِغون عليه آلاءهم ونعمهم ومكرماتهم لتسخيره في خدمة سياساتهم. الإعلام الغارق في بحور المال والتبعِيّة، يتجاهل كلّيًا ذكر لبنان كوطن الرسالة، ووجوب ممارسة الفضائل لبنائه، وتوعية الشعب على احترام القوانين، وعلى توجيهه التوجيه السياسيّ والأخلاقيّ الصحيح، باستمرار، وعلى نقل شكاواه إلى ساسته في الحكم. 

               في العائلة والمدارس والجامعات، لا أحد من الأهل أو الأساتذة أو التلامذة يعرف أو يذكر تعبير "وطن الرسالة". معروف أن الكثير من العائلات اللبنانية توكل، ومنذ زمن بعيد، أمرَ تربية أبنائها، للعاملات الأجنبيات من سيريلانكا وإثيوبيا والفلبّين. ومعلوم أيضا أن مناهج الدراسة تعلّم كل شيء إلا حبّ الوطن والنظام والقانون والفضيلة. ما يُسِمّى ب"التربية المدنية" لا يُدَرَّسُ كما ينبغي، ولا تأثير له على نفوس الطلاب، ويبقى عنوانا بلا مضمون. غاية التعليم الوحيدة هي، بكل بساطة، بالنسبة لمعظم المعلمين، تأمين راتب شهري ثابت وحياة كريمة، وبالنسبة لمعظم الطلاب، تحصيل شهادات عليا، بأسرع وقت ممكن، وبأقل مجهود ممكن، لتأمين عمل دائم وراتب شهريّ في لبنان، إذا تمكنوا من ذلك في جوّ البطالة السائد و"الواسطة" السياسية، أو في بلاد الغربة، حيث يتوجّه معظم الشباب بسبب توفّر فُرَص عمل ملائمة لاختصاصاتهم وتوفّر رواتب وضمانات مُحتَرَمة، مُغرِية.

               الدولة تبذل كل ما في وسعها، أحيانا، لضبط وسجن مهرّبي المخدِّرات وتجار الدعارة، مثلا، وخلايا الإرهاب، ومرتكبي الجرائم والسرقات، ومخالفي النظام والقانون، ولكن الرذيلة تعود فتفرخ من جديد في المجتمع وفي السجن، وبسرعة فائقة. ولكنها لا تساهم أبدا، في الإعلام، بتوعية المواطنين على حقوقهم وواجباتهم، ولا تحكمهم وتدير شؤونهم بالعدل والإنصاف، دائما. لسنا نبالغ حين نقول بأن معظم "المشتغلين" في حقل السياسة، لا مشكلة أبدا عندهم لو رأوا الوطن كله، بناسه وأرضه (إلا عيالهم وقصورهم وخزناتهم وكنوزهم وأرزاقهم الواسعة)، يشتعل ويتلاشى، ما داموا، هم وحدهم، محصَّنين سياسيا ومعنويا وماليا ودينيا وشعبيا وخارجيا.

ضرورة توحيد النخب لنفسها

               إن النُّخَب الواعية، المستقلة، في لبنان، دون أي استثناء، هي، في الحقيقة، مبعثرة، غير موحَّدة، وتجد نفسها عاجزة عن مداواة الواقع. إنها تتفرّج وتتأسّفُ وتَعِظُ وتحاضر وترشدُ، وتعرض نفسها كبديل جيّد للطبقة الفاسدة، الحاكمة، وإذا قرّرت أن تجتمع لتوحّد جهودها في سبيل إنقاذ الشعب اللبناني من مشاكله، يختلف أعضاؤها على من يرأس هذه النخب، وتعود إلى تشرذمها السابق واستقلاليتها العقيمة، وتنتهي، بعد محاولاتها المتكرّرة، الفاشلة، في التوعية وفي تسويق نفسها، منهمكة، في الظلّ، بتحصيل معيشتها ككل الناس. قليلون جدا هم الذين يتابعون نضالهم ضدّ الفساد والرذيلة والظلم والتعصّب، بعد فشلهم في إقناع الشعب بانتخابهم في مواجهةٍ عبثيةٍ لزعمائه التقليديين والجدد الأقوياء، المرتبطين بمراكز المال والسياسة المحليّة و/أو الإقليمية و/أو العالمية.

               الحقيقة المحزنة هي أن الذين يريدون ويحاولون محاربة الرذيلة، لا يعلنون ثورة لا تتوقّف عليها، ولا يتابعون جهودهم حتى النهاية. إنهم يكتفون بكلمة، أو مقالة، أو موعظة، أو محاضرة، أو صرخة، أو بتسجيل موقف. قبل كل شيء، ثمة ضرورة ماسة للبدء بمحاربة الرذيلة من عمر الطفولة، في البيت، ومتابعتها في المدرسة والجامعة وأماكن العمل، وإكمالها حتى عمر الشباب والنضوج. ينبغي توعية وتربية الأهل أولا، والمعلمين والمربين. هذا عمل جبار لا ينبغي أن ينتهي. إنه عمل جماعيّ تتوحد فيه وتتعاون نخب الإعلاميين والمُرَبّين والأساتذة ورجال الدين، بتشجيع ودعم معنويّ وماديّ قويّ من الدولة، الدولة الفاضلة، دولة القانون والمؤسسات والفضائل، وتحت حمايتها، لإنجازه. إنه عمل يتطلّب إرادة قوية وتواضعا وصدقا وصبرا ووعيا ونضوجا ومحبة وقيادة حكيمة.

               معلوم أن بناء الفضائل في روح الإنسان وسلوكه، عبر مراحل حياته، عمل صعب جدا. أما الرذائل فهي لا تحتاج إلى أيّ مجهود لبنائها. هي تنبت بسرعة رهيبة دون عناية، تماما كالشوك والعلّيق، وتخنق بلحظة واحدة الفضائل التي لم يكتمل بناؤها بعد، كما يخنق الشوك الأزهار الطريئة العود. إذًا، عملية بناء الفضائل عملية متعبة، سرعان ما يملّ منها ضعيفو الإيمان والإرادة. إنهم مُعَرَّضون لأن يملّوا حتى من فضائلهم وهم في طور بنائها وممارستها، من خلال احتكاكهم اليوميّ مع الحياة المليئة بقساوة قلوب الناس وأنانيتهم وكبريائهم وقلة صدقهم وأمانتهم وتناتشهم الشرس للقمة العيش، فَيٌصْدَمون وفيستسلمون ويتوقفون عن الجهاد الروحي والأخلاقي الذي بدأوه. 

               إنّ النُّخَبَ الروحية والتربوية والإعلامية والسياسية هي المسؤولة، إلى درجة كبيرة، عن تفشي الفساد والرذيلة في لبنان، وعن خطر انقراض الفضيلة. بعض هذه النُّخب يملّون بسرعة من لعب دور نور العالم وملح الأرض حتى النهاية، ويضعفون أمام عظمة ورهبة هذا الدور، وأمام طغيان تيار المال والفساد والرذائل، ولو لم يَنجرفوا هم أنفسهم كالآخرين في هذا التيار. إنهم يملّون من لعب دور المثال الصالح الحيّ في تجسيد وعكس نور الفضائل السامية، لسائر أفراد الشعب، ولكل زعماء الطوائف المتكبرين، الفاسدين. إنهم يملّون من لعب دور الراعي الصالح من أجل قيادة خراف الوطن المشتتة إلى المراعي الخصيبة، مراعي الإزدهار والسلام والفرح والطمأنينة والمحبة والحرية. غير أن معظم الخراف تفضّل أن تصغي، بالوراثة (وهنا السرّ الغامض، الكبير، المجهول) إلى صوت رعاتها غير الصالحين، وأن تظلّ تتبعهم حتى إلى مسالخ الموت.

الثورة على الذات لاكتساب الفضيلة

               إن وطن الرسالة، وطن الفضائل، يلزمه ثورة دائمة على الذات، وبناء مستمرّ وثابت له بالقول والعمل. إن بنّائي الروح والأخلاق الأقوياء لا نراهم ولا نسمع بهم. هم غير موجودين في ضجيج الأسواق والمحلات العامة، وعلى مسارح التهريج والتفاهة والرذيلة وشاشات الإعلام المبهرة. إننا نرى فقط رجال الأعمال والساسة الأغنياء يصرفون مبالغ هائلة من المال لاستثمارات في بناء فنادق، ومطاعم، ونواد ليلية، وأوكار للرذيلة، وتجديد واستثمار أسواق عتيقة في المدن لا تطأها أقدام الفقراء، ومُجَمّعات سكنية فخمة، فارغة، لا سكنى للفقراء فيها. والذين يلعبون دور النُّخَب الصالحة يعجِزون عن البدء بعملية البناء، بناء الفضائل، ومتابعتها، إذْ إنّ تفشي الفساد والرذائل تفشّيا مخيفا في نفوس أغلبية زعماء الطوائف والساسة وحلفائهم من رجال أعمال ومال ومصارف وإعلام وأتباع، يجعل من مهمتهم مهمة شبه مستحيلة.

               وطن الرسالة لا يُبنى بالقوة. نعني، هنا، قوة الدولة التي تعاقب (بشكل إستنسابي وغير عادل) من يخالف القوانين من أبناء الشعب ويشكل خطرا على المجتمع وتودعه السجن. في السجن لا تؤدّب الدولة السجناء بتعليمهم مبادىء الأخلاق الحميدة، وأصول اللياقة والتهذيب واحترام الآخر والقوانين، ولا تعلمهم مِهَنا أو حِرَفا ليكتسبوا بواسطتها معيشتهم حين تنتهي مدة عقوبة السَّجن. في سجون لبنان، تزدهر الرذائل على أنواعها، لا الفضائل، ويخرج السجين، إن حالفه حظ "الواسطة" وخرج، أسوأ ممّا كان قبل دخول السجن، وأشدّ خطرا على المجتمع. سجون لبنان معاهد لتخريج خبراء في الإرهاب والسرقة وكل أنواع الرذائل. وجود الدولة ضروري، لا شكّ، من أجل حفظ الأمن والإستقرار وحماية المواطنين، ولكنّ الدولة نفسها تستطيع، إلى جانب فرضها احترام القانون، أن تفعل الكثير في مجال محاربة الفساد والرذيلة في المجتمع وفي السجون، حين تفرض على الشعب برامج تربوية رصينة لكل الأعمار، وبكل الوسائل المتاحة، في المدرسة والجامعة والإعلام المرئيّ والمسموع والمقروء، وحين يكون الحكام أنفسهم قدوة للشعب في ممارسة الفضائل، لا في ممارسة الرذائل بكبرياءٍ وتباهٍ، وبتفوّقٍ باهر، كما هي الحالّ، ثم تتطلّب من الشعب أن يكون فاضلا وكاملا، وحده، وإلا يَلقى عقابه. الذين يمارسون دائما الفضيلة في الحكم، كم هو عددهم يا تُرى؟ هل هم موجودون؟

نظرة تفاؤل بالمستقبل

               نريد أن ننهي محاولتنا هذه لفهم واقع لبنان بين الفضيلة والرذيلة، وإمكانية تحقيق فكرة وطن الرسالة في جوّ فكريّ وروحيّ وأخلاقيّ موبوء وطنيا وإقليميا وعالميا، بكلمة تفاؤل وأمل وفرح، مهما بدا ذلك غريبا.

               إن وطن الرسالة، لبنان، ينبغي على اللبنانيين، بكلّ طوائفهم، أن يحقّقوه. إنه سبيل الخلاص الوحيد لهم جميعا ممّن يتربّص بهم شرا من أعداء حقيقيين وأصدقاء غير صادقين، ويخلق لهم، باستمرار، جحيما وتعاسة، معتمدا على سياسة "فرّق تَسُد". إنه أيضا سبيل الخلاص الوحيد لهم من سجن أنفسهم حيث هم أسرى الجهل والتعصّب والغرور والكبرياء والأنانية وعبادة صنم الزعيم. إن وطن الرسالة-الفضيلة (كما الوطن العلماني) يوحّد كل اللبنانيين، ويذيب كل أنانياتهم العرقية والقومية والمذهبية والدينية والطائفية التي كانت، وسوف تظلّ، مصدرا دائما لخلافاتهم وتناحرهم وتباغضهم، في جوّ روحيّ واحد، تسوده المحبة. الوحدة هي الأساس. وحدة في احترام الآخر ومحبته، وفي محبة الوطن والولاء للوطن لا لحكومات الخارج. وحدة المصالح والهدف والمصير والمبادىء الصالحة والفضائل. في الوحدة قوّة. هذا مبدأ معروف، بحاجة إلى تطبيق. القوة المعنوية التي ينبغي على اللبنانيين أن يحققوها في نفوسهم هي القوة النابعة من وحدتهم، ومن معرفة الفضائل، وحبّها، وممارستها. هذه القوة المعنوية تعطي الوطن اللبنانيّ مناعة قوية ضدّ كل الشرور والإغراءات، وتفرض على كل الدول أن تحترم هذا الوطن الصغير، وهي كفيلة بأن تبني لبنان الرسالة، لا لبنان الأنانيّات المنتفخة، المتكبرة، المغرورة، الجاهلة، عابدة الذات والزعيم والقبيلة والقومية والسلالة والمذهب والمال والسلطة، وبأن تحمي هذه الرسالة في كل الأوقات. هذه القوة المعنوية الهائلة تُسهّل بناء دولة قوية تمارس الفضائل لا الرذائل، وبناء قضاء نزيه مستقل منيع، وبناء جيش قويّ بكل معنى الكلمة، يحمي الشعب الموحّد، والدولة الفاضلة، ورسالة لبنان السامية، ونكاد نقول "السماوية".

زمن النِّعَم

               هنا والآن، لا يمكننا إلا أن نتوقف قليلا لنذكر، بكل تواضع وفرح، إستفقاد السماء، في هذا الزمن الرديء، للبنانيين من كل الطوائف، استفقادا منقطع النظير وغير مسبوق، من خلال ظهورات قديسين لبنانيين وإجراء معجزات شفاء على يدهم (القديس شربل مخلوف، والقديسة رفقة الريّس، والقديس نعمة الله الحرديني، والقديس اسطفان نعمة، والقديس بشارة أبو مراد).

               ألسنا، يا ترى، في موقع ملائم وقويّ، في زمن النِّعَم هذا، لكي نستنتج، نتيجة هذا التدخّل السماويّ الرحيم المحبّ، أن للبنان، ربما، دورا مقدّسا، ورسالة سماوية على الأرض، تُهَيِّئُهُ السماء لهما بحسب توقيتها السرّيّ الحكيم، ليكون شاهدا حيًّا للحب والسلام على أرض تتكاثر فيها الشرور؟ 

               ألا يتوجَّب على اللبنانيين ألّا يتردّدوا لحظة واحدة في أن يتجاوبوا مع نداء السماء، وأن يساعدوا أنفسهم لتساعدهم السماء، فيقبَلوا بمشيئتها الصالحة ويتهيأوا بفرح، وبملء إرادتهم، للعب هذا الدور، ونشر هذه الرسالة، في عالم متكبّر، صاخب، مجنون، مبلبل الألسنة والرؤى، يحاول، في سكرة قوته وعظمته وبطره،  أن يستقلّ عن السماء، لا بل وأن يُنْكِرِ وجودَها؟

خاتمة: الخيار الحتميّ للبنان وطن الرسالة

               في نهاية المطاف، فلنسأل أنفسنا بإلحاح:

               هل يبدأ اللبنانيون، شعبا ونخبا وساسة، عملية الثورة على أنفسهم، وعملية بناء وطنهم لبنان، ورسالة وطنهم؟ متى؟

               ومن تراه يكون القائد العظيم المُلهَم والمُلهِم ليقود، حتى النهاية، هذه الثورة العظيمة، المباركة، على الذات الخانعة، المبعثرة، الضائعة، الغارقة في رمال صحاري الجفاف الروحيّ، ثورة الفضيلة على الرذيلة؟

               لعلّ الأشياء الشعرية الرائعة التي قيلَتْ، قديما، عن أرض لبنان، تتحقّق في الواقع:

               في المزامير (92: 12): "الصدّيق كالنخلة يزهو كالارز في لبنان ينمو".

               في إشعيا (29: 17): "أليس في مدة يسيرة جدا يتحوّل لبنان بستانا والبستان يُحسَب وعرا"؟

               وفي نشيد الأناشيد (4: 15): "ينبوع جنات بئر مياه حية وسيول من لبنان".

               أجل، لعلّ هذه الرؤيا الرائعة تتحقّق، وفي زمن قريب جدا، في لبنان، من أجل أن يفرح قلب شعب لبنان المُعذّب، المُتلهِّف إلى الخلاص، حين يتحوّل هذا الشعب، بنعمة من السماء وبجدّه الشخصيّ، صدّيقا كالأرز في لبنان ينمو، وبستانا للفضائل، يفوح أريج أزهاره المقدّس في كل الأرجاء، وينبوعا للفضائل تسيل مياهه الصافية الشافية في شرايين وعروق قلب العالم القاسي، فتطرّي تصلّب هذه الشرايين وهذه العروق، وحين يتحوّل إلى بئر مياه حيّة، محيِيَة، يقصده العالم المُتَعَطِّش إلى الراحة والسلام والمحبة، ليرتويَ من مياهه.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه