إنّ الفلاسفة والمفكّرين والعلماء قد أعطوا الإنسان أكثر من تحديد واحد، في محاولة منهم لفهمه، قدر الإمكان، بكيانه الجسدي والنفسي والروحي. لقد وصفوه بالحيوان العاقل، والناطق، والحرّ، والضاحك، وب"كائن الأبعاد"، والمالك، وحده، لإحتمالات كينونة وصيرورة لانهائية، وللمعرفة والوعي بأنه كائن مائت، وخالد. إن جميع هذه الأوصاف والخصائص (وأبرزها وأساسها هو العقل) تميّزه من سائر الكائنات المشاركة له في سُكنى الأرض، وفي جوّ النظام الثابت للزمان والمكان.
 
               إن الإنسان، إذًا، يُفَكِّرُ ويعملُ ويتصرّفُ وينمو بطريقة تميّزه من تلك الكائنات التي يحكمُ وجودَها قانونٌ طبيعيّ خاص، صارم، دقيق، لا قدرة لها، بحكم تكوينها المحدود، النهائي، أن تعِيَه أو تفهمَه أو تغيّره، كجمود الصخر والتربة، مثلا، أو حركة الفصول والطقس والماء والريح والنور وكوكب الأرض وسائر الكواكب، أو نموّ الأشجار والأزهار، أو غريزة الحيوان. إن الإنسان العاقل يستطيع، مع الوقت، ومن خلال التعلّم بالإختبار والتجربة والخطأ، أن يحرّر نفسه من نفسه، أي من سلطة الجمود والغرائز والأهواء واللّاوعي، لينموَ ويتطوّرَ بتفكيره وسلوكه وحياته ككائنٍ واعٍ، حرٍّ، قادرٍ ومدعوٍّ أن يكون كاملا، وسعيدا. إنه، بتعبير آخر، مُؤهَّل، بِحُسْنِ استعمال العقل والحرية والإرادة، أن يقرُبَ شيئا فشيئا من الكمال، ويبعد شيئا فشيئا عن جماد الطبيعة البكماء، والغريزة الحيوانية العمياء، ويحقّق مستوى لائقا من الإرتقاء الفكري والأخلاقي والروحي والحضاريّ.

               هذه الحرية التي نعنيها، والنابعة من العقل، هي الحرية التي تسمح للإنسان بأن يختار لنفسه ومجتمعه نظاما سياسيّا تُحترَمُ فيه القوانين، يعكسُ شخصيته الواعية، ورؤيته الواضحة لمستقبل مشرق، زاهر، وينظّم حياة المجتمع الواحد في الوطن الواحد تنظيما دقيقا سليما، يكفل، لجميع أبنائه (طبعا، بوجود ساسة شرفاء، صادقين، حكماء، أحرار، وجيش قويّ، وقضاء عادل، حرّ، نزيه، غير "مُسّيَّس"، ومربّين ومعلّمين مُثقَّفين، واعين، محبّين، إلخ...) الإستقلال والسيادة والحماية والأمن والصحّة والعمل والإستقرار والسلام والإزدهار والبحبوحة والعدل والتربية والتعليم والثقافة وحرية الفكر والرأي والمعتقد، وبكلمة، يكفل هذا النظام ضمانات كاملة لحياة كريمة، آمنة، من عمر الطفولة حتى الشيخوخة، وينظّم، أيضا، وبنوع خاص، علاقة الوطن بسائر الحكومات والشعوب.

               هل نتمتّع، في وطننا لبنان، بحرّية عاقلة من هذا النوع؟

               بحسب الواقع الذي يعيشه الشعب اللبناني، منذ الإستقلال حتى اليوم، من خلال الممارسة السيّئة لنظام ديمقراطيّ طائفي هو، بحدّ ذاته، سيّء، ألجواب القاطع، غير المتردِّد، هو: لا. 

               صحيحٌ أننا، ظاهريا، شعب يتمتّع بنظام ديمقراطيّ حرّ، يخضع فيه الجيش للسلطة السياسية، ويَنتخِبُ فيه الشعب (مصدر السلطات الطائفية)، ممثليه في الحكم (مصدر المال والحماية الطائفية)، وبحرّية إعلام وفكر وعقيدة ودين ومذهب (هي مجموعة حريات). وصحيحٌ أن كلمة حرية هي على كل لسان وشفة. غير أنها، حين التطبيق، نسبيّة، ومجرّد وجهة نظر (كالعدالة، مثلا، والحقّ، والمساواة، والمصلحة الوطنية...)، بحسب كبرياء ومزاج ومصلحة كل شخص أو جمعيّة أو حزب أو طائفة أو زعيم. إننا، شعبا وساسة، نعيش الحرية بمعناها الأنانيّ، والخاطىء والمبتور والمشوَّه والمتوحِّش والفوضويّ، لا بمعناها الإنساني الذي يعني احترام حرية الشخص الآخر واحترام القوانين والأنظمة.  بوجه عام، وباختصار شديد، يمكننا البدأ بالقول، هنا والآن، بأن لزعماء الطوائف مفهوم واحد للحرية، وهو أنهم يفعلون ويقولون ما يشاؤون دون أن يتجرأ أحد على محاسبتهم ومحاكمتهم، في دولة لبنان الديمقراطية، دولة الجميع، و/أو في دولهم الطائفية الخاضعة لديكتاتورية زعمائها ورؤسائها، والمستقلّة بحضارتها، وتاريخها، وقوانينها، وإعلامها، ومدارسها، وجامعاتها، ومستشفياتها، وحتى بشهدائها في حروبها الداخلية ضدّ الطوائف الأخرى، لا في حروبها ضدّ أعداء الوطن المشتَرَكين. والحرية، بالنسبة لمعظم أبناء الشعب، هي الشيء عينه، مع الإحتماء الدائم وراء زعماء الطوائف، من عين ويد قانون الدولة.
 
               إنّ حرية الإعلام والفكر والتعبير عن الرأي والنقاش والحوار، تتحكم بها سلطة المال والمصالح الشخصية، المرتبطة بحكومات الخارج. وهي تتحوّل، في غياب دولة القانون والمؤسسات القوية والعادلة، وفي غياب الضوابط النفسية والأخلاقية عند ممارسي حرياتهم الخاصة، الفوضوية، من شعب وساسة، إلى حفلات هجاء وشتم وإهانة وسخرية وتذاكٍ، بين الساسة أنفسهم، وبين أزلام وإعلاميّي كلّ منهم، ويعطونها، أحيانا، على مواقع التواصل الإجتماعيّ، إسمًا جديدا، رقيقا، ناعما، مهذبا، وهو "تغريد". هذا ال"تغريد" العنيف والسامّ والمتواصل، هو، في الحقيقة، بعيدٌ بُعْدَ الثَرى عن الثُريّا، عن تغريد البلابل والحساسين الرائع، الساحر، في فصل الربيع والصيف. إنه أشبه بزئير النمور وعواء الذئاب وفحيح الأفاعي.

               وأيضا، على سبيل المثال، إنّ تحريك القضاء (كون القضاء المظلوم والمُكبَّل اليدَين، كما هو معروف، يخضع لتوجيهات الساسة النافذين في الحكم، ولا يتحرّك من تلقاء نفسه، بل إثر غمزاتهم له) ضدّ من يُتَّهم (ولو زورا)، بأنه يتعدّى حدود الحرية المسؤولة، وحدود التهذيب واللياقة، ويقلّل من احترام المتربّعين على عروش الحكم في انتقاداته لهم، أجل، إن تحريك القضاء هذا، إنما هو عملٌ إستنسابيٌّ ومزاجيٌّ وكيديّ وإنتقاميّ، وليس عملا من وحي إحقاق الحقّ وتحقيق العدالة والدفاع عن الحرية المسؤولة للتعبير والفكر.

               في لبنان، ثمّة تنافس (لا مثيل له في دول العالم قاطبة) بين أفراد الشعب ممّن يتمتعون بحماية ودعم ممثليهم النافذين في الحكم (الكلمة السحرية هي "واسطة" أو "ظَهْر")، على من يسيء استعمال الحرية أكثر، ويتحدّى ويكسر ويخالف قوانين السير، مثلا، والبناء، والإعلام، والحفاظ على البيئة من تلوّث وتشويه النفايات والكسارات والمرامل، وكل أنواع القوانين التي وُضِعَت وغايتها الجوهرية احترام وجود الشخص الآخر وتنظيم حياة المجتمع في بيئة صحية، نظيفة، والتي يشعر اللبنانيّ، بسبب من كبرياء غير مبرَّرَة وغير مفهومة، أو بسبب من جهل أو طيش، بأنها (أي القوانين) تأسُر حريته الشخصية، وتهين عنفوانه وكرامته. إنه لا يعي أبدا، ولا يريد أن يعيَ، بأن القوانين وُجِدَت من أجل خير المجتمع البشري الذي ينتمي إليه، وأنها هي وحدها الكفيلة بحماية حياته وحقوقه وحريته وكرامته وأرضه هو وشركاؤه في الوطن. والسرّ العجيب الغريب هو أن اللبنانيّ يتحوّل، فجأة، وبسحر ساحر، في دنيا الإغتراب، إلى حمل وديع، وإنسان مطيع ومهذّب، يحترم قوانين البلدان التي يعيش فيها، لا حبا بهذه القوانين واقتناعا بجدواها، إنما خوفا من العقاب الصارم حيث لا "واسطة" ولا "ظهر" في الدولة، ولا رشوة. لماذا، فقط في لبنان، تحدّي اللبناني للقوانين هو حلال وإنجاز عظيم، ومصدر لذة وقوة وافتخار وتباهٍ؟ لأنه يربى في هذه الأجواء منذ الصغر، في ظل حماية الزعيم والطائفة. على كل حال، إنها، بالفعل، ظاهرة مَرَضِيّة في لبنان، تشمل الشعب والزعماء على حدّ سواء، وتستحق دراسة خاصة من أصحاب الإختصاص في علم النفس والأخلاق والإجتماع والأنتروبولوجيا. أما الشفاء من هذه الظاهرة، فلا ننتظرنّه على جناح السرعة، ولو بعد مئات الدراسات.

               إنّ أيَّ مراقبِ للوضع اللبناني الإجتماعي والسياسي، وأيّ متعاطٍ مع هذا الوضع الفوضويّ عن قرب، كل يوم، يلاحظ، دون كبير عناء، بأن الشعب يحتاج، بمعظمه، بطبقاته الغنية والفقيرة، وبكل أعماره، إلى تربية مدنيّة صحيحة، وإلى ما يُسَمَّى ب"إعادة تأهيل" في هذا المجال، من أجل خلق روح المسؤولية والمُواطَنَة الصالحة في نفوس أبنائه، وتوعيتهم على وجوب وكيفية ممارستهم لمفهوم الحرية الحقيقي، في التعاطي اليوميّ مع شركاء الوطن. 

               ولكنْ، من تراه يجرؤ على إعلان هذه الحقيقة، واقتراح وطرح هذا المشروع، ومحاولة إقناع الشعب والساسة به، دون المسّ بعَصَبِ كبرياء الشعب والزعماء الحسّاس جدا، ودون إغاظة الإثنين إغاظة كبرى، واستقطاب واجتذاب عواصف وبروق ورعود وصواعق الرفض والشتم واللعن والإنتقام، من علياء سماوات الآلهة؟

               والشيء عينه ينطبق، بنوع خاص، على كل مدّعي الكمال والعظمة والعصمة من معظم "الطبقات العليا" من "نُخَب" الحكم والثقافة والإعلام وحديثي النعمة في كل المجالات. ولكن، في هذه الحال،ِ ثمّة احتمال كبير بأن يتعرّض مقترح مشروع "إعادة التأهيل"، للمحاكمة والسجن، ولإخضاعه، هو وحده، في نهاية المطاف، لعملية "إعادة تأهيل" عنيفة في السجن الإنفرادي، تعيده إلى "صوابه"، وإلى صفوف الراضين بالذلّة، والخاضعين والمصفقين لجلّاديهم وسجّانيهم.

               ومن تراه يجرؤ أن يقول للحكام (ولحلفائهم المعروفين من تجار ورجال أعمال ومال وأصحاب مصارف)، بأنهم لا يحسنون أبدا استعمال الحرية حين يستدينون المال من الخارج بحجة خدمة الشعب الفقير وإسعاده، ثم يختفي المال في جيوب أشباح الفساد ولا مشاريع تسعد الشعب وتغنيه. ثم إنهم يتابعون ظلم الشعب، وسرقة ماله واحتقار تعبه وعرق جبينه، وإذلاله، وقتله قهرا، بإسم "حرية" هي من إختراع أمزجتهم المتكبرة وأهوائهم الطمّاعة، المتوحّشة، من خلال الفرض المتواصل للضرائب عليه، وتدنّي الأجور المخجل، ورفع الفوائد والديون والأسعار وغلاء المعيشة، وجعل هذا الشعب المعذَّب يكمل عيشه في جحيم الفقر والمرض والقلق والتعاسة ونزاع الموت البطيء، في الوقت الذي يتمتّعون فيه، هم وحدهم مع عيالهم وأزلامهم، بكل نِعَمِ وخيرات وبركات نعيم الحكم؟ 
      
               ثمّة من يجد أعذارا أو "أسبابا تخفيفية" للسلوك اللبناني الفوضوي، ويعزو ذلك إلى الحروب المتتالية والوصايات التي فُرِضَت على لبنان، الوطن الضعيف، غير الموحّد بطوائفه، عبر تاريخه القديم والحديث، والتي أدّت إلى تنافس زعماء الطوائف على القوة والسلطة والعنفوان والمال والتبعية لدول الخارج، والحرص على تأييدها ودعمها لهم لا للوطن، وإلى حالة من التفلّت من سلطة القوانين والأنظمة وكسرها، من أجل إثبات الوجود والقوة، ممّا أدى إلى الإستخفاف الدائم بالشعب اللبناني، وباستباحة أرضه وإرادته وكرامته ووجوده بالذات، من قبل بعض الدول المعروفة. ولكنْ، مع تفهّمنا الكامل لكل ما مرّ على الشعب اللبناني من مآسٍ عبر تاريخه الطويل، نعرف أن ثمة شعوبا أخرى قد عانت الكثير من ويلات الحروب أيضا، ولكنها عادت، بفضل الإنسجام والتعاون بين الشعب وقادته، وبفضل إرادة وطنية واحدة، فبنَت نفسها بنفسها بشكل أفضل وأقوى، كدول مؤسسات وقانون، وفَرَضَتْ احترامها على سائر الدول. لا لزوم، هنا، لخلق الأعذار، ولا فائدة منها، لا للشعب كشعب مسكين، مظلوم، ومُستغَلّ (برضاه) من زعمائه، ولا للسياسيين (مع جوقة حلفائهم من إعلاميين ورجال مال وأعمال ودين) الذين هم، في الحقيقة، كونهم في مركز قيادة ومسؤولية، أوّل من تقع عليهم الملامة الكبرى في استضعاف شعب هذا الوطن من جميع الدول دون استثناء، وفي إفقاره وتخلّفه وشرذمته واستعباده. إنهم يحتكرون ويعشقون لعب أدوارٍ عظيمة، ولا يجيدون لعبها لصالح الشعب، بل لتمجيد أنفسهم وحسب. هي أدوار أكبر منهم بكثير. إنها أدوار تليق بالنخب الجيدة القليلة، الواعية، المتواضعة، الحكيمة، الصامتة، المتحرّرة من روح التعصّب والمذهبية وحبّ المال والأنانية، والتي لا تخاف على نفسها من توعية الشعب على حقوقه وواجباته ومسؤولياته ومصيره، وتحريره من كل رواسب وعقد الماضي، ومن عبادة أصنام الطائفة والقبيلة والعِرق والزعيم. 

               إن تقصير الساسة العتاق والجدد المزمن، المتوارَث بشكل عجيب، محيِّر، في مجال خدمة الشعب وبناء ازدهاره ومستقبله، وتحريره من ذاته الجاهلة، المتعصّبة، السجينة لهم، هو جريمة كبرى بحدّ ذاتها، جريمة تتكرّر بشكل مُزمِن، وتبقى بلا عقاب. إنهم، في الحقيقة، وفي باطنهم الخبيث، لا يملكون النيّة الطيبة والإرادة الحسنة من أجل مساعدة الشعب على تحقيق أية درجة من الوعي والتحرّر والإزدهار، لئلا يفقدوا، هم، زعامتهم الأبدية، المبنية، أصلا، على المحافظة على جهل الشعب وتعصّبه لهم وفقره، وعلى تغذيته دائما بالتملّق والمديح والكذب والوعود والأوهام، من أجل استعباده، برضاه وبموافقته، دون أن يدري، ودون أن يجرؤ أن يشكّ بنواياهم المبيَّتة، المبطّنة.

               ينبغي على كل مسؤول حرّ (هل هو، حقا، موجود هذا المسؤول؟) يحبّ، بصدق وإخلاص، وطنه، لا المال والمجد والحكم والشهرة والعظمة، أن يكون شجاعا ويصارح الشعب اللبناني بالحقيقة ولو جارحة، عن الشعب نفسه في حال لم يصغِ إلى صوت الإصلاح ولم يتجاوب معه، وعن نفسه، في حال فشل في أداء مهمته، وعن السياسيين الفاسدين، المعرقلين لنجاح هذه المهمّة.

               في الحقيقة، إن محبة الشعب تفرض على كل سياسيّ (كما تفرض على كل مصلِح ومُرَبّ ومفكر، وكل مسؤول زمني أو روحي)، أن ينبّه أبناء الشعب ونُخَبَه، بصدق ودون هوادة أو خوف أو مواربة، على أخطائهم، وأن يثقّفهم ويساعدهم على الوعي والتحرّر من غرائز الجهل والخوف والعنفوان والتعصّب والأنانية والغرور والكذب والفوضى. وينبغي على أصحاب السلطة أن يقلعوا عن عادة تأمين ما يُسمّى بال"واسطة" وال"غطاء" لأزلامهم ومنتخبيهم (هل يفعلون؟)، وردعهم، بذلك، عن ميلهم الدائم إلى مخالفة القوانين وكسرها والإحتماء بزعيم الطائفة، ولو على حساب إزعاج خاطرهم وخسارة أصواتهم في الإنتخابات.
 
               إن معرفة الحقيقة هي المدخل الوحيد إلى ملكوت الوعي والحرية والوحدة. نحن، في لبنان، علينا أن نقرّ ونعترف بأننا لسنا واعين بما فيه الكفاية بعدُ، ولسنا أحرارا، ولا موحَّدين، إلا في النشيد الوطني، والشعر، وأغاني الفخر والحماس الشعبية. نحن، بالأحرى، مشروع وعي وتحرّر ووحدة، أي مشروع وطن، ما يزال في بدايته، وفي طور نموّ بطيء جدا وغير مكتمل، قد بقي، منذ الإستقلال حتى هذه اللحظة، في حال نزاع دائم، بين حيّ وميت، في غرفة "العناية الفائقة"، وقد شارف مرارا على لفظ أنفاسه الأخيرة.

               وعلينا أن نقرّ ونعترف، بشجاعة وصدق، بأننا قد فشلنا فشلا ذريعا، حتى اليوم، في تحقيق مشروعنا هذا. نحن، بكل بساطة، شعبا وساسة، نعطّله دائما، بسبب من كبريائنا وتخاذلنا وجهلنا، وانقساماتنا وتنافسنا وتناحرنا وعشقنا لعبودية المال والإثراء السريع مهما كلف الأمر، وسوء فهمنا وتطبيقنا لمعنى الحرية الحقيقيّ، الراقي والسامي، الذي يحترم ويقدّس حرية الشخص الآخر، وبسبب من قلة احترامنا، كل الوقت، لبعضنا البعض، ولفرط ما نمارس كسر الوصايا العشر المعروفة (لا تكذب، لا تشهد بالزور، لا تسرق، لا تقتل...)، وكسر مبادىء الأخلاق والفضيلة (محبة، صدق، إخلاص، تضحية، خدمة...)، وكسر القوانين (سير، بناء، إعلام، بيئة...)، ونجعل من نفوسنا أعشاشا للرذيلة والفساد. نحن، إذًا، نعطّل، بأيدينا، هذا المشروع-الرهان الرائع، وتأتينا أيضا، ودائما، بعض دول الخارج القوية والثرية، للتدخل في شؤوننا وفرض مشيئتها علينا بقوة إغراءات المال و/أو التهديد، من خلال ساستنا وإعلامنا، فنسمح لها، نحن بالذات (شعبا غير حرّ يعبد ساسته، وساسة فاسدين يعبدون المال والسلطة ومنابعها في الخارج، ويعشقون ممارسة حريتهم في شراء حرية الشعب في زمن الإنتخابات واستعباده كل الوقت)، بتعطيل وإفشال مشروعنا النبيل، بسهولة فائقة.

               في هذه الأجواء الخانقة من الظلمة والقلق والخوف وخيبات الأمل والمرارة والحزن، التي نعيشها من زمان بعيد، إذا بنا، اليوم، وفجأة، نشاهد أنوار بروق الأمل والرجاء تخرق هذه الأجواء، وننصت إلى رعود الوعود المتكرّرة، الصادرة عن فريق في الحكم قد صدق وأخلص ونجح في مقاومته للكيان اليهودي العنصري، وفي ردعه عن الهجوم على لبنان كما كان يفعل في السابق. هذا الفريق المقاوم والذي قدّم الشهداء والجرحى في سبيل كل الوطن، لا بعضه، قد قرّر، اليوم، أن يقود حملة مقاومة حازمة، مع حلفاء له يشاركونه الرأي عينه، ضدّ الفساد الأخلاقي، في الدولة، وهدر مال الشعب وسرقته، ومحاكمة الذين تثبت تهمة الفساد عليهم، أمام القضاء، مهما علا شأنهم، ومهما تحصّنوا وراء رؤساء وأبناء طوائفهم. 

               صحيح أن هذه الإرادة الجدّية، اليوم، لوقف الهدر والفساد، وإعادة المال المسروق، وإطلاق يد القضاء، وبناء دولة القانون والمؤسسات، قد تأخّرت كثيرا، ولكنها تبقى أفضل من لا شيء، وتأتي من فريق صادق، لتطلق شرارة نار تحرق الفساد، وشرارة نور وعي وتحرر للشعب اللبناني، لعلّها تكون شرارة لا تطفأ وواعدة، في ظلمات الوطن الكثيفة.

               يبقى لدينا بضعة أسئلة، لا يمكننا إلّا أن نطرحها، بصدق، على أنفسنا، بوحي من الأمل المتجدِّد بغد أفضل:

               -هل تحصل عندنا، معجزة بناء وطن واحد له قوانين واحدة، ودولة علمانية ديمقراطية حقيقية، حرّة، قوية، واحدة، تحكم بالعدل بين جميع أبنائها، وتسوس شؤونهم بحكمة، ونتحرّر، إلى الأبد، من تجبّر وتحكّم وظلم وباطنية زعماء الأوطان الطائفية والمالية في تعاملهم مع الشعب اللبناني، ومن خيانتهم الدائمة له بخضوعهم المذلّ واستغلالهم الخبيث (لصالحهم وحدهم لا لصالح الوطن) لمراكز القرار السياسي والمالي في دول الخارج؟ 

               -هل تحصل هذه المعجزة، عندنا، في لبنان، معجزة الوعي النيِّر للحقيقة، ومعجزة الإرادة القوية والشجاعة من أجل قول الحقيقة والتحرّر من عبودية الذات والساسة، وتحقيق الوحدة الشعبية الوطنية، في الإعلام والتربية وشراكة الحياة الكريمة؟

               -هل تحصل معجزة الصدق والتواضع والوفاء والنزاهة والتجرّد ونكران الذات والتضحية، في تفكير وسلوك "النُّخَبِ" في الحكم وخارجه، أولا، ومن ثمّ في تفكير وسلوك الأتباع والمؤيدين الذين يقتدون بساستهم في السرّاء والضرّاء؟

               -هل نتخلّص من قيود عبودية أبديّة قد أذلّتنا، بإسم "حرية" كاذبة، وهمية، وأنهكتنا على مدى تاريخنا الحزين، وهي قيود قد فرضناها نحن، شعبا ومسؤولين، على أنفسنا، وتناقلنا عدواها بالوراثة والتقليد والتربية الخاطئة، وأفسحنا مجال فرضها علينا للمصطادين في الماء العكر والموحل والآسن (أي في مجتمعنا)، ولكل أبالسة الجحيم وقراصنة المغامرات وشُذّاذ الآفاق الكثر، من كلّ حدب وصوب، ولخالقي الحروب والإرهاب والفوضى والإستعباد والسرقة والمجاعة والأمراض والموت في وطننا ومحيطنا، وفي العالم بأسره؟ 

               -هل تحصل معجزة بناء جيش قويّ، عددا وعدّة، ليحمي حريتنا وأرضنا ووجودنا ضدّ إرهاب الكيان العنصري في فلسطين، وضدّ إرهابييه؟ هل نتحرّر من عقدة الدونية والخوف من سطوة حكومات قوية وغنية معروفة تدعم الكيان العنصري، تغدق علينا بالوعود الكاذبة لمساعدتنا على بناء الجيش ولا تبنيه، وتمنعنا، في الوقت عينه، من التعامل مع دول أخرى مستعدة لبنائه وتسليحه تسليحا كاملا، ليجابه ويقاوم ويردع الأعداء، ومستعدة أيضا للمساعدة في حلّ ألْغَازِنا" المستعصية من كهرباء ومياه وغاز ونفط ونفايات وتلوّث؟ وهل نتحرّر من التذرّع الدائم، من أجل تسليح جيشنا (وحل سائر مشاكلنا)، بحجّة النقص في مال خزينة الدولة (المنهوبة من حماتها بالذات على مدى سنين طويلة)، وأغنياء لبنان الكبار الذين أكلوا حتى الشبع من خيرات هذا الوطن، كثيرون جدا، ولم يتطوّع يوما أحد منهم ليسدّ الفراغ والعجز، ولم يطلب منهم أحد، حتى الساعة، فعل ذلك؟
 
               -هل تحصل معجزة بناء قضاء نزيه، متحرّر من سلطة الساسة والمال، يحكم بالعدل والحقّ دون تمييز بين غنيّ وفقير، بين من له "واسطة" سياسية أو "حصانة" ومن ليس له إلا الله؟ وهل يتجرّأ القضاء على محاكمة الفاسدين في الحكم، الذين سرقوا مال الشعب بألف وسيلة ووسيلة، وقد أُثبِتَتِ التهمةُ على بعضهم (ومنهم من سارع إلى الإحتماء بأحضان طائفته)، وهل يصدر الحكم المناسب بشأنهم (بإسم الشعب اللبناني المقهور، مصدر السلطات المُستَغَل والمخدوع والمُستعبَد من الذين منحهم هذه السلطات)؟ وهل يُعادُ المال المسروق إلى مالكه الحقيقي، الشعب، ويوقف المتسلّطون في الحكم فرض الضرائب عليه؟ 

               إذًا، على هذا الرجاء البريء، الصالح، القويّ، رجاء الخلاص من قيود العبودية، ورجاء بناء دولة علمانية واحدة تجمع وتحضن وتحمي كل الطوائف، من خلال الجهاد السلميّ المقدّس ضدّ أهواء النفس، لتحقيق حرية الشعب اللبناني ووحدته وكرامته وازدهاره وسلامه، ومن خلال بناء قضاء نزيه، عادل، حرّ، وجيش قويّ جدا لحماية الوطن بشعبه ومؤسساته وأرضه ومنجزاته وحضارته، في جوّ أدغال شرّ متفاقم لا رحمة فيه للضعفاء، من صنع جبابرة العالم المتسلّطين، المتكبّرين، المستقوين بالمال والجيوش والسلاح المتطوّر، الذين يفترسون الفقراء والضعفاء، بكل حرية، وبإسم "الحرية"، وبإسم شريعة الغاب وبقاء الأقوى، ولا من يقدر أن يحاسبهم ويقتصّ منهم، أجل، على رجاء الخلاص أو، على الأقل، البقاء، قدر الإمكان، بمأمن من نير وشرّ قطعان ذئاب العنف والغدر والفساد والشراهة والنهش والإلتهام والإفتراس، يحيا، في لبنان، المخلصون لمبادئهم الصالحة، الأقوياء، المقاومون لأبالسة الجحيم بأقوى الإيمان، أي بالنيّة الصالحة والقول الصادق والفعل القوي، المتواضعون، الودعاء، الأوفياء، الصادقون مع أنفسهم ومع الآخرين، الأتقياء، النقية قلوبهم والنابضة بالمحبة والرحمة، فاعلو السلامة، المساكين بالروح، المُضطَّهَدون من أجل البرّ، والحزانى. طوبى لهم، لأنهم، بحسب الوعد الإلهي الصادق، ورجائهم الصالح، سوف يرثون الأرض والملكوت السماوي.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه