إن الإنسان يسعى، بشكل عفويّ، إلى تأمين راحته النفسية والجسدية، وتقوية مناعته، لمجابهة أي خطر يهدّد صفوَ عيشه. إنه، بقوة غريزة البقاء الطبيعيّة، اليَقِظَة، فيه، يحاول أن يتجنّب، قدر الإمكان، ويبتعد عن كل ما هو مصدر للإزعاج والإذلال والقلق والخوف والمرض والموت. غير أن الإنسان لا ينجح، معظم الأوقات، في محاولته هذه، لأنه ثمة دائما أشياء تشكل خطرا عليه.

               منذ بداية التاريخ حتى اليوم، وغريزة العنف والطمع في الإنسان تدير تحرّكات قادة الشعوب المتكبرون، المستقوون بسلاحهم ورجالهم ومالهم، في غزوهم واحتلالهم وقتلهم لشعوب أخرى ضعيفة، غير منيعة وغير محصنة للمقاومة، وتنكيد وتنغيص عيشها. لم يسلم أي شعب من دورة التاريخ البشعة، هذه، لا الشعوب الضعيفة والمسالمة، ولا الشعوب القوية، المحاربة. فقد دارت الدوائر على الجميع، وما زال التاريخ يعيد نفسه. وما زال القادة، بمعظمهم، حتى الساعة، لا يتعلمون شيئا من عبره ومآسيه وبطلان شروره وتفاهة وغباء "عظماء" التاريخ، ويعشقون، في عمى بصرهم وبصيرتهم، تكراره، لعلهم يصبحون، هم أيضا، "عظماء" كالذين سبقوهم في "صنع" التاريخ، وسكنوا القبور إلى الأبد، برفقة الدود والعناكب والظلام، هم وعظمتهم وجماجمهم وعظامهم.

               أمّا اليوم، وبعد إنشاء مؤسسة دولية، في 24 تشرين الأول، سنة 1945، إسمها "الأمم المتحدة" (إثر حربَيْن عالميَّتَيْن مُدَمِّرَتَيْن للبشرية جمعاء)، وخلق "شرعة حقوق الإنسان"، من أجل عدم تكرار الحروب بين الدول، وتسوية النزاعات فيما بينها سلميا وبالحوار، كرّرَتْ سخرية الأقدار المريرة، العبثية، التاريخ نفسه، على يد الذين افتعلوا الحروب وأسّسوا "الأمم المتحدة" وسنّوا "شرعة حقوق الإنسان"، وزرعوا، بواسطة القوة والإرهاب والمال والخيانة العربية، الكيانَ العنصري الإرهابي اليهودي في أرض فلسطين، وشرّدوا شعبها ونكّلوا به واضطهدوه.
         
                منذ ذلك الزمان، تتزايد الحروب والغزوات وأعمال العنف، والفقر والأمراض والتلوّث، وروح العنصرية والحقد، بشكل منظّم، مدروس، ومخطَّط له، في معظم الكرة الأرضية، من كوريا إلى فيتنام والشرق الأوسط وأفريقيا. وقد اتضح، شيئا فشيئا، أن العالم يسوده ويديره ويتحكّم به جبابرة الأرض الجدد من رؤساء دول وجيوش، يأتمرون بأوامر جمعيات سرّية بمسمّيات عديدة (أهل التلمود، الماسونيون، المتنوّرون، الصهيونيون، اليهود، القوة الخفية، الدولة العميقة)، بقيادة عائلة "روتشيلد" الفرنسية اليهودية. وقد أصبحت، اليوم، هذه "القوة الخفية" مكشوفة ومعروفة النوايا والأهداف والوسائل، وهي تملك معظم ثروات الأرض وأهمّ المصارف والبورصات، وتطمح إلى المزيد من السيطرة، بالقوة والمال، على الشعوب، وتنقيص عددها (من خلال الحروب والأمراض)، ونهب خيرات أرضها (من مياه ومعادن ثمينة ونفط وغاز...)، وقتل قوميّتها وحضارتها وشخصيتها ومناعتها وروح المقاومة فيها، من أجل استعبادها، في نهاية المطاف. هذه أمور ليست من نسج الخيال. إنها أمور يعترف ويتبجّح بها، عَلَنًا، قولا وكتابة وتربية وعملا، رؤساء وفلاسفة هذه الجمعيات السرّية، أبًا عن جَدّ.

               في لبنان الذي ذاق الأمرَّين في تاريخه القديم والحديث، من أطماع الدول وحروبها على أرضه ومن حوله، يحبّ الناس، في صراعهم اليومي من أجل الإستمرار في الحياة، ذكر ولفظ كلمة "مناعة"، التي تعني لهم صحّة الجسم الجيدة والقدرة على مقاومة كل ما يهدّد ويضرّ بسلامته من سموم موجودة في الماء والهواء والطعام، وكلّ عدوى الأمراض التي تنتقل من جسم إلى جسم آخر. إنه سلوك طبيعيّ، بحسب سُنَّة الحياة القاسية المعروفة، التي تقول بأن الإنسان الذي يتمتَّع بمناعة قويَّة يعيش ويبقى، أما الضعيف فلا. ويتهكّم بعض اللبنانيين، أحيانا، بقولهم: لم يَعْدْ يهمّنا أو يؤثر علينا شيء، فقد اكتسبنا مناعة ضدّ كل شيء. إنه تهكّم يخبىء وراءه مرارة شديدة وخوفا من الحاضر والمستقبل، في خضم معاناتهم الطويلة، المؤلمة، من مأساة النفايات وتلوّث الهواء والمياه، وفساد الغذاء والأدوية المنتهية الصلاحية، وتفشّي أمراض السرطان، ومأساة إصرار أهل الحكم على متابعة سياسة الإستدانة الكارثية، ومأساة الدين العام، والمزيد من الفقر والضرائب وغلاء المعيشة والأجور المتدنّية، ومأساة ارتفاع نسبة الجرائم والسرقات والتعدّيات وحوادث السير والإنتحار والموت المبكر، ومأساة الإنقسام الحادّ بين أبناء الشعب. إن أمَّ المآسي كلها وأثقلها، هي مأساة استلشاق السياسيين وزعماء الطوائف الدائم بالشعب اللبناني، واحتقار كرامته ووجوده. 

               إن "المناعة" تنطبق، أيضا، على الإنسان المحصّن بالتربية الجيدة والخبرة والعقل والإرادة، بمعنويات عالية ضدّ كل ما يهدّد كيانه الروحي والأخلاقي، من أفكار وفلسفات فاسدة هدامة، أو من عشرة رديئة شريرة، أو من تعاطي المخدِّرات على أنواعها، أو من غرائز متوحشة تسكن نفسه بالذات ولا تأمره إلا بالسوء، وهو في صراع وجهاد دائمَين ضدّ أهواء نفسه لبناء مناعته وتقويتها. 

               وتنطبق أيضا صفة "المناعة" على الوطن القويّ بجيشه، وسلاحه، ووحدة أبنائه من شعب وساسة، وإقتصاده، ووعيه، وثقافته، فيُقالُ عنه: إنه وطن قويٌّ، منيع، وهو محصَّنٌ ضدّ أيّ اعتداء غادر من أي عدوّ، أو ضدّ نيران الفتنة.

               في لبنان، لدى الناس (خاصة المرتاحين ماديا)، إجمالا، وعيٌ لا بأس به لِمَا يتوجّب عليهم عمله لاكتساب الصحة الجسدية الجيدة، والحفاظ عليها وعلى مناعتهم. فهم يهتمّون بما يأكلون ويشربون من خلال نظام تغذية مدروس وموزون، يراعي بدقة الوزن والعمر وكمية الوحدات الحرارية. ومنهم من يتطلبون بناء المزيد من القوة والمناعة من خلال التمارين الرياضية على أنواعها. 

               غير أن اكتساب المناعة الشخصيّة الروحية والفكرية والنفسية والأخلاقية، أمرٌ أصعبُ بكثير من إكتساب المناعة الجسدية. كما هو معروف، يستغرق بناءُ الشخصيّة وقتا كثيرا ولا يتمّ بسرعة، إذْ إنه يتطلّب تربية صالحة (في العائلة والمدرسة والجامعة)، وإرادة قوية لا يملكها كل الناس بالتساوي، ومجهودا يوميا جبارا، وقليلون جدا هم الذين لا يقنطون من المحاولة ويقرّرون متابعة الطريق الصعب حتى النهاية. وبناء الوطن المنيع هو صعب كبناء الشخصية المنيعة، كون الوطن هو مجموعة أفراد بكل تنوّعهم وتفاوتهم بالنسبة لمناعة شخصيتهم الفردية، فمناعته، هي، بكل بساطة، انعكاس وتجسيدٌ لمدى مناعة أبنائه وزعمائه. 

               نصل، بعد هذه المقدِّمات عن المناعة، إلى طرح السؤالَيْن التاليَيْن: 

               1) لماذا تنقص وطننا لبنان المناعة الضرورية لحماية نفسه من غزوات الطامعين وتدخلاتهم الوقحة، المزمنة، في شؤون حياته وكيانه وسياسته من أجل إضعافه وإفلاسه وطمس حضارته وثقافته ورسالته، ولحماية نفسه من الفقر والعوز والمرض والخوف، ومن فوضى الخلافات والنزاعات والإنقسامات بين زعمائه، وبين أبنائه، التي تكرّرت عبر التاريخ وما تزال حتى الساعة؟ 

               2) كيف السبيل إلى التخلّص من هذا الواقع المخزي والمؤلم، والمؤدّي، لا محالة، إلى الهلاك الذي بدأ بعض الساسة والإعلاميين وخبراء الإقتصاد يحذِّرون منه هذه الأيام؟ 

               واضح جدا لكل لبناني أن مناعة شعب لبنان ضعيفة جدا وشبه مفقودة (إلا في الأناشيد الوطنية والأغاني وشعر الفخر بمناعة الأرز الخالد وجبال لبنان الشاهقة، الصامدة) ضدّ سيطرة الدول القوية على إرادته من خلال السيطرة على إرادة سياسييه، لأنه شعب غير موحَّد، مؤلَّف من طوائف عديدة لم تثق كثيرا ببعضها البعض عبر التاريخ، وله قيادات تنجح دائما في بناء زعامتها على قوة المال وزرع الفتنة والفرقة وتغذية العصبية العائلية والقبلية والدينية والمذهبية والطائفية والعنصرية بين أبناء الطوائف في الوطن الواحد، وتستقوي على سائر الزعماء والطوائف، كي تستمرَّ زعامتُها، بدعم ماليّ ومعنويّ من الخارج، وأيضا من أغنياء الداخل اللبناني الطامعين إلى دمج التجارة والإستثمارات بالسياسة لزيادة صفقاتهم وأرباحهم وقوتهم وضمان حماية "القانون"، وإلى شراء مراكز في الأحزاب وفي الحكم. وهذه الزعامات فشلت في بناء جيش قوي، وتكتفي، حتى الساعة، بترداد الكلام الكاذب، الفارغ، بوجوب بنائه، وحسب. وتستدين مبالغ ضخمة من الأموال من دول الخارج والبنك الدولي بفوائد عالية، بحجة تنفيذ مشاريع عمرانية وإصلاحية في مجالات الكهرباء والمياه وغيرها، فتتبخر الأموال والمشاريع، وتزداد الديون والضرائب على كاهل الشعب للتعويض عن الخسارة وملء الخزينة الفارغة والتستير على فساد الساسة. ثمّ يكثر حديث الساسة (في الحكم وخارجه)، المتهَمين بالفساد، أو الحائمة حولهم تهم الفساد، مع إعلامهم، عن شبح فساد لعين، مجهول، وعن وجوب القبض عليه بسرعة ومحاكمته وسجنه، والشبح يبقى مجهول الهوية، وحرّا طليقا، وعن وجوب الإسراع بتحقيق نهضة إقتصادية تجنّب لبنان (أيْ شعب لبنان وحده) الإنهيار الإقتصاديّ (وهم بمنأى عنه)، والخبراء ينذرون بقرب حدوث هذا الإنهيار إن بقي الساسة على ما هم عليه من عناد وادّعاء الطرش وإصرار غير مُبرَّر على سياسة الإستدانة المشروطة والمذِلّة للشعب اللبناني، والساسة الغيارى على مصلحة الشعب اللبناني يتابعون، دون الإصغاء إلى صوت الحق والحكمة، سياسة الإستدانة الخاطئة، المؤذية لهذا الشعب الذي ترتكب بإسمه ومن أجله كل المُحرَّمات.

               هذه هي، بالمختصر المفيد، حقيقة الواقع، لا مجرّد تبسيط له. يخلق هذا الواقع ولاءات عدة للخارج، ويضعفُ جدا الولاء للوطن الواحد. ويخلق جوًّا من التكاذب والإحتيال والباطنية والفساد، والخلاف والتنافس والتناحر بين زعماء الطوائف على نهش لحم الوطن، أي الشعب، بإسم الحق والعدل والمصلحة الوطنية "العليا" والتوازن في الإنماء والإعمار، وفي توزيع حصص الحكم ووظائف الدولة (مغارة علي بابا، والمزرعة-البقرة الحلوب)، وتنتقل حمّى العدوى إلى أبناء الشعب غير المستفيدين بشيء من حصص الحكم وخيراته ومشاريعه، وتسكنهم بشكل دائم، وتوتّرُ أعصابَهم وتنغِّصُ عيشهم، ولكنهم سرعان ما يتأقلمون، مُرغَمين، مع هذا الأمر الواقع، حفاظا على كرامة وهمية في هياكل عبادتهم لأصنام العائلة والطائفة والمذهب والزعيم، ويصبح الأمر طبيعيا وجزءًا لا يتجزّأ من الحياة اليومية في صراع خفيّ، سلميّ، حينا، وصارخ، عنيف، حينا آخر، من أجل البقاء والقوة وإثبات الوجود. وينتج عن هذا الواقع المَرَضِيّ وغير المنيع، فقر وبطالة وهجرة، وحروب أهلية مدمّرة، كما حصل في الماضي البعيد والقريب، وحروب كلامية بذيئة، مُنفِّرة، بين الزعماء، وبين اتباع الزعماء، في الإعلام وعلى مواقع التواصل الإجتماعي، كما حصل بعد الإنتخابات النيابية الأخيرة في أيار 2018، حين اشتعل الخلاف بين الساسة السُّكارى بانتصاراتهم، على حصصهم بالحكومة والسبّب في إعاقة وتأجيل تأليفها، وكما يحصل اليوم، حتى بعد تأليف الحكومة، حول قيمة وقدسيّة أصنام جديدة وهمية إسمها "الأوزان" و"الأحجام" و"الحيثيات"، وحول من هو المسؤول عن أزمة الكهرباء والمياه والنفايات، وكل مصائب الشعب اللبناني، منذ عشرات السنين حتى اليوم. وقد نسيَ المتباهون بالأوزان والأحجام والحيثيات، أو تناسوا، بأن أكثر من نصف الشعب اللبناني قاطع الإنتخابات، وأن الأوراق البيضاء والملغاة كانت بعشرات الآلاف، وأن قانون الإنتخاب الأخير كان، بفذلكاته العجيبة الغريبة، قانونا خبيثا ومجحفا بحق المواطن اللبناني، ومقيّدا لحرية اختياره، ومنفّرا له. أمّا من هو المسؤول عن الفساد، فليتركْ جميع الغَيارى للقضاء، هذه المسألة، ما دام الجميع ينادون بكشف الفاسدين ومحاكمتهم، وبرفع اليد عن القضاء وإطلاق حريته، وليكفّوا عن تبادل حملات الإهانات والإتهامات العبثية. 

               إن المأساة المحزنة هي أنّ معظم الساسة اللبنانيين (مع عابديهم من الأتباع)، لم يتعلّموا أيّ درس من تاريخ لبنان الدمويّ، حتى اليوم، ولا يبدو أن مسألة إعادة هذا التاريخ السيّء على يدهم، تزعجهم. فهم ما زالوا مختلفين ومحتارين حول مسألة مفهوم الفساد والرذيلة والفضيلة، والمصلحة الوطنية الواحدة، ومفهوم الوطن، والصلاحيات، والدستور، والأرض، والأمّة، والقوميّة، والتاريخ، ومفهوم الصداقة ووجوب تنميتها مع الدول الصديقة الحقيقية، والعداوة، ومفهوم المقاومة للأعداء الحقيقيين ووجوب بنائها وبناء جيش قويّ في عالم يزداد توحّشا ولا يؤمن إلا بالقوة، وحول الولاء للوطن والولاء لدول أخرى في الوقت عينه. وما زالت مناعة الساسة والزعماء تجاه إغراءات مال الداخل والخارج ضعيفة جدا، أو حتى معدومة. هم وحدهم، يزيدون غنًى ورخاءًا وسعادة وطلاقة لسان وبلاغة، والشعب وحده يزيد فقرا وانكماشا وقهرا وتعاسة وصمتا وأنينا. والأمر المحيِّر جدا، هو أن الشعب التابع لزعماء الطوائف، يبقى، ورغم كل شيء، على ولائه المطلق وعبادته التي لا تُمّسُّ لهم، مهما فعلوا.

               وقد اكتسب الشعب اللبناني، على مرّ الأيام (وهذا أمرٌ كان، وما زال، وسيبقى سرًّا كبيرا، مغلقا، عصيّا على الفهم)، مناعة شديدة ضدّ تغيير نفسه، وضدّ تغيير ساسته، وضدّ الإصغاء الصبور، المحبّ، إلى شريكه الآخر في الوطن (حتى من الطائفة عينها) والحوار معه، وتفهّم همومه ومخاوفه، وهذا ينعكس بوضوح في تصريحات وتصرّفات الساسة وأتباعهم، وفي المآسي التي نزلت باللبنانيين. وتدبّ، أحيانا وفجأة، الحميّة في نفوس ممثلي الساسة "الأقطاب" من أجل الحوار، فيطول الحوار ويطول، ولا نتيجة عملية نهائية لهذا الحوار، وكأنه حوار بين أعداء لدودين، متكبّرين، لا بين أبناء العائلة الواحدة والوطن الواحد. وهم، في جوّ افتعال تمثيلية الحوار الجدّي هذا على المسرح الهزلي، يكتفون بالقول بأن الحوار كان مفيدا جدا، وأنه حقّق نجاحا كبيرا لمجرد أنه قد خفّف، ولو مؤقتا، من الإحتقان والتوتر في الأجواء. ولكنْ، سرعان ما تعود الخلافات التافهة تدبّ، من جديد، بين الزعماء المتكبرين. ولا بأس، وهم يتحاورون ويتناقشون ويتقاتلون وترتفع أصواتهم وقبضاتهم في الهواء، حول جنس الملائكة والأبالسة والآلهة، أن يرزح الوطن تحت خطر الكيان العنصري الإرهابي الدائم، واستباحته الوقحة لحدوده السائبة وأجوائه وبحره، وسرقة نفطه وغازه ومياهه، وأن يعاني الأمرّين من الفقر وغلاء المعيشة وثقل الضرائب والبطالة، ومن أمنه المهدّد المسلوب، ومن انقسامه على ذاته. ولا بأس أن يتبادل الساسة الشتائم والإهانات والإتهامات بالفساد للدفاع عن كبريائهم وصلاحياتهم، و/أو عن أولياء نعمتهم في الخارج، وعن مصالحهم الشخصية، فقط، لا مصالح الشعب. ولا بأس أن يبقى الوطن، من وقت إلى آخر، ولمدّة طويلة جدا، بلا رئيس جمهورية، أو بلا حكومة، أو بلا إجراء إنتخابات نيابية. ولا بأس أن تحدث فراغات في الحكم، كما تحدث في دول أخرى "راقية". ولا بأس أن يمدّد النواب لأنفسهم مدة ولايتهم مرتين لأسباب أمنية مُبالَغ فيها ومفتعلة، وأن يمدّدوا، معها، بؤس الشعب. ولا بأس أن يزيدوا رواتبهم، لا رواتب الشعب، لسبب تافه، مضحك، غير مقنع أبدا، وهو غلاء المعيشة. ولا بأس أن تتوقف كل المشاريع العمرانية والكهربائية والمائية والزراعية، ومشاريع معالجة النفايات وكل أنواع التلوّث. ولا بأس أبدا أن يظلّ المشاركون في كل الحوارات "الوطنية" المتكررة العقيمة، ينتظرون إشارة ما، وهمسة ما، وإيحاء ما، وإيماءة ما، وغمزة ما، من حكومات الخارج المتنازعة على تقاسم الكرة الأرضية، والتي تدّعي التجرّد والبراءة وعدم التدخل في شؤون لبنان، من خلال تعبيرها بتصاريح ناعمة عن نواياها الطيبة تجاه لبنان، وعن مدى محبتها للشعب اللبناني، في الوقت الذي تساهم فيه، من خلال أوكار مخابراتها في السفارات، بإفساد زعماء الطوائف بالمال، وزرع الفتن بين اللبنانيين، وحتى بمَدِّهم بالسلاح لتدمير الوطن (أي الشعب وحده) على رؤوس أبنائه، ساعة يشاء الزعماء وداعموهم في الخارج، ذلك، كما حصل في الماضي البعيد والقريب.

               إذا كان الشعب اللبناني وكل الساسة قد تعبوا، فعلا، وقرفوا من هذا الوضع الشاذ الذي وصلوا إليه، فلماذا لا يجتمع الساسة بإسم الشعب اللبناني، ليفعلوا شيئا مفيدا من أجل التحرّر من براثن الخارج، ومن براثن عِقَدِ الطمع وحب المال والعظمة في نفوسهم؟ ولماذا لا يوقفون الثرثرة والتفذلك والتحدّيات وتبادل الإتهامات، ويسارعون إلى الإتفاق على العمل، معا، في حكومة "إلى العمل" التي تمثل، كما يدّعون، كل "شرائح" الشعب اللبناني، وتعمل من أجله، ومن أجله فقط؟ لماذا لا يحصّنون الوطن بخلق مناعة قوية في ضمان الصحّة لجسد وروح أبنائه، وتربيتهم على محبة شركائهم في الوطن، وضمان وحدتهم ضدّ شرّ الحقد والفتن والكبرياء والمال والفساد، وضمان وجود قضاء نزيه، عادل، قوي، لا يأتمر بأوامرهم بعد اليوم، تماما كما يحصِّنون أنفسهم بدرع الحصانة النيابية التي منحهم إياها الشعب بانتخابهم كنواب عنه في الحكم من أجل خدمته وحمايته، أو كما يحصِّنون جسدهم وجسد عيالهم ضدّ الجوع والضعف والمرض والبشاعة والشيخوخة والموت المبكر، بكل أنواع الأكل المغذّي، والتمارين الرياضية المفيدة، وعمليات التجميل وشدّ الجلد وصباغ البشرة والشعر، والأسفار الترفيهية، وكثرة النوم المريح والأحلام الوردية؟

               إن بناء مناعة الوطن المعنوية تبدأ ببناء مناعة الفرد المعنوية. مناعة الفرد تبدأ ببناء الذات، منذ الصغر، بناءًا سليما بتعلّم ومعرفة وحفظ مبادىء الأخلاق القويمة والتديّن الصادق والمحبة الصادقة، وممارسة هذه المبادىء يوميا بالمعاملة الحسنة للشريك الآخر في الوطن. مناعة الوطن لا تكتمل ولا تتحقق إلا بعلاقة متواضعة، صادقة، وفيّة، مُتَبَادَلَة بين أفراد الشعب أنفسهم، وبين الشعب وممثليه. غير أنّ مسؤولية خلق مناعة الوطن تقع، وينبغي أن تقع، بالدرجة الأولى، على عاتق النخبة السياسية (بمعونة النّخب الإعلامية والفكرية والتربوية والدينية الواعية)، المَنوط بها واجب إدارة شؤون الشعب بإخلاص ونزاهة، وواجب تحمّل مسؤولية قيادته بحكمة، وخدمته بتفانٍ، وتحقيق ازدهاره الإقتصادي والثقافي، دون دون اللجوء إلى هدر وسرقة ماله، وإفراغ خزينة الدولة التي يملأها الشعب الفقير، وحده، بعرق جبينه، وبمال الضرائب الهائلة المفروضة عليه، شيئا فشيئا. وقد بدأوا، اليوم، يتناوبون على ترداد الكلام عينه على مسامع الشعب الفقير، حول ضرورة زيادة الضرائب عليه، بشكلٍ سلسٍ، ناعم، خبيث، مع الدعوة الخاشعة، والتهيئة النفسية الحنونة، الدامعة، له، إلى تقبّل فكرة تقديم "التضحيات المؤلمة" وحده، من أجل الوطن (وطن زعماء وساسة ورؤساء الطوائف لا أبناء الطوائف)، تضحيات لا يقدِمُ عليها ساسة الحكم الأثرياء، أصحاب ألقاب العظمة والحصانة (المُعفَون من دفع الضرائب)، هم وحلفاء المال والمصارف. 

               فهل يحاول يا ترى أعضاء النخبة السياسية، قبل كل شيء، التخلّص من المناعة القوية، المعشِّشة في نفوسهم والتي يتعلقون بها تعلقا عنيدا، ألا وهي المناعة ضدّ الإصغاء إلى صوت الضمير الحيّ في داخلهم وهو صوت الله، وضدّ الإصغاء إلى شكوى الشعب وأنينه وصوته الذي هو من صوت الله، وضدّ الإصغاء إلى نصائح العقلاء والحكماء، وضدّ تغيير أنفسهم نحو الأفضل؟ وهل يجرؤون على محاولة خلق وبناء مناعة قوية في نفوسهم ضدّ رائحة المال والرشوة، وضدّ خيانة شعبهم مع الغرباء، وضدّ كبريائهم وغرورهم وأنانيتهم، وضدّ عدم الإحساس بوجود الشعب، وأن يصبحوا ساسة حقيقيين بكل معاني الكلمة النبيلة السامية، أي رعاة مخلصين، أوفياء، شرفاء، متواضعين، صالحين، أقوياء، يحمون بعصاهم خرافهم وحظيرتهم من غدر وفتك الذئاب الكاسرة، ويقودون بمحبة ودراية وحكمة خرافهم التي وثقت بهم وأسلمتهم نفسها، إلى المراعي الخضر الخصيبة الآمنة، وإلى منابع المياه العذبة، الصافية، لا إلى المسالخ لتُذْبَحَ، ولا إلى أوحال المستنقعات الآسنة لتغرق وتختنق وتهلك؟ 

               إن المناعةَ التي تولدُ مع الإنسان ضدّ التربية والنموّ الطوعيّ والإراديّ للوعي والعقل والأخلاق، حالةٌ إنسانية شاملة لكل الشعوب. غير أن هذه الحالة، في لبنان، قد بلغت ذروتها (لأسباب نجهلها) وطالت قرونا (بعكس شعوب أخرى قد استطاعت أن تتخطّى هذه الحالة)، وسبّبَتْ لهذا الوطن الصغير أضرارا كبيرة وذكريات مؤلمة توارثها اللبنانيون أبا عن جدّ. 

               هل نلوم الشعب لقلة وعيه، وإهماله لذاته، وغضّ النظر عن أخطاء زعمائه؟ 

               هل نلوم الزعماء لقلة اهتمامهم بأمور الشعب، ولإحكام سيطرتهم عليه بإسم العائلة والمذهب والدين والطائفة والمصلحة الأنانية والمال، وبتخويفه من شركاء الوطن الآخرين، واستقوائهم على بعضهم البعض باستجلاب وصايات دول الخارج؟ 

               هل نلوم الغرباء على غزواتهم الدائمة لهذا الوطن، عبر تاريخه، من كل الجهات، وجعله مسرحا لخلافاتهم وحروبهم حتى اليوم، وعلى تدخلاتهم المتواصلة في شؤون شعبه واستغلاله وإذلاله من خلال السيطرة على زعمائه، بالتهديد والوعيد حينا، وبالوعود المُغرِية حينا آخر؟ 

               أجل، نستطيع أن نلوم هذه الجهة أو تلك إلى ما لا نهاية، ولكن ما النفع، ونحن، اللبنانيين، لا نريد أن نتعلم شيئا من دروس وعِبَرِ التاريخ؟ إذا كان لا بدّ من أي لوم نوجّهه إلىَ أحد، فلنوجّه اللوم إلى أنفسنا، شعبا وسياسيين، أولا وأخيرا. ولنبدأ معا بخلق مناعتنا ضدّ كل شرّ نابع من أنفسنا و/أو من الخارج، بالتحصّن الدائم بدرع وحدتنا ومحبتنا لبعضنا البعض، واحترامنا وتطبيقنا العادل للقوانين والأنظمة. ولا نَسْتَحِيَنّ، ولا نخافنّ، ولا نتهرّبَنّ أبدا من لفظ كلمة محبّة، ومن التبشير بها، ومن ممارستها كلّ لحظة. فلنتواضع ولنحقِّق هذا الإنتصار الرائع على الذات أولا، لنتمكّن بعد ذلك من الإنتصار على من يضمرُ ويريد لنا الشرّ.

               من هنا، ومن هنا فقط، تبدأ طريق التحرّر والسلام للشعب اللبناني. أمّا الباقي، فسوف يأتي بشكل طبيعي وسريع، من حوار مثمر، إلى الإتفاق، مهما طال الزمن، على نظام حكم عادل، غير طائفيّ، أي علمانيّ، إلى تربية وطنية مدنية صحيحة، إلى إحياء تراثنا الحضاري الغنيّ جدا (التراث الروحي والفكري والأدبي والشّعري والفلسفي والفنّي)، إلى توقف ساسة الحكم عن فرض الضرائب على الشعب الفقير، إلى محاربة الفساد وإحياء دور القضاء العادل، إلى حلّ مشكلة اللاجئين والنازحين، إلى التحرّر عمليا لا نظريا وكلاميا بالشعارات الجوفاء، من أية وصاية خارجية، ظاهرة أو خفية (وعدم الإكتفاء فقط بتسجيل بعض المواقف الحازمة في السياسة الخارجية لاستحقاق تصفيق الشعب اللبناني مؤقتا)، إلى الوحدة والمناعة ضدّ كل أنواع الشرور التي صارت معروفة (ومنها شر مدّ "العولمة" وخطر إفساد أخلاق أطفالنا وشبابنا وطمس تراثنا)، والتي تسلبنا أمننا، وسلامنا، وحريتنا، واستقلالنا، وسيادتنا، وكرامتنا، وازدهارنا، وسعادتنا، إلى بناء إلى بناء شعب مقاوم وجيش قويّ قادر أن يقاوم ابالسة الإرهاب، وأن يحميَ الشعب ومؤسّسات دولته وإنجازاته، وأن يحميَ أرض الوطن، إلى احترام ودعم المقاومة التي ولدت نتيجة معاناة أهل الجنوب من تعديات الكيان العنصري اليهودي، وبنت نفسها ونمت وقويت، وأعطت كل الشعب اللبناني مناعة وحماية ضدّ العدوّ وإرهابييه لم يكن يحلم بهما بدونها، من قبل.

               تلك هي مناعة وطننا التي ينبغي أن نبدأ ببنائها اليوم (شعبًا، وساسةً، وزعماء ورؤساء طوائف، ونخبًا، وإعلاميين، ورؤساء نقابات، وأصحاب مصارف ومال وأعمال)، والتي ينبغي أن نورثها أولادنا وأحفادنا من بعدنا، لنجنّبهم هذه الحالة التاريخية، الحتميّة، القاسية، التي ورثناها عمّن سبقونا، فلا يلعنون الذين ولدوهم، واليومَ الذي وُلِدوا فيه، كما فعلنا نحن، في إحدى مراحل نموّنا وحياتنا. 

               فهل نجرؤ أن نقبل الرّهان على مستقبل أفضل، في وطن قويّ، منيع، وأن نواجه، معًا وبشجاعة، هذا التحدّي العظيم، وهل نبدأ خطوتنا الأولى، اليوم، الآن؟

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه