إن الإنسان الذي يعيش في مجتمع بشري متنوّع ومتناقض إلى حدّ التنافر المزمن في مذاهبه وطوائفه وأطباعه وأمزجته وتفكيره ومصالحه وباطنيته، كالمجتمع اللبناني، لا يستطيع، من أجل البقاء على قيد الحياة، إلا أن يحاول، بكل قوى غريزته وعاطفته وحدسه وعقله وإرادته، أن يحدّد شخصيته وموقعه ومكانته ودوره في هذا المجتمع، حضاريا ومذهبيا وإجتماعيا وسياسيا ووجوديا، من خلال التعامل اليومي مع أفراد هذا المجتمع، وتقرّبه منهم، والتعرّف إليهم، وتجنّب إستعدائهم، قدر الإمكان. وكل إنسان، في هذا المجتمع، هو، بحدّ ذاته، كائن فريد، في مجموعة طائفية فريدة وذات "خصوصية"، وعليه أن يبذل جهده لكي يحقِّقَ مستوى أو قدرا معينا من الوعي لذاته ولمحيطه، ومركزا مرموقا يليق بفرادته في المجتمع و/أو في الحكم، وراتبا شهريا محترما يسمح له بحياة كريمة (إنِ استطاع و/أو حالفه الحظّ، بحسب فطرته وقدرته العقلية وثقافته وظروفه ومعارفه وعلاقاته بساسة طائفته وأثريائها)، ولكي يتأقلم مع هذا المحيط، أو يغادره مرغما إلى مجتمعات أخرى، إن استحال عليه هذا التأقلم في مجتمع طائفيّ ذات نظام سياسيّ طائفيّ، قد ضاق بأبنائه فقط (لا بسياسييه وحلفاء المال والدين)، وما يزال يضيق بهم وينزف، حتى اليوم، مذْ تأسّسَ واستقلّ سنة 1943.   

               إنّ مقاربة فكر الإنسان للواقع السياسي اللبناني، في محاولة منه لتوضيحه وفهمه والتأقلم معه، تعني التقرّب منه. هذا التقرّب يسمح للإنسان برؤيةٍ أوضحَ لهذا الواقع، لا تتسنّى له في حال بقيَ بعيدا عنه. المقاربة العقلية تفترض التقدّم بخطوات وئيدة، حذرة، متبَصِّرة، نحو هذا الواقع، وتتطلّب تفرُّغا وإقامة غير قصيرة وشبه دائمة بجانبه، لكي تكون رؤيته، في جموده و/أو تحوّلاته، أقرب ما يكون إلى ماهية حقيقته، ولكي تنعكس وتتجسّد هذه الرؤية، قدر الإمكان، في تعبير لغوي موضوعي، صادق، عقلاني، لا عاطفي، أو خيالي، أو منحاز، أو مُغْرِض. 

               إن أوّل شعور ينتاب الإنسان، حين يقرّر أن يغامر في مقاربة هذا الواقع، بنية فهمه وإصلاحه، هو الشعور بالحيرة أمام واقع معقّد ومتشابك بعلاقاته الإنسانية وتناقضاته وغموضه، وبالخوف من أن يخيب أمله بالقرّاء، في حال اصطدم بمن لا يقرأ جيدا الكلمات أو الواقع، أو لا يقدّر طريقته في الرؤية والتعبير، أو يخالف رأيه وتفكيره، فيلجأ إلى التجاهل أو الإستخفاف، أو السخرية والتهكّم والإهانة، لا إلى الإستفادة من جدليّة الأفكار وتنوّعها وغناها في مجال النقاش العقلاني، الراقي، والحوار المثمر، من أجل التوصّل إلى خلاصة منطقية تقدر أن تجمع حولها شركاء الوطن وتوحّد فيما بينهم. ثم يكتشف الإنسان المراقب لواقعه عن قرب أن طموحه في تغيير تفكير الناس وأطباعهم وسلوكهم بين ليلة وضحاها، في مجال خيارهم السياسيّ النهائيّ، والتبعية العمياء للزعيم والطائفة، ونسيان انتمائهم إلى الوطن الواحد ووجوب ولائهم له، أمرٌ صعبٌ يلامسُ حدودَ المستحيل، كون الإنسان، في كلّ زمان ومكان، يحتاج إلى وقت طويل لتقبل وممارسة التربية النفسية والأخلاقية والروحية والعقلية على يد الأهل والمعلمين والمربين، أو لتربية نفسه بنفسه وتغيير عادات التفكير والسلوك غير العقلانية، الفطرية والمكتسبة. لذلك، فإن الإنسان الذي يحاول توعية المواطنين (وهم، مع سياسييهم، مجموعة أنانيات أثنيّة متكبرة) من خلال كتاباته، في سبيل إصلاحهم، معرَّضٌ دائما للوقوع في تجربة القرف والإحباط والإستسلام والإنزواء، والإبتعاد عن هذا الواقع السياسي الذي يحاول، عبثا، أن يقاربه، بروح المحبة والموضوعية. إنه، على كل حال، واقع سياسيّ إن سُئِلَ المواطن اللبناني الواعي عن رأيه فيه (بكل مكوّناته من طوائف وزعماء وساسة)، فالجواب واحد: وضع مقرف، محزن، ميؤوس منه، سياسيون غير نافعين، وشعب غير نافع لا يثور بقلب واحد ضدّ الظلم، ولا يعرف إلّا ان يتذمّر ويشكو ويتفذلك، ويجدّد إنتخاب جلاديه.

               إنه، بالفعل، إمتحانٌ غير سهل لكلّ إنسان يختار أن يغامر في دراسة واقع سياسيّ سيّء، ضربه الهريان. فهو، بطبيعة الحال، يملك رؤيته الشخصية للأشياء في دنيا السياسة والتاريخ. وهو مواطن عادي، متواضع، يراقب الأحداث، يقرأ، ويسمع، ويفكّر، ويحلِّل، ويناقش أحيانا ما يجري من حوله في لبنان ومحيطه والعالم، في مجالس حوار حميمة، مع بعض الأصدقاء، ويجيد الإصغاء، بإحترام، إلى رأي الآخرين، ويحاول فهمهم، وفهم معنى الأحداث وارتباطها بعضها ببعض، وهو يعرف جيدا حدوده كمواطن يعيش ويعاني هموم شركاء الوطن، على هامش الأحداث، في الظلّ، ولا يستطيع، ولا حتى يطمح أن يقنع أحدا برأيه، في مجتمع طائفيّ، متعصّب، يرفض الحوار وقبول الآخر (مع ادّعاء عكس ذلك)، قد اتخذ معظم أبنائه مواقفَ نهائية وراء زعماء طوائفهم، ولا ان يفعل فعل السحر، ويغيّر مجرى الأحداث السيّء، بكلمة أو مقالة أو خطاب أو حوار عابر، كما يحبّ ويتمنّى ويشتهي. حتى الإعلاميون الذين اختاروا مهنة أو رسالة الإعلام لتوعية المجتمع والتأثير عليه بشكل إيجابيّ، بنّاء، وتنويره وقيادته بصدق وحكمة، يفشلون في مهمّتهم، أو لا ينجحون نجاحا كاملا في تحقيقها، مهما أخلصوا لها. المثال على ذلك هو محاولة بعض الإعلاميين المتواصلة لإيصال شكوى الشعب ووجعه وأنينه من غلاء المعيشة وارتفاع الضرائب وتدنّي الأجور، وقد عضّه ناب الفقر والعوز، إلى ساسة الحكم، ولكن دون جدوى. فساسة الحكم اليوم مصرّون على زيادة الضرائب تدريجيا، بطريقة ناعمة، خبيثة. وأيضا، محاولة الإعلاميين إيصال تحذيرات خبراء الإقتصاد إلى الساسة من مغبة متابعتهم لسياسة الإستدانة الخاطئة، المشروطة، الفاشلة، الفاسدة، ولكن دون جدوى. فالساسة، اليوم، ما زالوا مصرين على تنفيذ سياسة الإستدانة. وهم، أي الساسة، اليوم، يديرون الأذن الطرشاء لكيفية محاربة الفساد بشكل سليم وفعال دون إيذاء الشعب الفقير (كما هم أنفسهم وعدوا هذا الشعب المخدوع) بدءًا بوقف الهدر في الدولة، مثلا، وبمحاسبة رؤوس الأهرام الكبيرة والكثيرة، من زعماء وساسة وأصحاب مصارف ورجال أعمال ومال وإستثمارات مشبوهة، وبإجبارهم على دفع الضرائب المتوجية عليهم مع الغرامات... فإذا بهم يبدأون بدايات خجولة بقواعد هذه الأهرام وبأكباش محارق من هنا وهناك، قد تمادى الساسة أنفسهم بإفسادها، على مرّ السنين، برشوة المال وانتقال عدوى الفساد إلى كل مفاصل الدولة، وتمادوا بتسخير أكباش المحارق هذه، وبتسخير القوانين، من أجل خدمة صالحهم الخاص. 
  
               يحسن بنا، هنا والآن، أن نأخذ فترة إستراحة قصيرة من عناء التفكير، ونتوقّف عند قصّة/أسطورة قديمة، طريفة، في عالم الحيوان (للكاتب الفرنسي "لافونتين")، تعبّر خير تعبير عن واقعنا، اليوم، في خضمّ طفرة وحُمّى الحديث بين الناس والساسة وفي الإعلام، عن الفساد وعن السياسيين الفاسدين في الدولة، وهدرهم وسرقتهم للمال العام وإفراغهم لخزينة الشعب، وعن وجوب محاسبتهم أمام القضاء (الذي كان مُسَيَّسًا، وبدأ يخضع، فجأة، لعملية تطهير) النزيه، الحرّ، العادل، وإصدار الحكم المناسب بشأنهم، في حال إثبات تُهَمِ الفساد عليهم:

               ضرب، يوما، مرضُ الطاعون حيواناتِ الغابة، فقرر كبارها الدعوة إلى اجتماع عام لجميع سكان الغابة لدراسة هذه المصيبة-اللعنة وقد نزلت عليهم، في اعتقادهم، بسبب خطيئة ما قد اقترفها أحدهم. فاقترح الدهاة بأن يعترف كل حيوان بخطاياه، علنا، لعلّ الآلهة ترضى عنهم وتنجيهم من مرض الطاعون، حين يقدّمون لها، كذبيحة، الخاطىء الأكبر بينهم. فبدأ الكبار (الأسد، النمر، الفيل، الدبّ، الذئب...) يعترفون، مداورة، ببعض خطاياهم، حين اجبرهم الجوع على افتراس بعض الحيوانات الضعيفة (من الحمار الوحشيّ إلى الغزال والأرنب والخروف والدجاجة). ولكنْ، عند كل اعتراف للأقوياء، كان التصفيق يعلو ويتمّ الإجماع من الآخرين بأن ما فعلوه لا شيء، ولا يُعدّ خطيئة، ولا يستحقّ الذكر. لا بل ذهب أحدهم إلى حدّ تطمين الأسد بأنه فخر كبير للفريسة أن يلتهمها ملك الغاب. فتشجع الحمار حين سماعه لفظاعة جرائم الكبار، ولتبرئتهم بهذه السهولة، وقال في نفسه: أنا ملاك بالنسبة لهؤلاء الكبار. لا آكل إلا العشب، ولم أقتل أحدا في حياتي. ثم تقدّم إلى مِنصَّة الإعتراف وقال بصوت عال، واثق من نفسه ومن براءته: أنا، البارحة، كنت مارًّا على الطريق بقرب بيت فخم ومسيَّج، يملكه سياسيّ مهمّ وغنيّ. كنت جائعا. ولكنّي اكتفيت بأكل بعض الأعشاب الخارجة من ثقوب السياج فقط. فصرخ الجميع صرخة واحدة: ماذا؟ أكلت عشبا؟ ومن حديقة بيت فخم ومسيَّج ويملكمه سياسيّ مهم وغنيّ؟ يا لهول الجريمة! أنت هو، إذاً، سبب نزول لعنة الطاعون علينا. ثمّ هجموا على الحمار بأسرع من لمعان البرق، ومزّقوه إرَبًا إرَبًا. وبعد التضحية بالحمار ك"كبش محرقة"، ظلت لعنة الطاعون ملازمة لسكان الغابة، حتى اليوم، مع لعنة اختيار دائم ل"كبش محرقة"، ومع لعنة "شريعة الغاب" التي يسهر على حسن تطبيقها كبار ملوك الغابة.

               لذلك، لا ينجلي بسهولة الشعور بالحيرة والخوف، لدى الإنسان المغامر في مقاربة الوضع السياسي اللبناني غير المريح، لا بل الكريه، والمصاب بلعنة مرض الطاعون الدائم، وإسمه الفساد، وبلعنة التربّع الدائم لساسة فاسدين على عروش الحكم. إن هذا الإنسان الذي يملك، لا شكّ، رأيه المستقل، ويعلن مواقف معينة من الأحداث، سرعان ما يُصَنَّفُ مع فريق ضدّ فريق آخر، وسرعان ما تنجرح كبرياء هذا وذاك، وتشتعل نيران الغضب والحقد وروح الإنتقام في نفوسهم، رؤوسا وأذنابا، مهما حاول أن يكون المراقب موضوعيا في رأيه وفي رؤيته للواقع، في هذا المجتمع المُصْطَفِّ كالعسكر في ثكناته، أو بالأحرى في معسكرات اعتقاله الطائفية. وهذا شيء يحاول تجنّبه وعدم إظهاره، تفاديا للصدامات الحتميّة مع الفريق الذي لا يشاركه الرأيَ عينه، في بيئة (بيئة الشعب والساسة على حدّ سواء) غير ناضجة، وغير آمنة، وغير سموحة، ليس فيها احترام صادق وكامل لرأي الآخر، ولا حتى لوجود الآخر، ولا يصدّق الناس، في أجواء هذه البيئة، أن ثمّة من هو، حقا، صافي السريرة، ومستقلّ، ومتحرّر من سطوة آلهة المال والقرار. عليه، غصبًا عنه، ان يكون مع أو ضدّ. لا حلّ وسطي. لا خيار آخر له، وإلا فهو مُجبَرٌ أن يمارس "فنّ" الكذب والتملّق والباطنية، أو أن يلزم الصمت، ليبقى بمأمن من شرّ الإهانة والإنتقام. إن السياسة تعني، في هذه الأجواء المحيِّرة، غير الآمنة، المسمومة، إنتفاخا مرَضيًّا لأنانيات وكبرياء الزعماء ومناصريهم، والتنافس الشرس، اللئيم، الخبيث، على المصالح الشخصية لا الوطنية. إن ظاهرتَي ألإنتفاخ والتنافس تظهران جليًّا، في مسرحيات واستعراضات التباهي بعضلات الأحجام والأوزان حين تقاسم حصص اللحوم والعظام الطائفية في الحكم، من خلال العنف الكلامي، وسياسة الإحتقار والسخرية والنكايات والكيدية والباطنية، بين ساسة وزعماء الطوائف أنفسهم، من جهة، وبين مناصريهم المتحمسين، بشكل أعمى، من جهة أخرى.

               في هذا الجوّ غير الآمن، يتجنّب الإنسان المسالم ان يتحدّث بموضوع السياسة في أي وقت ومع أي كان، ويتجنب الكتابة عن أي موضوع سياسي، لكي لا يصبح مكروها ومستهدَفا من قبل فريق لا يتحمّل آراء الأخرين والنقاش الراقي والإنتقاد البنّاء. ومهما بلغ من القدرة على تحقيق قدْر كبير من الصّدق والموضوعية في تفكيره وكلامه وكتاباته، أي في رؤية الأشياء كما هي في الواقع وبتجرّد، قدر الإمكان، لا كما يحلو لأي إنسان آخر أن يراها بحسب مزاجه المتلوّن بتلوّن مصلحته وعاطفته وعصبيته، فإنه، معظم الأحيان، يلقى من لا يريد أن يحاول الإصغاء إليه، وتقبّلَ وفهمَ رؤيته و/أو الإعترافَ بها، والتفاعلَ معها باحترام، سلبا أو إيجابا، مستنيرا بالحقيقة التي يراها، ومنيرا الآخرين بنور حقيقته هو إن كان يملك حقيقة ما. على كل حال، وبحسب سُنّة الحياة التي لم نَختَرْها نحن، والتي تفوق إدراكنا البشريّ المحدود، فإن القلة القليلة هي دائما المختارة وحدها من بين الكثرة المدعوّة إلى وليمة المعرفة، كي تكون واعية، في كل زمان ومكان، وهي التي يمكنها، اليوم، أن تتجاوب، بروح إيجابية، مع المقاربة الصّادقة للواقع وكيفية رؤية الكاتب له، ومع تفكيره الموضوعي، كون المقاربة عقلانية، بنّاءة، لا تتحكّم بها الغرائز والعواطف وروح الكبرياء والتعصّب والحقد والغضب والإهانة والتَّبَعِيَّة التي تتحكم بعواطف وسلوك "الجماهير" السهلة الإنقياد لسائسها الخبيث.

               إن صفة "التبعية" (المستعملة كثيرا في لبنان)، تعني الحاجة الملحّة لإرضاء مراكز النفوذ والقرار والقرابة "الروحية" في عالم الطائفة والعائلة والمذهب والسياسة والمال، داخل الوطن وخارجه. تصبح هذه الحاجة واجبا مقدّسا لارتباط المفكّر (أو الإعلامي، أو الكاتب)، ولو بعكس اقتناعه معظم الأحيان، بالزعيم السياسيّ المرتبط، هو بدوره، بمصادر نفوذ ومال. وهنا، ثمة حاجة قوية أخرى تتحكّم، أحيانا، بالمفكّر. إنها، بالإضافة إلى حاجته الطبيعية لتحصيل لقمة عيشه من خلال إرضاء مموّليه، حاجته الشديدة لا بل شهوته الجامحة (بحسب طبع ومزاج وأخلاق وطموحات وظروف كل مفكر) إلى بناء الثروات وامتلاك القصور والسيارات المعتمة، المصفّحة (ظاهرة فريدة ومتكاثرة جدا بين ساسة لبنان وحلفاء المال)، كسائر الذين رهنوا أنفسهم لمصادر المال والسلطة والقرار. إن التبعيّة هذه، هي، بكل بساطة، مُذِلَّة، ولا يمكنها إلّا أن تكون مُذِلّة. 

               أمّا بعد، فعمّاذا يكتب الإنسان، إذا انتفت عوارض الحيرة والخوف والتردّد، وقرّر أن يبدأ، بشجاعة، مغامرة المقاربة الصعبة لواقع سياسيّ معقّد، محزن، محبِط، مليء بالمتناقضات والغموض والمفاجآت والأخطار، هو امتداد لتاريخ طويل يحمل الصفات عينها؟

               هل تتكلّل جهوده المبذولة بالنجاح إن كتب، بصدق،عن "السياسة" وما تعنيه، حبًّا بالحقيقة، وحبًّا بمشاركة الآخرين بها لنشر الوعي، وقد قرّر بان يكتب بحسب اقتناعه الشخصي، دون أن يكون بالضرورة يعكس، فيما يكتب، رأي أي مرجع سياسيّ أو دينيّ أو ماليّ؟

               إنها، كما ألمحنا منذ قليل، مقاربة محفوفة بالمخاطر. المخاطر يشعر بها فقط المفكّر الصّادق مع نفسه ومع الآخرين. إنها مخاطر إمكانية الشطط غير المقصود عن الحقيقة، وإمكانية الوقوع في مستنقع الضجر والقرف والحزن واليأس من متابعة المقاربة لواقع فاسدٍ، مُنَفِّرِ، غير جذاب، وإمكانية لا بل حتميّة إستعداء الناس، زعماءًا وأتباعا، الذين يطالهم التحليل والإنتقاد (ولو لم يكن ثمة أي ذكر لأسماء)، والذين لهم طريقتهم الخاصة في التفكير ورؤية الأشياء والسلوك وهم مقتنعون كل الإقتناع بها، والذين لا يملكون أية ذرّة من التواضع لتقبّل فكر ورأي الآخر، والذين يبالغون جدا في التعصّب لأفكارهم، ولرؤيتهم الغرائزية، العاطفية، غير العقلانية، للواقع، وفي سلوكهم الهجومي، الغاضب، الحاقد، المتكبّر، وفي فرض أنفسهم فرضًا وقِحًا على الآخرين، إلى حدّ الإنتقام منهم، خاصة الزعماء، حين يستغلون السلطة والقانون ويسخرونهما لمعاقبة وإيذاء من يخالفونهم الرأي. إن تاريخ لبنان، قبل الإستقلال وبعده، حتى اليوم، يحفل بمحطات محزنة، مخزية (قد نسيها الساسة وعباد المال وقسم كبير من الشعب)، حصل فيها إعدام وإغتيال وسجن للمفكرين الأحرار الذين ما زالت أسماؤهم محفورة وحيّة في الذاكرة الشعبية اللبنانية، كشهداء للحرية من أجل جميع أبناء الوطن لا الطوائف.

               إذًا، يقرّر المفكر، بعد طول أناة وتبصّر، أن يكتب عن التاريخ اليومي للأحداث، وكلها مهمّة في حركة التطوّر، عن ارتباطها العضوي بعضها ببعض، عن العلاقة الحتميّة بين السبب والنتيجة، عن معنى التطوّر التاريخيّ واتجاهه، وخاصة عن "أخلاقيته" المفقودة في القادة الذين يديرون ويحرّكون عجلاته ويصنعونه، وهم يديرهم ويحركهم جنون العظمة، وعن إعادة التاريخ لنفسه بكل أمراضه ومآسيه بسبب عدم أخذ العِبَر، وعن إمكانية وكيفيّة التخفيف من حتميته المأساوية، وعن الإنسان ومعنى وجوده وكيانه كقيمة روحية وأخلاقية ينبغي احترامها، وكغاية بحدّ ذاته لا كوسيلة وكبُنْيِةٍ مادّية لا قيمة لها، أي كسلعة تُشرى وتُباع في سوق السياسة. إن الإنسان، هو، في النهاية، المحور الأول والأخير لحركة التطوّر والتاريخ القاسية، المستمرّة بلا استئذان، وبلا توقّف، وبلا رحمة.

               إنها مقاربة حذرة، متأنّية، صادقة، لا تدّعي الكمال والعصمة، للأحداث التي تفرضها فرضا الدول الكبرى القوية على الشعوب الصغيرة، الضعيفة، من خلال زعماء هذه الشعوب. إنها، أي الأحداث (حروب، إرهاب، نزوح، تهديدات وعقوبات إقتصادية، إلخ...)، لكثرتها ولشدّة تدفّقها السريع الجارف، تتحدّى وتفوق، أحيانا، قدرة الفكر البشري على استباق حدوثها و/أو الإستيعاب الكامل لها، وعلى التحرّك الفوريّ لفهمها واستدراكها ومجابهتها، وتُغْرِقُ الناس والمفكّرين والإعلاميّين والقادة وكل النخب، في بحورها العكِرة، الموحلة، بشكل تضيع، معظم الأحيان، فيه ومعه، الرؤية الواضحة، الموضوعية، الصائبة، للأشياء. في هذه الأجواء المقلقة لأبناء الشعب فقط (لا للزعماء والساسة وحلفاء المال والمصالح)، تصعب مقاربة الواقع السياسي، لبثّ روح التوعية والتنوير والقيادة، وروح التوجيه السليم للرأي العام الوطني ذات السمع الضعيف، قبل وخلال وبعد وقوع الأحداث أو الكوارث أو الأزمات.

               المُفَكِّر الصادق، الأمين، الشجاع، الموضوعي، يفكِّر ويكتب ليخلق وعيا ووحدة في عقول وقلوب من يقرأ ويفهم، ويندفع مع سائر المخلصين إندفاعا قويا لا يتوقف زخمه، من أجل المساهمة الفعالة، قدر المُستَطاع، في عملية التوعية هذه، خاصة في استباق الأمور والتحضّر لمواجهتها قبل حدوثها (وهذا واجب الإعلاميين والزعماء والساسة والقادة بالدرجة الأولى)، في سبيل الخلاص من مخاطر الشرور على أنواعها. وإذا وُلِدَ الوعيُ وتنامى وثبتَ في نموّه، فإنه يُفضي، حتما، الى تغيير الواقع الإنساني المأساوي، السيّء، نحو الأفضل. إن تغيير هذا الواقع، على صعوبته (كي لا نقول على استحالته)، نحو الأفضل، إنما هو، بحدّ ذاته، في حال تمّت المباشرة بتحقيقه دون توقف أو تعثّر، عمل إنسانيّ خلاصيّ جبّار، لا ينتهي، وعمل جماعيّ لا فرديّ.

               هنا، تكتسب رسالة المفكر الحرّ، الصادق، غير المرتهَن لمشيئة مراكز المال والنفوذ، دورا قياديا، بنّاءًا، في المجتمع. يصبح المفكر منارة تنير درب المستقبل لمن يريد الإستنارة من أبناء وطنه، شعبا وسياسيّين. وتكتسب الكلمة قدسيّة تفرض نفسها فرضا قويا على كلّ ذي عقل سليم. وتصبح مسألة التفكير والكتابة لا مجرّد ثرثرة أو سفسطة أو تهجّم أو بلاغة مصطنعة، أو مجرّد وسيلة لرفع شأن الذات، أو للإسترزاق، بل رسالة مقدّسة بكل معنى الكلمة، غايتُها نشر الحقيقة، ومحاربة الباطل المستقوي والفساد المستشري، وإحياء روح الصّدق والإخلاص والأمانة والمحبة والفرح والسلام، والأمل والرجاء الصالح بحياة أفضل، في النفوس اليائسة، الضائعة، الهائمة على وجهها، في هذا العالم المُتْعَب، المُمَزَّق، المُعَذَّب، المشتاق إلى الخلاص، عالم يقوده أناس أشرار، قد أغرقوه في مستنقعات الجهل، والفساد، والعنف، والفقر، والبؤس، والجوع، والمرض، والظلم، والخوف، والحزن، والقرف، والتعاسة، والحقد، والكوابيس، والأوهام، وخيبات الأمل.

               إن مقاربة الوضع السياسي في لبنان، من أجل فهمه ونشر الوعي والمحبة بين المواطنين، وحثّهم على الوحدة، مغامرة شاقة جدا. لكنها شيّقة جدا، رغم كل صعوباتها ومخاطرها. إنها مهمّة يدعو إليها الضمير الحيّ وروح الواجب. إنها رسالة كلّ ذي عقل وضمير. إنها رسالة سامية، مقدّسة، تنتظر، في ظلمات ليلنا الطويل، الموحش، المزيد من الرسل الصادقين، الأوفياء، الشجعان، لحمل مشاعلها المتوهِّجة بمحبّةٍ نورانيّةِ، وبغَيْرَةٍ نارية.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه