يتوجّه الناخب "الإسرائيلي" اليوم للإدلاء بصوته في انتخابات "الكنيست" الواحدة والعشرين في كيان الإحتلال "الإسرائيلي". وهي الإنتخابات التي يُؤهّل فيها المرشّحون لعضوية برلمان الاحتلال "الكنيست" عبر ائتلافات حزبية يُشكّل الحكومة فيها رئيس الحزب الأكبر، وذلك بعدما تم إبطال قانون انتخاب رئيس الوزراء بشكل مباشر في الفترة ما بين 1996 و2001.

يُشترط لتأليف الحكومة الحصول على مصادقة 61 عضواً "بالكنيست"؛ أي النصف زائد واحد. ويُشكّل الائتلاف عادة من خلال توزير ممثلين عن الأحزاب في الحكومة المرتقبة. وستكون الحكومة المشكلة بناءً على الانتخابات الحالية هي الحكومة الخامسة والثلاثين في تاريخ الكيان. وتلعب التعقيدات الأيدولوجية والاجتماعية وفسيفساء الأقليات دوراً هاماً في نتائج الانتخابات البرلمانية، إلا أنّ البرامج السياسية للأحزاب اليهودية تُشكّل العامل الأكثر حسماً في نتائج الانتخابات –وخاصةً فرص الإنضمام للائتلاف الحكومي-، والتي عادةً ما ترتكز بشكل أساسي على شخصية رئيس أكبر الأحزاب المنتخبة أكثر مما تعتمد على الإرث السياسي والتاريخي للأحزاب الرئيسية كالليكود والعمل. فنرى حزباً كحزب كاديما المنشق عن حزب الليكود اعتمد على إرث شارون وحليفه أولمرت ليصبح أول حزب خارج ثنائية الليكود والعمل ليشكل الحكومة الواحدة والثلاثين.

بحسب استطلاعات الرأي الأخيرة، والتي أجرتها القناة 13 أنّ الناخب "الإسرائيلي" يميل إلى الأحزاب اليمينية، ويتأرجح بين حزبي الليكود بزعامة نتانياهو -الشخصية السياسية الأقوى في الساحة الإسرائيلية-، وبين تحالف "كاحول لافان" المشكل من تحالف حزب “مناعة لإسرائيل” برئاسة بيني غانتس، وحزب “يش عتيد” برئاسة يائير لبيد، وهو ائتلاف يميني يجنح نحو الرؤية الأكثر علمانية. إلا أنّ الائتلاف المتوقع بعد الانتخابات سيكون بين الليكود والأحزاب التي على يمينه، كالأحزاب المتشددة والدينية والأكثر عنصرية وتطرّف. كما وتشير آخر الاستطلاعات إلى تقارب كبير بين عدد المقاعد المتوقعة لكل من الليكود وكاحول لافان والتي تتراوح بين 28-30 مقعد، بينما يحلّ حزب العمل ثالثًا بحصوله على نحو 10 مقاعد، يليه "اتحاد أحزاب اليمين" بـ7 مقاعد، ثم الجبهة والعربية للتغيير و"زيهوت" و"اليمين الجديد" و"يهدوت هتوراه" بـ 6 مقاعد لكل منهم على أبعد تقدير. فيما يحصل كل من "شاس" و"ميرتس" على 5 مقاعد، و"كولانو" و"يسرائيل بيتينو" وتحالف الموحّدة والتجمّع على 4 مقاعد.

ويعد فشل الأحزاب العربية في تشكيل قائمة موحدة لخوض الانتخابات، وبالتالي خوض الانتخابات بقائمتين؛ أكبر تهديد للتواجد العربي في الكنيست من خلال تفتيت الأصوات الذي بدوره يقلل من احتمالية الفوز بمقاعد تساوي أو تزيد عن المقاعد العربية في الانتخابات الأخيرة، والتي كانت 13 مقعدًا من خلال قائمة موحدة.

ويذكر أن الانتخابات في "إسرائيل" تقوم على مبدأ التمثيل النسبي على مستوى الدولة (دائرة واحدة)، وتتم عبر القوائم المغلقة، وتحتاج كل قائمة بحد أدنى إلى الحصول على نسبة 3,25% من إجمالي صوت الناخبين؛ لتدخل الكنيست بأربعة مقاعد دفعة واحدة، وإلا فإن أصواتها المكتسبة لا تؤهلها لتخطي عتبة الحد الأدنى المؤهل للعبور إلى الكنيست.

أما بالنسبة لنتائج استطلاع الشخصية الأفضل لرئاسة الحكومة الإسرائيليّة، فجاءت النتائج لصالح بنيامين نتنياهو بنسبة 46%، في مقابل 37% لرئيس قائمة "كاحول لافان" بيني غانتس. الأمر الذي يزيد من فرص كون نتانياهو الأكثر قدرة والأوفر حظاً لتشكيل تحالف يميني ما بعد الانتخابات، وذلك لتشكيل الحكومة بحصول معسكر اليمين والحريدييم على 66 مقعدًا. وفي ظل ما سبق يبدو أن الفوز المتكرر لنتنياهو ممثلاً بشخصه ونهجه في إدارة الحكومة مؤهلاً مرةً أخرى للتكرار للمرة الرابعة على التوالي والخامسة في تاريخه السياسي مما يجعله متفوقاً على ديفيد بن جوريون الذي خدم رئيسًا للحكومة في أربع دورات. ويتجاوز كونه أول رئيسًا للحكومة يخدم ثلاث دورات متتالية في تاريخ الكيان بأن يخدم للمرة الرابعة على التوالي. ويمكن الجزم بأن البرنامج الوحيد أو الأوحد الذي يجمع عليه أكثر من ثلثي الناخبين هو التعهد بعدم قيام الدولة الفلسطينية، ورفض حل الدولتين بعد أن تجاوز المشرِّع الصهيوني مسألة يهودية الدولة وأقرها بقانون القومية في يوليو 2018.

ويبدو جلياً أن العهد الذي كان فيه خطاب السلام وحسن الجوار "المزيف" يستهوي الناخب "الإسرائيلي" قد ولّى إلى غير رجعة. وحل محله التصوّر بأن الجرأة والحنكة السياسية تتمثل في قتل كل فرصة لقيام دولة فلسطينية بل تصفية القضية برمتها من خلال الخطوات أُحادية الجانب، والتي هدفت وتهدف لتغيير شكل وركائز الحل النهائي؛ كالقدس والمستوطنات واللاجئين وحدود الدولة. وفي هذا الصدد يكاد البرنامج السياسي لائتلاف "كاحول لافان" أن يتطابق مع برنامج الليكود، والذي يعد بأنه في أي حال من الأحوال لن يتم تنفيذ فك ارتباط ثانٍ مثلما جرى لدى انسحاب القوات "الإسرائيلية" من قطاع غزة وهدم المستوطنات عام 2005. كما يتحدث البرنامج عن عقد "مؤتمر إقليمي" بمشاركة دول عربية، ويشدد البرنامج في ذات الوقت على رفض الإنسحاب من هضبة الجولان السورية المحتلة. كذلك يعتبر البرنامج أن إسرائيل لن تنسحب من "أربعة مناطق إستراتيجية: الكتل الاستيطانية، غور الأردن، القدس وهضبة الجولان. بينما يشكل التهديد الخارجي والهاجس الأمني الخطاب الموجه لوعي الناخب الصهيوني لاستدراجه نحو انتخاب القوائم الأكثر تشددًا في الحفاظ على مصالح الدولة الإستراتيجية وأمنها من خلال مجابهة الأخطار الكبرى المتمثلة في المسألة الإيرانية وجبهة سوريا والشمال (الأكثر خطرًا)، بالإضافة إلى جبهة الجنوب الأكثر توترًا. والغريب أن الأمر يبدو في عين مستوطني الكيان من الناحية السياسية وكأن الحكومة الإسرائيلية تبذل الجهد الكافي والمناسب في التصدي للخطر الاستراتيجي الأول المتمثل في الجمهورية الإيرانية وخاصة تواجدها وأنشطتها على الجبهة السورية، بالإضافة إلى تحقيق توازن ردع مع الجبهة الشمالية، وإن كان يقف عاجزًا أمام تعاظم قوة حزب الله؛ العدو الأكثر خطورة على دولة الكيان. بينما يقف نتنياهو مشلولًا أمام جبهة الجنوب، وهي المسألة الأكثر سخونة المطروحة على اجتماعات الحكومة و"الكابينيت" والتي سببت لنتنياهو الكثير من الإحراج مع حلفائه وخصومه على التساوي. فكلاهما يتهمانه بتبديد قوة الردع "الإسرائيلية" في وجه حماس والجهاد، بل والخضوع لهم وتمويلهم بالوكالة تجنبًا أو هربًا من مواجهة حتمية ومفتوحة مع العدو الأضعف والأكثر شغبًا، والذي يقوم باستمرار إطلاق الصواريخ التي تصل جنوب البلاد وأحيانًا أوسطها كما حدث في الأشهر الأخيرة.

ويبدو أن مسألة غزة ستكون العامل الأكثر حضوراً في أذهان الناخبين المتوجهين لصناديق الإقتراع اليوم؛ وخاصةً "سكان" غلاف غزة والجنوب؛ لأنها الجبهة الأكثر اشتعالاً -وإن لم تكن الأكبر تهديداً وخطورة-. والتي ينكمش فيها توازن الردع إلى أدنى مستوياته، ويبدو فيها نتنياهو الرئيس الهارب من مواجهة عسكرية ويفتقد الحنكة العسكرية، بخلاف خصمه الأكثر قوة بيني جانتس الآتي من أعلى مراتب الجيش بخبرة عسكرية طويلة. وإن كان يحاول إقناع الجمهور الصهيوني بأنه حازم، لكنه يحاول الحفاظ على دماء أبنائهم قدر المستطاع من خلال تجنب مواجهة عسكرية مفتوحة لن تقضي على عدوه الجنوبي، ولن تحقق له هدوء مستدام، وأن سياسته الحالية التي تتمركز على ثنائية الردع الآني والإحتواء؛ قد كلفته صفراً من الأرواح. ويتوازى ذلك كله مع تباهي بنيامين نتنياهو بجملة من الإنجازات التي حققها كالتطبيع العربي العلني والمباشر، واعتراف بعض الدول بالقدس عاصمة للكيان. بالإضافة إلى قرار ضم الجولان والإعتراف بها جزءًا من الكيان، وأخيرًا تجاوز يوم الأرض، ومليونية العودة بأقل الأضرار. بالإضافة إلى عملية استرداد رفاة جندي السلطان يعقوب. إلا أن إنجازه الأبرز بشكل كلي؛ هو تمكنه من الإمساك بشكل متوازن بخيوط السياسة الخارجية والإقليمية في ظل حجم التهديدات والتغييرات التي شهدتها وتشهدها المنطقة، ومع حجم التدخلات الدولية والاقليمية التي توشك أن تغير وجه المنطقة وخريطة القوى الإقليمية والعظمى فيها.

المؤسف أن الناخب العربي في الداخل يقف أمام هذا كله مواجهاً معضلة لا حل لها؛ لأنها تضعه حائراً بين خيار مقاطعة الانتخابات، رافضاً للبنية السياسية والشكلية والأيدولوجية للدولة. وبالتالي يكون قد قام بالتصويت السلبي ومنح الطرف الآخر فرصة الاستحواذ على كامل مقاعد الكنسيت ال120. أو قرار المشاركة في الانتخابات بذريعة الوقوف متصدياً لمشاريع اليمين الصهيوني والدولة العنصرية، وضاغطاً باتجاه سياسات أكثر عدولاً، واستجابة لمتطلبات المجتمع العربي الاجتماعية والتنموية. فضلاً عن رؤيتها السياسية الطامحة في وجود حل مقبول لمسألة الدولة الفلسطينية على جزء من أراضي فلسطين التاريخي، وإن كانت الشواهد التاريخية تدعم فرضية أن الصوت العربي بغض النظر عن حجمه أو توجهه قلما يستطيع أن يشكل عاملاً مؤثراً في سياسات الدولة العدائية والتوسعية والعنصرية تجاه التهديد الديموغرافي لصالح غير اليهود.

خلاصة ما يُقال في هذه اللحظة، هو أن البَّزة العسكرية لبني جانتس الواقف على حدود غزة، ستواجه مقدرة نتنياهو على تشكيل تحالف يميني واسع. وستتأرجح الفرص بين المزاج الشعبي لصالح كاحول لافان الذي يمثّل تحالف جنرالات الحرب، وبين "أسطورة" نتنياهو الزائفة. وفي كل الأحوال فإنّ الحكومة الخامسة والثلاثون هي الحكومة الأقرب لمفهوم الدولة المُهددة استراتيجيا على كل صعيد، منها لمفهوم الدولة الناشئة ذات القوة المتصاعدة في العالم والإقليم.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه