إن عالم السياسة حافل بهذه الكلمة: إزدواجية. إنها كلمة لا تحتوي على أيّ معنًى جميل، تماما ككلمة "سياسي" أو "سياسة". لقد بنى الساسة لأنفسهم صيتا عاطلا جدا، بسبب دهائهم وخبثهم وقلّة صدقهم في تعاملهم مع ناخبيهم ومع سائر الساسة، وبسبب شهوتهم الجامحة للمال والسلطة والشهرة. إنهم، بحكم وظيفتهم كممثلين للشعب الذي انتخبهم ليحكموا بإسمه ويسوسوا شؤونه الدنيويّة بدراية وحكمة، موجودون على خشبة المسرح، وتحت عدسات التصوير وآلات التنصّت التي يعشقونها، وهم مُقَنَّعون بأقنعة جميلة تخبىء نواياهم وشخصيتهم الحقيقية، غير الجميلة، والتي يلاحقهم بها الإعلام لنقل أخبارهم وتصريحاتهم وإنجازاتهم للشعب. وثمّة، وراء خشبة المسرح، ما يسمّى بالكواليس. إنها أماكن سرّية حيث يختبىء ويختفي الممثلون للشعب وعلى الشعب، عن الأنظار والأسماع، لبعض الوقت، ويبدّلون أقنعتهم، ويتحضّرون للظهور من جديد على المسرح، أمام جمهورهم والإعلام، من أجل إكمال تمثيل أدوارهم المُقنَّعَة.   

               إن الإزدواجية، بحدّ ذاتها، صفة طبيعية ملازمة، بدرجات متفاوتة، لكل إنسان، بحسب عمره ونفسيته وتكوينه، وتعني أن عنده وجهَين ولسانَين، وشخصيتَين مختلفتَين أو متناقضتَين، تبرزان للعيان بشكل واضح وفاضح في امتحان التعاطي مع الآخرين، على طريق النموّ من طور إلى طور في مراحل الحياة، من الطفولة حتى الشيخوخة. إنها صفة يُعَيِّرُ بها إنسان إنسانا آخر، حين يكتشف أنه ليس بصادق، وأنه يناقض نفسه في أقواله وأفعاله، ويكذب بشكل مستمرّ، وظاهره عكس باطنه، ويتقن تبديل الأقنعة في تعامله مع الناس. ولكنها عيب أو نقص في الإنسان، يمكنه الشفاء منه. يستطيع الإنسان أن يتخلص من الإزدواجية ويوحّد ذاته وشخصيته إذا صمّم وحاول أن يسعى، بقوة الإرادة، إلى تحقيق الوعي والنضوج والحكمة، من خلال تثقيف وبناء ذاته بالتفكير والتأمّل، والمعرفة والعلم، وممارسة الفضائل الأخلاقية كالصدق والوفاء والإخلاص والإحترام والمحبة والتضحية، في التعامل مع الآخرين، بنيّة خدمتهم وإسعادهم. 

               إن الإزدواجية، إذا تملَّكَتْ كيانَ الإنسان النفسيّ والجسديّ بدون إرادته، تصبح حالته حالة مَرَضِيَّة، تستدعي العلاج النفسيّ أوالعلاج بالأدوية و/أو بالحَجْرِ الصحيّ لصاحبها، في حال شَكَّلَت حالته أيّ تهديد للسلامة العامة أو لسلامته الشخصية. إنها تصبح حالة تُسَمَّى بإنفصام الشخصية. أمّا الإزدواجية التي يتبنّاها صاحبها بملء إرادته ووعيه، مكمِّلا بذلك ومنمِّيا طبعَه الفطريّ بالتطبّع، لأنّه يجِدُ فيها لذّة استغباء الناس وخداعهم والإستفادة منهم واستغلالهم، فهي، حينئذ، إزدواجية أخلاقية إذا صحّ التعبير، وتصبح أمرا واقعا يتعامل معه كل إنسان على طريقته الخاصة. وتبعا لحدّة هذه الإزدواجية ومدى تمادي صاحبها في إزعاج الناس والتعدّي على حقوقهم وكرامتهم، ومدى استعدادهم لتوقيفه عند حدّه، إذا أمكن، وجرّه إلى القضاء للمحاكمة (طبعا، في بلد يحترمُ ساستُه وشعبُه النظامَ والقانونَ والعدلَ)، فإنّ علاجها يتنوّع بين تربية الزجر والنّهي والردع والموعظة الحسنة، وعقاب السجن. 

               غير أن الإزدواجية التي تصبح فنّ الممالأة والنفاق والكذب والخداع والغدر والحيلة والإبتزاز على مستوى سياسيّ كونيّ، والتي تمارسها حكومات الدول في التعاطي مع بعضها البعض إلى حدّ استعمال العنف المدمّر للإنسان وللأرض، بسلوكها السياسيّ والمخابراتي والعسكري غير الأخلاقي، المتمادي بشرّه، والتي تؤدّي إلى خراب ودمار وإتعاس شعوب بأسرها، فهي مشروعة بنظر الأقوياء، ومبرَّرَة بإسم مصلحة شعوبهم الوطنية (وشعوبهم غائبة عن الوعي لا تدري بشيء)، وأمن شعوبهم القومي (لا خطر قريب أو بعيد يهدِّد شعوبَهم)، وبإسم التفوّق الحضاري (تفوّق في كل شيء إلا في الأخلاق والروح) الذي يمنح المتفوِّقين (في نظر أنفسهم) الحقّ المطلق، غير القابل لأيّ جدل أو نقاش، باستعمال القوة من خلال فلسفة جديدة سمّوها ب"الفوضى الخلاقة"، من أجل خلق "نظام عالمي جديد" للشعوب كلها. هذا النظام هو، بنظرهم، أفضل من القديم، لكونه يخضع لهم من خلال حكومة عالمية واحدة. الأمم المتحدة نسخة مُؤقتة، مُكبَّرَة، عن هذه الحكومة. لا أحد يجرؤ على محاسبة هؤلاء المتفوِّقين المتكبرين وإدانتهم وسجنهم وكفّ شرهم عن الناس، ولا احد يملك القدرة المالية والعسكرية والقانونية الكافية لفعل ذلك. وفوق ذلك كله، يتّهمُ (وهنا تبرز الإزدواجية في ذروتها) صُنّاعُ الحروب والإرهاب والدمار هؤلاء، كلَّ من يقرّر أن يقاومهم ويدافع عن نفسه، ب"الإرهابيّ".

               إننا، في الواقع، نعيش زمنا هو من أردأ الأزمنة في تاريخ البشرية. هو زمن الإزدواجية الشيطانية بامتياز التي أصبحت طريقة تفكير وسلوك ثابتة يطبقها، بشكل مدروس ومنهجيّ، جبابرة واسياد الأرض الجدد، أبناء التلمود (وأذنابهم من سائر الأديان)، المُصابون بإنفصام مرَضيّ خطير في شخصيتهم، لا شفاء منه، وبعقدة الإزدواجية، وعقدة العظمة والقوّة والسيطرة والثروة وقتل واستعباد الشعوب. إنهم يكسِرون الوصايا العشر، واحدة واحدة، كلّ لحظة، وهم، في الوقت عينه، يبشّرون بها، ويحملون ألواحها المقدّسة، المزخرفة، على ألسنتهم، وظهورهم، وفي أيديهم، وفي قلوبهم، وفي توابيت عهودهم المنكوثة، ويتلذّذون بعبادة "عجل" من ذهب يتوهّج ويلمع ليلا نهارا في صحاري سيناء كبريائهم وغرورهم وعظمتهم وضياعهم، المجدِبة، الموحشة، المتوحّشة، المسكونة بكلّ شيء إلا بنعمة حضور الروح.

               أما الإزدواجية في وطننا لبنان، فهي حالة عامة مقبولة، كأمر واقع طبيعيّ، ربّما على مضض، من معظم الناس، في تعاملهم اليوميّ، وهي لا تساهم أبدا في توحيد أبناء الوطن توحيدا متينا، مبنيّا على صدق المعاملة والوفاء. أن يُبطِن الناس في قلوبهم غير ما يُظهرونه (في مجال العلاقات الخاصة في البيت والمدرسة، والعامة في مجال العمل والتجارة والخدمات)، فهذا شيء معروف وطبيعيّ، إلى حدّ معيَّن، يحصل، بنسب متفاوتة، عند كل الشعوب. الأطفال وحدهم، في العالم، هم أبرياء وصادقون (إنه موضوع طويل وشيِّق ومُعقّد، يستحقّ دراسة نفسية، أخلاقية، إجتماعية، إقتصادية، خاصة، تفوق غاية ومجال هذا المقال، نتركها لأهل الإختصاص). 

               ما يهمّنا، في هذا المقام، هو أنّ ثمّة، في وطننا لبنان، إزدواجية مؤذية للناس، وغير مستحبّة، وغير أخلاقية، وهي تلك التي يتبنّاها معظم السياسيين، ويقرّرون أن تكون القاعدة في التعامل مع أبناء الشعب، ومع بعضهم البعض. بنظر هؤلاء السياسيين، هذه ليست إزدواجية معيبة أبدا، إنما هي سياسة أو "ديبلوماسية" الدهاء، وهي ضرورية في عالم السياسة لكي يحفظ كل إنسان رأسه ومركزه وقيمته الذاتية وصيته الحسن. إنها "مهنة" عدم قول الحقيقة، وإيهام الناس بعكس ذلك. إنها "مهنة" الكلام البليغ، الغامض، الذي لا يعني شيئا، والذي يُبْقِي الناس في حيرة من أمرهم. إنها "مهنة" الكذب بكل بساطة، "مهنة" على السياسيّ الناجح أن يتقنها باستمرار. إن ممارسة هذه "المهنة" بحرية تامة، ودون أي حرج، تستحقّ، في نظر ممارسيها، الإطراء والمديح والتقدير، لا النقد والذمّ والإدانة، وهي دليل ذكاء حادّ، ودليل قاطع على أنهم يملكون "مُخّا" سياسيا فريدا، وأسلوبا عبقريا في تحقيق الإنتصار والربح والنجاح في معاركهم السياسية والإقتصادية، وتأمين البقاء لأنفسهم فقط لا للشعب، وهم يتغنَّون دائما ب"مصلحة الشعب العليا". في هذه الأجواء الموبوءة، الفاسدة، يصبح الصدق ضعفا وغباءًا. إنهم، في كل الأحوال، يستمرّون في ازدواجيتهم هذه، دون أن يجرؤ ناخبوهم وأتباعهم من الطائفة عينها (المكتفون فقط بالتذمّر الدائم من الأوضاع السيئة) على التصدّي لهم بالإنتقاد البنّاء، أو بالإقتصاص منهم بالإمتناع عن إعادة انتخابهم.

               كوننا ننتمي إلى هذا العالم البشريّ المليء بالإزدواجية، خاصة بسياسييه وحلفاء المال والمصلحة، فإنّ ازدواجية قسم لا بأس به من شعب لبنان، وقسم لا بأس به من ساسته ومدّعي لَعِبِ دور النُّخَب، تتفاعل مع ازدواجية (أو إنفصام) العالم الخارجيّ، وتتَجَاوَب معه بشكل سَلِسٍ وطبيعيّ.

               يمكننا اختصار حالة الإزدواجية هذه التي يعيشها بملء إرادتهم، ودون أي عذاب ضمير أو حياء، معظم السياسيين في الحكم، والتي هي، في الحقيقة، القاسم المشترك بين هؤلاء السياسيين، المُتَفهِّمين جدا ل"ظروف" بعضهم البعض، كالآتي:

               -يُبْطِنون غير ما يُظهرون بأعصاب باردة وهم يفتعلون إبتساماتهم وحتى خلافاتهم، ويستسهلون الكلام الدائم عن "مصلحة الشعب العليا" ويفعلون عكس ذلك أي مصلحتهم الشخصية (مال وسلطة وشهرة)، وهم مُصابون بداء النسيان، أو التناسي التام بالأحرى، لواجباتهم تجاه الشعب الذي انتخبهم، وبداء تسجيل المواقف الكلامية فقط، في حال تذكروا وجود الشعب، صدفة، من وقت إلى آخر، خاصة خلال حملاتهم الإنتخابية كل أربع سنوات، حين تشتعل وتتوقّد نار ذاكرتهم وحَمِيّتهم ومحبتهم للشعب وغيرتهم على مصلحته "العليا"، لتعود وتنطفىء بعد الإنتخابات. 

               -كل همّهم تحقيق حلم الإثراء السريع بطرق غير مشروعة، وعلى حساب الشعب وخيانته مع حكومات الخارج، وفي الوقت عينه يدّعون العفّة والنزاهة. وهم لا يفون بوعود الخدمة المعطاة للشعب، ويعيّشون الشعب على أوهام، ولا يعتذرون منه أبدا على أي تقصير في خدمته، ويكرِّرون الوعود عينها يوم الإنتخاب، ويخلقون وعودا جديدة، ويمدحون في الوقت عينه الشعب العنيد والأبيّ والعظيم، بأنه هو مصدر كل السلطات، وبأن صوته هو من صوت الله.

               -يكسرون القوانين على أنواعها (بناء، استملاك، كسارات، مقالع، إستثمارات وصفقات وعمولات، وتبييض أموال. إستدانة مشروطة لأموال من الخارج تتبخّر وتختفي بسحر ساحر، ولا تصل إلى الشعب أبدا بشكل مشاريع مفيدة له كما وعدوه. تفريغ خزينة الدولة وزيادة الضرائب على الشعب الفقير لملئها من جيبه وتعبه وعرق جبينه ولإيفاء الديون لمصارف الداخل والخارج، وإعفاء أنفسهم من دفع الضرائب مع غراماتها. تخزين أسلحة، بناء جيوش خاصة، حماية مجرمين، استغلال القضاء، إلخ...). يقدّمون خدمات خاصة لبعض مناصريهم، ولبعض حكومات الخارج. وهم لا يرفّ لهم جفن، ولا يخافون من أية محاسبة، ويحاضرون ببلاغة مدهشة في وجوب بناء دولة المؤسّسات والقانون. وهم يتنعمون بحصانتهم وبثرائهم الخيالي وبراحة بالهم تجاه انعدام أية مراقبة ومحاسبة (من أين لكم هذا؟) لهم من قبل الشعب والإعلام والمجلس النيابي والحكومة والقضاء، مهما نافقوا وكذبوا وخدعوا وسرقوا. لا تهمّهم عدالة الأرض ولا عدالة السماء. 

               -يتكلمون بكثرة، وبغَيْرَة بالغة وحماس مؤثِّر، عن الإسراع بتسليح الجيش اللبنانيّ بفضل "مَكْرُمات" كريمة جدا لا أحد يعرف أين هي، وكيف تُصْرَفُ، وفي جيوب مَنْ أصبحت، وهم يعملون بخبث ودهاء وباطنية (إلى جانب التقليل، في السرّ والعلن، من قيمة وجدوى دور المقاومة في مواجهة رؤوس الإرهاب وأذنابه، ومحاولة تحجيمها والإقتصاص منها سياسيا واقتصاديا في لبنان)، على تعطيل دور الجيش وعدم تسليحه تسليحا جيدا كاملا، كما ينبغي تسليحه، وعلى زجّه في معارك غير متكافئة مع الإرهاب الدوليّ والإقليميّ، تضامنا مع رغبة ملوك وأباطرة دول المال والسلاح والقرار والحروب والفتن والجرائم المنظَّمة بحقّ الشعوب والأفراد، الحريصين دائما، وقبل كل شيء، على حماية وإراحة الكيان التلمودي اليهودي العنصري الإرهابي، في أرض فلسطين، وعلى منع مقاومته. 

               -يعرقلون دائما إنتخاب رئيس للجمهورية وتأليف الحكومة، ويخلقون، دون حرج، فراغات عقيمة في الحكم، كتقليد مقدّس، متَّبَع منذ الإستقلال حتى اليوم، باختلاق ألف سبب وسبب في نفوس يعاقبة وجبابرة آخر زمان، ويزجّون حكومات وصاية الخارج فيها، ويفتعلون الأزمات والخلافات والنكايات والتحدّيات في كل شيء (دستور، قوانين، نفايات، مياه، كهرباء، غاز، نفط، صفقات، أحجام طائفية، حصص وزارية، عروش عظمة...)، ويُبَرِّرونها ويبرّرون أنفسهم (كل ذلك بإسم الوطن ومن أجل الشعب)، إستدرارا لمال الخارج وعطفه ودعمه، ويختلفون على تلزيمات المشاريع والصفقات، ويرمون تُهَمَ العرقلة على بعضهم البعض و/أو على الخارج، ولكلّ خارجه الخاص به وحده (نهم يتحابون ويتفقون، فقط، حين يقررون رفع أجورهم وتمديد حكمهم). إن إزدواجية الولاء لحكومات الخارج وللوطن في الوقت عينه، قد تخطّت حدود المقبول والمعقول، وبلغت ذروتها، بشكل علني ومبَطَّن، في لبنان. في كلا الحالتين، إنه ولاء لمصلحتهم الشخصية، فقط، بانتظار أن يثبتوا العكس للشعب اللبناني. 

               -بكلمة واحدة: الدولة التي يختارها الشعب لخدمته، تتحوّل، بين أيدي الساسة، إلى أداة للتحكّم به، وبناء ثرواتهم على حسابه وبإسمه، واستغلاله وخداعه وتخويفه وإفقاره وإذلاله، وقمعه وسجنه إنْ تنفّس واستنكر واعترض وتظاهر ضدّ ممارساتهم الفاسدة، الشاذة. 

               ما يعرفه الشعب اللبناني، اليوم، هو أن ساسة الحكم قد بدأوا يرشقونه بحجارة الضرائب وغلاء المعيشة رشقا موجِعًا، مُدْمِيًا، ويدعونه، بصوت ناعم، إلى التضحية والصبر، وهم وحدهم بمأمن دائم من دفع الضرائب ومن وجع الفقر والعوز والذلّ. وفي الوقت عينه، يحاولون أن يلهوه عن مآسيه وقهره، وأن يخدّروه، بنفخ عنفوانه الوطنيّ، بأن لبنان (تلك الكلمة المبهمة جدا، والمتعددة والنسبيّة المعاني بعدد الطوائف والأحزاب والزعماء) صار معروفا بين الدول، ويزوره مسؤولون كبار ومهمّون عن هذه الدول، ولأول مرة يُحكى فيه، علنا، وبكثرة، عن محاربة الفاسدين مهما علا شأنهم. ما يعرفه الشعب الفقير، بكل بساطة، أن كل ذلك جميل وعظيم للساسة فقط، ولكنه لا يعني له شيئا، ولا يطعمه خبزا.

               هذا غيضٌ كافٍ وافٍ من شلالات فيضٍ لا تنضبُ. 

               إن أبناءَ الشعب الواعين، المتحررين من عبادة الزعيم والعائلة والطائفة والمال، يرون السياسيين كلهم في حقيقة عريهم، وليتهم يفقهون ويدرون ويعون ويستحون ويرعَوون ويتوبون. إن بسطاءَ الشعب الأحرار، ليسوا عاجزين، في الحقيقة، عن تشخيص المرض المزمن، مرض الإزدواجية (ومعه كبرياء العظمة وانعدام الإحساس وقساوة القلب)، الذي يُصابُ به، ويأخذه معه حتى إلى القبر، كلُّ سياسيّ في لبنان، ويتحوّل المرض هذا، إلى إنفصام في الشخصية خطير، حين يصير سلوكه سلوكا طبيعيا، دائما، مقتنعا به كل الإقتناع، ولا يشعر أبدا بالحاجة أن يغيّره، ولا يجرؤ أحدٌ على التلويح، ولو من بعيد، ولو بلطف ملائكي، بوجوب تغييره:

               -حين يدخل المجلس النيابي ك"ممثل" للشعب، وك"نائب" عن الشعب، وكصديق صادق للشعب، وكخادم للشعب، وهو يقضي كل عمره السياسيّ يُمَثِّلُ على الشعب ويبتعد عنه ويستعديه (إلا في زمن الإنتخابات)، إلى درجة يصبح فيها مجموعة "نوائب"، أي مصائب، تنزل نزول الصواعق على رأس الشعب. 

               -وحين يدخل إلى مجلس الوزراء، إلى سرايا الشعب، حيث، عِوَضَ أن يلبس السياسيّ "الوَزْرَةَ" من أجل خدمة الشعب، وشدِّ إزْرِ الشعب، وحمل وِزْرِ الشعب وهمومه، يصبح الشعب هو "الوزرة"، ويصبح السياسيّ هو الوِزْرُ، وأي وِزْرٍ، على ظهر الشعب.

               -وحين يدخل إلى ما يُسَمّى ب"القصر الجمهوري"، أو "قصر الشعب"، و"جماهير" الشعب الفقير، البسيط، المتواضع، لا تجرؤ على الإقتراب من "قصرها"، لتُسْمِعَ صوت صراخها من الوجع، ولا تهفّ له، ولا لقمة لها فيه، ولا مرقد عنزة، ولا حجر تسند إليه رأسها.

               إن هذه المراكز الحكومية الثلاث قد حوّلها الساسة المعتصمون فيها والمتمسكون بها بشدة، إلى قلاع وحصون لتحميهم من الشعب الذي وضعهم فيها وأجلسهم على عروشها.

               أجل، ليس الشعب البسيط، الواعي، عاجزا عن تشخيص الداء، وهو يعرف ما هو الدواء، ولكنه يعجز عن تحقيق أي شفاء سحريّ، عاجل، في نفوس سياسيّي الإزدواجية والإحتيال في التقرّب من الشعب والتملق إليه، بحسب مصلحتهم، ثم في الإبتعاد عنه واستعدائه واستعباده ونكران وجوده وتجاهله وإهمال حاجاته وحقوقه، دون نسيان إمطاره، من وقت إلى آخر، بالوعود اكاذبة. إنه شفاء، إن تحقّق (بمعجزة ما)، يلحق به، حتما، شفاء سريع جدا في نفوس أبناء الشعب، من مرض التستير على هفوات زعمائهم لأسباب (عائلية، مذهبية، طائفية، مالية) صارت معروفة، وكلهم مغلوبون على أمرهم، ومتعطشون بقوّةٍ إلى الخلاص من قبضة وبراثن جلاديهم، ومن إزدواجية حبّهم وكرههم لهم في آن معا.

               كما أنه لا يخفى على الشعب الواعي، البسيط، أن الإعلام أيضا، عندنا، مصاب، بمعظمه، بمصيبة الإزدواجية، حين يروّج الإعلاميون لأفكار ومواقف وفلسفات سياسية تؤيّد وتخدم مصالح الخارج وأتباعه من سياسيّي الداخل، هم أنفسهم غير مقتنعين بها، لمجرّد أن هناك من يموّل مراكز إعلامهم، وهم بحاجة إلى تمويل دائم للقدرة على إرضاء مموِّليهم، وعلى الإستمرار في "مهنتهم"، وتجنب الإفلاس وإغلاق مراكز إعلامهم. ثمة إصطفاف إعلامي سياسي في لبنان شبيه بإصطفاف الشعب وراء زعمائه، تبعا لقاعدة التمويل من قبل مراكز التمويل الإقليمية والعالمية التي تدير ما يسمّى ب"لعبة الأمم"، ولبنان جزء صغير من هذه اللعبة الكبرى. 

               إنها لعبة أكبر من شعب لبنان بكثير، وهي قد فُرِضَتْ عليه فرضا وجُرَّ إليها جرّا، بالترهيب حينا، وبالترغيب حينا آخر، وهو، من خلال معظم ساسته وإعلامييه السعداء وحدهم بهذه اللعبة، خاضع لها ولشروطها، حبّا بجلاديه، أي بزعمائه الذين يستعملونه وقودا لمعارك كبريائهم المفتعلة بإسم الطائفة والوطن، وبإسم مصالحهم الخاصة، فيشعلوه ويحرقوه، وينهكوه، ويحفظوه جمرا مشتعلا تحت رماد الهدنة المؤقتة، إستعدادا لجولة أخرى قادمة، بحسب مزاجهم ومصالحهم، ثم يتفقون فيما بينهم على تقاسم "جبنة" الحكم، وكأن شيئا لم يكن، فيما الشعب يظلّ يحترق بنار جمره، محاولا الإبتسام والرضى غصبا عنه. التاريخ القريب والبعيد خير شاهد على ذلك الواقع الأليم.

               إذا كانت كل مشاكل لبنان ناتجة عن تدخل حكومات الخارج في كل شاردة وواردة من شؤونه (تدخل لا سلطة لنا عليه لإيقافه بتغيير عقلية هذه الحكومات، وطبعها المفطور على الشرّ)، وعن قابلية وشهوة الساسة والزعماء القوية لتذوّق طعم هذا التدخل، طعم المال والقوة والسلطة، فهل يأتي يوم، يا ترى، يتحرّر فيه ساسة لبنان وإعلاميوه من سطوة المال الخارجي ومن ازدواجيتهم المريضة، تحت ضغط الشعب ونخبه الصالحة؟ 

                يبدو أن الأمل بتحرّر الجيل الحالي، بشبابه وشيبه، شبه مستحيل، لأنه قد علِق في فخّ المذاهب والمصالح والمال والتبعية والتعصّب، ولا يستطيع التخلّص بسهولة وبسرعة من كل هذه الإرتباطات والتقاليد. ولا نريد أن نظلّ نحلم، عبثا، ودون أن نعمل شيئا، بقرب حدوث معجزات تهبط من السماء، يهتدي بها الساسة والإعلاميون وكل الشعب اللبناني، تُخلِّصُنا، برمشة عين، وبلمح البصر، وبسرعة البرق، من كل الأفخاخ، ومن كل ناصبيها، ومن كل مشاكلنا.

               إن الأمل بجيل جديد من السياسيين، ومن الإعلاميين، ومن كل النخب اللبنانية، يكون صادقا وخاليا من لوثة الإزدواجية والإنفصام، والأمل بجيل جديد من أبناء الشعب يكون متحرّرا من ضغوط وقيود الطائفة والمذهب والعائلة والمال والإزدواجية، ويكون مستعدّا أن يُوَحِّد نفسه ويحاسب الساسة والنخب المسؤولة على أخطائهم، ويسعى، في نهاية المطاف، في هذا العالم الذي يزداد شرّه يوما بعد يوم، إلى تأسيس نظام حكم علماني وجيش قويّ وشعب مقاوم، أجل، إن الأمل هذا ينبغي أن يبقى حيّا ومشتعلا في نفوس أبناء الشعب اللبناني الواعين، المخلصين، الصادقين، رغم كل شيء، ومهما طال الزمن، طبعا، مع العمل الجدّي على تحقيق هذا الأمل. 

               أجل، الأمل كبير جدا بجهاد أبناء النخب القليلة الواعية الصادقة. إنه جهادٌ مُضْنٍ ينبغي أن يكون صبورا، صادقا، فَرِحا، ومحبّا، ضدّ الجهل، وضدّ النفس الأمّارة بالسوء، أولا. لا بدّ أن يعطيَ هذا الجهادُ المبارك ثمارا جيّدة في مدّة سوف تبدو طويلة في ذاكرة الشعب، غير أنها يسيرة جدا في عين التاريخ. ولا بدّ أن يفوح أريج الثمار المنوّرة هذه، في أرجاء وطن الإنسان والحضارة والرسالة، لبنان، لعلّه، في نهاية المطاف، يتغلغل في قلوب الساسة والشعب المصابة بالجفاف والعقم والإزدواجية، الفاقدة ل"ماء" الحياة، والمتعطشة لها في آن معا، فيحييها من مواتها وينوّرها، وينتشلها من ظلمة جهلها وكبريائها وضياعها وغربتها الروحية، ولعل الفردوس المفقود، حينئذ، فردوس الطفولة البريئة، الصادقة، الفرحة، لعلّه يعود عودة نهائية، دائمة، إلى أبناء الوطن.

               إنّ المثال الأعلى، إن وُجِدَ كاملا بالفعل، في إنسان قائد واحد، أو أكثر، وهو، في الواقع، موجود فقط بالقوة في النفوس المجاهدة، أي موجود كإمكانية وجود غير مكتمل بحدّ ذاته بعد، وغير مقبول وغير مُعْتَرَف به من جميع أبناء الطوائف وقادتها حتى في حال اكتماله (إذْ إنّ لكل طائفة مثالها الأوحد بلا منازع)، يصبح، أي هذا المثال الأعلى المرجوّ والمُنْتَظَر، من خلال ممارسة الجهاد الأكبر ضدّ أهواء النفس وأنانيتها وكبريائها، مثالا صامتا، حيّا، صالحا، للوطن بأسره، جديرا بأن يُحتذى، والمثال إنما هو أبلغ وأشدّ فعلا في النفوس من الكلام.

               إننا نتألّم على وطن الأرز الخالد ووطن الجمال الساحر، والأرض الخيرة، الخصيبة، المِعطاء، لبنان، حين يُسمّي أبناؤه دولتهم ب"البقرة الحلوب" وب"مغارة علي بابا"، وحين يُسَمّون أرضهم المشوهة بالنفايات السامة والكسارات والمحافر والمعامل والتلوث، ب"مزبلة العالم"، ونتطلّع إلى يوم، لعلّه لا يكون بعيدا جدا، تنمحي فيه كل هذه التسميات من الواقع والذاكرة، ويعي اللبنانيون، شعبا وساسة، إنْ هم أرادوا، حقًّا، البقاء والحياة بكرامة وتحقيق ازدهارهم وقوتهم، في عالم شرّير، بلا رحمة، لا يوثَقُ به ولا يضمر الخير لهم، بأنّ لهذا الوطن رسالة حضارية إنسانية فريدة سامية، عليهم بالعمل، معا (لا خيار آخر لهم)، على توحيد عائلاتهم وطوائفهم وأوطانهم وقياداتهم الكثيرة، من أجل تحقيق هذه الرسالة. 

               إن الشعب اللبناني الواعي، البسيط، الحرّ، الذي لا يعبد أصنام الزعيم والعائلة والطائفة والمال، يراقب وينتظر، اليوم، ولكنْ بشكّ وحذر شديدَين، ودون تغذية أية آمال كبيرة بالساسة سرعان ما تتحوّل إلى أوهام وخيبة كما في السابق، ما ستؤول إليه نتائج وعود بعض الساسة في الحكم، بوقف هدر مال الشعب من الآن فصاعدا، بدءًا بأنفسهم، وبمحاربة الفساد، وبطرح مشروع "من أين لك هذا؟"، وبمعاقبة الفاسدين في الدولة، القدامى منهم والجدد، الكبار والصغار، مهما حاولوا الإحتماء برؤساء طوائفهم و/أو بأزلامهم المسلّحين. وهو ينتظر، أيضا، من حاملي راية محاربة الفساد في كرّهم وفرّهم وإقبالهم وإدبارهمعلى مسرح السياسة، أن يحموه، إن كانوا مخلصين وصادقين وجديين، من زيادة الضرائب وغلاء المعيشة لسدّ العجز المالي الذي لم يسبّبه هو، إنما سبَّبَه له ساسته الفاسدون، وقد بدأت صواعقها تنزل عليه بهدوء وخبث ودون ضجيج ودويّ، وتوجعه، وحده، بصمت. إن الشعب الحساس يراقب وينتظر، ببصيص أمل يبقيه على قيد الحياة، رغم كل شيء، ولكنْ، بألم بالغ جدا يحاول، عبثا، إخفاءه، شروقَ شمسِ فرجٍ لا تشرقُ، من وراء غيوم سوداء، دكناء، كثيفة، مخيفة، لا تبرح مكانها، رغم كثرة الصخب الذي يحدثه صياح ديوك السياسة.

المقال يعبّر عن وجهة نظر و رأي كاتبه