بهدوء… حتى لو كنّا مخطئين في النّظرة الإيجابية للموج الجماهيري الهادر في الجزائر والسودان وسواهما، ولو أسقطنا منها كلّ إمكانية للتدخّل الغربي الأميركي والأوروبي تحت مسمّيات وعناوين شتّى، ليصير الصلف الأميركي وعنجهيته العنصرية عاملاً مؤثراً ودافعاً فنقول عنه بأنّ ما يجري في دنيا العرب اليوم هو بفضل هذه العقلية الأميركية المتلحّفة بثوب الدّين العنصري والصهيوني، فبعد أن حشرت النّظم الرسمية العربية في زوايا الدّجل والهروب الدائم الى الأمام وتعفّن استبدادها واستبيحت مقدّرات الشعوب وثرواتها وتمّ تحويلها الى مصارف الغرب الإمبريالي وتماهت مع المشاريع الصهيونية وصفقاته المشبوهة، وكلّها بفعل الكشف الأميركي المبكّر عبر ترامب لسرطانات التّبعية العربية والاستزلام والتنازل عن السيادة الوطنية وحفظ الكرامة لدولهم وشعوبهم، ها هي الشعوب العربية تنهض من جديد لتسقط الرؤوس الكولونياليّة العسكرية منها والمدنية، متسلّحةً بفشل واستبداد النّظم السياسية والدينية الإخوانية، ومستندةً للوعي التاريخي في حجم التنازلات المذلّة بحقّ فلسطين ومقدّساتها وكلّ الأرض العربية: فلا مكان بعد اليوم لأيّ تسوية مع المستعمرين لا من الداخل عبر الوكلاء الوظيفيين والمحلّيين وأدوات البنك الدولي ومؤسّساته الإمبريالية، ولا مع الخارج الذي كشف عن وحشيّته القاتلة، حيث فشل مشروعه على ما يبدو في دول المشرق وصار خارج حلبة السّباق والتأثير وطارت منه مفاتيح الحلول، لينتقل اليوم إلى دول أفريقيا وشمالها علّه يكون قادراً على نقل التجربة التفتيتية لدول وازنة ومهمّة بحجم الجزائر ومصر والسودان.

إنّها سلاسل العبودية التاريخيّة التي لازمت العرب شعوباً وحكّاماً من دون أن يكون لهم قدرة الولوج لكسر أيّ حلقة من حلقات هذه الهزيمة الحضارية في وجه المستعمرين، حيث تحمّلت هذه الشعوب عبء الهزيمة التاريخية وأوزان الإخوان المسلمين الثّقيلة على أكتافهم منذ عام 1967، بلباس ليبرالي وقبول أوّلي بإمكانية التعايش مع الصهاينة ودولتهم المزعومة، وبإمكانية تسهيل طريق العولمة المتوحّشة والقبول بالاقتصاد الدامي على حساب الشعوب من منطوق الواقعية السياسية وانعدام البدائل والخيارات، فكشفتها خياراتها في سورية وحجم التآمر على دولتها وشعبها بقدر ما كشفها ترامب وعرّى الأساس الفقهي الذي انبنت عليه سياسة الإخونج التاريخية، بدأت أولى بشائر السّقوط هذا في تركيا إثر نتائج الانتخابات المحلّية الأخيرة ففرغت جعبتهم من أيّة مبادرات وأيّ إمكانية للاستثمار بالدم العربي والفلسطيني، وكذلك في النّهج الاقتصادي، فانكشفت وتفكّكت كلّ الكتل الإقليمية ضمن مجموعات غير موحّدة متباينة الأهداف والطروحات، مختلفة في الإيديولوجيا الدينية الإسلامية في ما بينها، متسابقة على كسب الودّ الأميركي ومن بعده «الإسرائيلي» لتنضوي في الناتو العربي «الإسرائيلي» الأميركي كعصا لتطويع الشعوب العربية ومعها أيّ نظام رسمي لا ينصاع للإرادة الإمبريالية الغربية و»إسرائيل»، تمهيداً لإسقاط إيران ومشروعها الثوري الذي بدأت بعض الشعوب تتّخذه منهجاً في التعبير عن سخطها لمجابهة التحدّي الغربي الاستعماري…

اليوم أمام العرب شعوباً وحكّاماً معطيات جديدة وفرص تاريخية قد لا تعوّض، فحتّى أولئك الذين وضعوا كلّ بيضهم في سلّة الأميركي و»الإسرائيلي» كعملاء ووكلاء للخارج لفظتهم الشعوب ومهما كانت الطريقة والأسلوب، فإنّنا نستطيع أن نتحدّث عن سقوط المشروع الإخواني بكلّ حوامله وتفريخاته الإرهابية منذ وقت سقوط وضرب الإرهاب في سورية ولبنان والعراق ومصر، وبات العرب أمام موجات من حركات التحرّر يلزمها فقط الشخصية الثورية الكاريزمية القائدة الذي تلتفّ حوله الجماهير الثائرة وليس عبر ثورات العالم الافتراضي، رغم أهميتها، لأنّ الواقع والشارع والتظاهر وتحقيق المطالب تتمّ بالجهد والصبر والتراكم النضالي، حتى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي ظفر بسقوط بشير السودان يبدو أنه يستبق مراحل التغيير وموجاته الآتية، حيث يعدّ قرار انسحاب مصر من الناتو العربيّ إذا تأكّد وحصل هو بمثابة قرار استراتيجيّ جريء قد يحرّرها من سلاسل العبوديّة الأميركيّة والخليجيّة معاً، ويعيد إليها قرارها المستقلّ وسيادتها الوطنية، وربّما يكون تمهيداً لمراجعة سياساتها مع الكيان الصهيوني، خاصّةً إذا جاء هذا التحوّل في إطار الانفتاح السياسيّ واحترام حقوق الإنسان والتعدّدية كمدخل لسلطة حكيمة، والتخلّي عن السّياسات الإقصائيّة لبعض المكوّنات السياسيّة…

إنّها مرحلة احتضار لما يسمّى الناتو العربي المرتكز على أسس طائفيّة ومذهبية لإغراق المنطقة في حروب طويلة تصبّ في مصلحة «إسرائيل»، وتبقي على الهزيمة الحضارية بيننا وبين الكيان الغاصب…أرجوكم لا تضيّعوا فرصة التحرّر هذه.

*أستاذ في العلوم السياسية والعلاقات الدولية

المصدر: جريدة البناء
المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه